زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

هل تعيد الصورة هندسة الهوية السياسية للأحزاب؟

هل تعيد الصورة هندسة الهوية السياسية للأحزاب؟ ح.م

انتخابات وتناقضات..!

عناوين فرعية

  • تآكل الحدود الأيديولوجية في المشهد الانتخابي الجزائري

ملخص المقال: ينطلق المقال من رصد التناقض البصري بين مرجعيات الأحزاب (الإسلامية والعلمانية) وسمات مرشحيها، ويخلص إلى أن المشهد الحزبي الجزائري يعيش حالة من السيولة، تراجعت معها الهوية السياسية الصلبة لصالح البراغماتية السياسية الرخوة.

لا تنفك الساحة السياسية في الجزائرتكشف عن تناقضاتها، مع كل حدث سياسي لافت، متخذة من منصات التواصل الاجتماعي مساحة للتباري وللانكشاف، ما يجعل من ساحة النقاش الافتراضي، مختبرا سياسيا مهما، لرصد مختلف التحولات في فضاء رقمي مفتوح، وعلى الرغم من أن ذلك لا يشكل بالضرورة صورة نمطية، يمكن التأسيس عليها بالحكم على مدى استقرار وثبات هذه التحولات، فإن مضمون النقاش الذي يثار يعطي إشارات مهمة عن طبيعته تلك التحولات،وتلك التناقضات ودلالتها في المشهد السياسي الراهن.

السمات السياسية الإسلامية منها أو العلمانية، لم تعد تعبر بالضرورة عن هوية سياسية صارمة، والظاهر أننا نشهد مرحلة من تطبيع التناقضات ومحاولة كسر الصورة النمطية من أجل اختراق الأوعية الانتخابية المغايرة…

وفي الجزائر كما في غيرها صارت الصورة عنوانا تتفكك في ظله مختلف السرديات، خاصة التقليدية منها، التي طالما أسست للاستقطاب حاد طبع الحياة السياسية الجزائرية بسمات الحدية والقطيعة بين مختلف التيارات السياسية القائمة.

بهذا الخصوص تفجر نقاش افتراضي، على إثر الترويج لصور صاحبت عملية الإعلان عن قوائم الترشح لتشريعيات الثاني من جولية 2026، يتعلق الأمر بظهور ملامح واضحة على صور بعض المترشحين، تتناقض في تصور البعض مع