زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

يوم أسلم الشاعر الألماني غوتة

يوم أسلم الشاعر الألماني غوتة ح.م

الشاعر الألماني غوتة تأثّر بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالإسلام

تولدت الرغبة في الكتابة عن غوتة لشغف نفسي وعاطفة جامحة للوقوف على سر علاقة هذا الشاعر الفيلسوف بآداب الشرق وأشعاره وموقفه من الرسول الأكرم (ص) ورسالة الإسلام الخالدة، فلست أعرف في الغرب أديبا ولا شاعرا ولا فيلسوفا تحرر من تلك القوالب الجامدة وأفلت من قيود الزمن والفكر وتباين الثقافات واللغة والعادات والأخلاق والقانون وتسامى على تلك الصورة النمطية التي ظلت ترتسم في الخيال الغربي عن الإسلام والقرآن ورسول السلام فلا تأتي إلا بنتائج مكررة وأحكام مسبقة تحجب الحقيقة الجلية عن البصيرة، مثلما أفلت الشاعر الألماني فولفغانغ غوتة.

فالشاعر غوتة لم بيق محايدا فقط في الكتابة عن الإسلام و شعائره ولكنه عبر بوجد وذوبان وروعة وجمال عن كل ما هو شرقي ومسلم قد لا يتصور قارئ عربي أو مسلم حين يقرأ قصائده في “ديوان شرقي لشاعر غربي” أن أبياته وأشعاره انسابت من قريحة رجل غربي تغلب على كل الرواسب وشق كل الستائر والحجب حتى وصل إلى أعماق روحه وشغاف قلبه، فامتزجت روحه بالروح التي حملها على الفناء فيه، فتحدث بلغة الشرق وعبر عن أحاسيسه.

بلغ من تأثره وإعجابه بالقرآن الكريم أن اقتبس الكثير من الصّور والمعاني القرآنية وصاغها في أبيات وقصائد، يلمحها من تجوّل بين صفحات “ديوان شرق غرب” والتي تُبيّن مدى انسجام غوته وتوافق فلسفته في الحياة مع التّصوّرات الإسلامية

وحتى لا أستغرق في الثناء والتقريظ فأحيد عن الموضوع وأتيه في غياهب لا مخرج لها، أعود فأقول إن القدر ساقني يوما إلى أن أطلع على ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، فوجدت كاتب المقدمة يذكر أن شاعر ألمانيا الأول وفيلسوفها غوتة كان قد توقّف عند الآية الكريمة “لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها” وقال “إذا كان هذا هو الإسلام فنحن كلنا مسلمون”، مما ولد في نفسي حافزا وتوقا شديدين إلى معرفة الدافع الحقيقي الذي يتوارى وراء هذا الموقف؛ هل كانت هذه فلتة لسان شاعر أو زلة قلم أديب  لا أكثر، أم أن صاحبها يعبر عن أحاسيس داخلية تفيض من القلب، وأن تعاطفه الوجداني مع الإسلام وثقافته هو أثر من آثار عمل العقل والفكر.

وحتى أرضي شغفي، وجدت لزاما علي الرجوع إلى بعض ما أّلفه غوته نفسه وما تناوله غيره من النقاد ومؤلفي التراجم والسير الذاتية، وليس في نيتي أن أنتقد شيئا مما سأجده بقدر ما خطر على بالي فقط أن أستطلع الصورة التي كونها الشاعر عن الإسلام ورسوله (ص).

 

التعاطف الوجداني مع الإسلام

لم أجد في واقع الأمر كتابا تناول أثر الثقافة الإسلامية والعربية على السيرة الأدبية والشعرية للشاعر الألماني غوته وموقفه من القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية، أجمل وأشمل من كتاب “غوته والإسلام” للنّاقدة والباحثة في تراث شاعر ألمانيا الكبير كتارينا مومسن، أستاذة الأدب الألماني بجامعة كاليفورنيا.

فالكتاب يشرح مستوى الإلهام الذي استوحاه غوتة من القرآن والعقيدة الإسلامية، ويبين الأسباب التي تختفي وتتوارى وراء الكثير من الأحاسيس الدافئة والدفاقة لكيانه الشّاعري.

القدر ساقني يوما إلى أن أطلع على ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، فوجدت كاتب المقدمة يذكر أن شاعر ألمانيا الأول وفيلسوفها غوتة كان قد توقّف عند الآية الكريمة “لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها” وقال “إذا كان هذا هو الإسلام فنحن كلنا مسلمون”

ففي الجزء الأوّل من الكتاب وتحت عنوان “رؤية تاريخية فكرية لعلاقة غوته بالدّين الإسلامي”، حاولت الكاتبة شرح قول الأديب الألماني” إذا كان معنى الإسلام التّسليم للّه فإنّنا جميعا نموت ونحيا مسلمين”، فكتبت تقول “إنَّ علاقة  غوتة بالإسلام وموقفه من صاحب الدعوة الأول محمد (ص) ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة، والتي ظلت تلازم الشاعر من شبابه إلى وفاته ولم تقتصر على مرحلة معينة من حياته، وهي تبين تلك الألفة وذلك الالتقاء مع تصورات العقيدة الإسلامية، والصورة التي كونها عن الإسلام تختلف تماما في إيجابيتها عن صورة باقي المستشرقين. إن هذه المشاركة الوجدانية والروحية  للمسلمين في عقائدهم ظل الشاعر يعلنها في الكثير من المواقف، وهو  شاب في مقتبل العمر (23سنة)، كتب قصيدة مدح للرسول (ص) بعنوان “نشيد محمد”، كان من المفروض أن تكون ضمن مسرحية شعرية لم يبق منها إلا شذرات، حيث يشبه النبي (ص) بالنهر الجاري الذي يتدفق هادئا رفيقا يجر معه السواقي والجداول في طريقه إلى البحر، ونور النجم الذي يتسلل عبر السحاب ليضيء كل شيء، والتي استهلها بهذه التشبيهات الجميلة للرسول (ص)

أنظروا إلى النبع بين الصخور         ناصعا متوهجا

كمنظرللنجوم…                        فوق السحاب

غذّت شبابه أرواح طيبة             يجترف معه إخوته الينابيع

وفي الأسفل….من الوادي          تنمو الزهور عند موطئ قدميه

والمرج يحيا بأنفاسه

ثم وهو في سن السبعين يعلن أنه ينوي الاحتفال بليلة القدر، لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن، ليخرق أخيرا كل الستائر والحجب وينفى عن نفسه ألا يكون مسلما وينظم هذه الرباعية التي نجدها في “ديوان شرقي لمؤلف غربي”

من الحماقة أن كلاًّ في موضعه

يطري رأيه الخاص

فإذا كان الإسلام استسلاما لله

فكلنا نحيا ونموت مسلمين

 

ظلال قرآنية في أدب غوتة

في سنة 1772 صدرت أول ترجمة مباشرة للقرآن الكريم إلى اللغة الألمانية للمستشرق دافيد ميغرلين بعنوان “إنجيل الأتراك”، حيث كتب متبجحا في مقدمة الترجمة، أنّه يرمي بترجمته هذه أن يعرّف الألمان حقيقة كتاب هذا النبي المزعوم، فكتب غوتة ردًّا قاسيا عليه في مقالة نقدية يقول فيها “إنَّ هذا عملٌ بائس أتمّه صاحبه في زمنٍ قصير وإنّا كنَّا نتمنّى أن يُترجم القرآن تحت سماءٍ شرقيّة، وأن يقوم بترجمته ألمانيّ يقرأه في خيمته بإحساس نبيّ وشاعر، وإنّه يبقى يُفضِّل ترجمة جورج سيل الإنجليزي على ترجمة دافيد ميغرلين”.

إن هذه المشاركة الوجدانية والروحية للمسلمين في عقائدهم ظل الشاعر يعلنها في الكثير من المواقف، وهو شاب في مقتبل العمر (23سنة)، كتب قصيدة مدح للرسول (ص) بعنوان “نشيد محمد”، كان من المفروض أن تكون ضمن مسرحية شعرية لم يبق منها إلا شذرات، حيث يشبه النبي (ص) بالنهر الجاري الذي يتدفق هادئا رفيقا يجر معه السواقي والجداول في طريقه إلى البحر، ونور النجم الذي يتسلل عبر السحاب ليضيء كل شيء

إن هذه المقالة النقدية لترجمة دافيد ميغرلين تعكس موقف الأديب الرافض لتلك الآراء المموهة والأفكار المزيّفة عن الإسلام والقرآن التي تخالف رأيه الذي أبداه بمناسبة صدور “ديوان شرق غرب”، حيث كتب يقول عن القرآن الكريم  “إنّ أسلوبه محكم، سام، مثير للدهشة، وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقا”.

وبلغ من تأثره وإعجابه  بالقرآن الكريم أن اقتبس الكثير من الصّور والمعاني القرآنية وصاغها في أبيات وقصائد، يلمحها من تجوّل بين صفحات “ديوان شرق غرب” والتي تُبيّن مدى انسجام غوته وتوافق فلسفته في الحياة مع التّصوّرات الإسلامية.

فقد ألهمته سورة الفاتحة هذه الرباعية التي جاءت في صيغة دعاء:

يريد الضلال أن يضلني

ولكنك تعرف كيف تهديني

فإن أنا أنشدت شعرا

فاهديني الصراط المستقيم.

ومن سورة الأنعام استلهم من الآية الكريمة “هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر” هذه الرّباعية:

لقد ثبت لكم النجوم ……….  هادية في البر والبحر

لتسترشدوا بها   …………    ناظرين دائما إلى أعلى

كما أن تأثره لم ينته عند حد الاقتباس من آيات القرآن الكريم، بل تعدّاه أن سعى ليجعل منه مؤنسا له في حياته، مثلما ورد في الرسالة التي بعث بها لصديقه المستشرق  يوهان غوت فريد هردر “إني أريد أن أدعو الله كما دعاه موسى في القرآن: رب أشرح لي صدري”.

 

مؤلف “فاوست” يهاجر إلى الشرق

في محاولة لفهم سر تحول الشاعر نحو الشرق، عدت إلى مسرحية “فاوست” لنفس الكاتب للإطلاع عن دلالتها ومحتواها وفكرتها، وحاولت أن أربطها بالإيحاءات الفكرية لديوان “شرق غرب”.

والحقيقة أن مسرحية “فاوست” تنقسم إلى قسمين؛ “فاوست” الأول الذي كتبه الشاعر مع بداية حياته و”فاوست” الثاني الذي انتهى من صياغته بعام واحد قبل مماته، غير أن فكرتهما واحدة، فكلاهما تختزل موقف الكاتب من الواقع ومن الثقافة والقيم التي سادت المجتمع الغربي عقب انتهاء الحروب الدينية وقيام الثورة الفرنسية وانفصال الكنيسة عن الحياة، وما تركه هذا الانفصام من أثر على الفكر والفن والأدب.

بلغ من تأثره وإعجابه بالقرآن الكريم أن اقتبس الكثير من الصّور والمعاني القرآنية وصاغها في أبيات وقصائد، يلمحها من تجوّل بين صفحات “ديوان شرق غرب” والتي تُبيّن مدى انسجام غوته وتوافق فلسفته في الحياة مع التّصوّرات الإسلامية، فقد ألهمته سورة الفاتحة

فـ”فاوست” تلك الشخصية القلقة التي تتململ من قيود القهر والحظّ، والذي قضى سنوات طوال بين الكتب والأوراق، وجد أخيرا أنَّ ما حصله من العلم لا يشفي غليله ولا يحقق له الكمال المنشود الذي تخيله في تحقيق المزيد من القوة والشهوة واللذة، وهو من أجل ذلك يسلك كل المسالك ممكنها ومستحيلها حتى وإن كانت لا تتفق مع أية عقيدة أو خلق، ظنًّا منه أنه بذلك سيصل إلى السّعادة المطلقة، لكنه يجد في الأخير أنه بسلوكه هذا لم يجلب على نفسه إلا الشقاء والحيرة والاضطراب، ويعجبني في هذا الصدد هذه الجمل التي وضعها الكاتب على لسان “فاوست” يرثى بها لحاله:

“أنا إذن مفرد خارج نفسي، معذب دائما بالشكوك،

غريب بلا هدف ولا وطن،أترنح في دوار وأسير في غباء،

بين الهاوية الحزينة لنفسي والجدار الصخري الرهيب لهذا العالم.

وأمام هذه المشقة الرهيبة والمرارة القاتلة والعجز عن فهم كنه الحياة وأسباب السعادة، لا يجد بطل المسرحية في “فاوست” الأول غير خيار الانتحار لأنه عجز عن تحقيق أحلامه ولم يجد دوافع لحياة جديدة.

أما في “فاوست” الثاني فإن  البطل قرر أن يخوض لجج المغامرة ويفر على متن سفينة ترحل به بعيدا عن واقعه، ولكن إلى أين؟ لسنا ندري.. فالكاتب لم يحدد وجهة البطل.

هذا فيما يخص مسرحية “فاوست”، أما في “ديوان شرقي لمؤلف غربي” فنجد شاعرنا الذي خامر قلبه القنوط وغزا روحه اليأس والضجر من كل شيء ولم يعد له قبل باحتمال الاضطرابات العنيفة التي عرفتها أوربا آنذاك وتعقيدات الحياة الثقافية والفلسفية وتركيباتها وبرودة الأحاسيس وتوحش المشاعر، لم يعد أمامه إلا الهجرة كما هاجر النبي محمد (ص) إلى بيئة يكون فيها أفق الروح أوسع من نظر الإنسان المحدود، فيكون فيها مطلقا من القيود التي تضغط على روحه وعقله، ويستطيع أن يعبر فيها عما يختلج في نفسه من مشاعر وعواطف وأحاسيس، وينعم فيها بما يشاء من الملاذ والأحلام، فأطلق لخياله العنان ليرسم هذه البيئة الجديدة، فوجد نفسه أمام صحراء شاسعة بفيافيها وبواديها، تمتد أمام عينيه إلى غير حد، أعجبه فيها نمط الحياة العربية الأولى بسذاجتها وسهولتها مثلما عبر عن ذلك في قصيدة “هجرة”، التي افتتح بها ديوان شرق غرب:

تحطم الشمال والغرب والجنوب وتناثروا

وثلت العروش واهتزت الممالك

ففر أنت إلى المشرق

هناك تتروح عبق الهداية

حيث الحب والشراب والغناء

سيعيدك ينبوع الخضر فتى من جديد

هناك حيث الطهر والحق والصفاء

أريد أن أقود البشر

لألج بهم أعماق الماضي السحيق

أين تلقت من الإله تعاليم السماء

بلغة أهل الأرض                         دون عناء في التفكير

هناك حيث يوقر الآباء                   وتؤنفُ سلطة الغريب

هناك حيث تجل الكلمات                  لا لشيء سوى أنها فاهت بها الأفواه

أود أن أمتزج بين الرعاة                  وأن أرتحل مع القوافل

وأن أسلك كل سبيل                     بين البوادي والمدن

وإذا كان غوتة قد عنون قصيدته الأولى، التي استهل بها ديوان شرق غرب بـ”هجرة”، فهو يشير بذلك إلى هجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة وبدء حياة إيمانية جديدة.

والشاعر الذي أحس بذلك الاغتراب الشديد في مجتمعه يريد أيضا هجرة روحية إلى الشرق، ينبوع الحكمة والفلسفة والدين، الذي استقى منه جل قصائده أو مثلما قال هو في قصيدة “إعتذار”:

من أراد أن يفهم الشاعر

فليرحل إلى ديار الشاعر

وليطلب له العيش في الشرق

حيثما يفهم أن القديم هو الجديد

ads-300-250

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

1 تعليق

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.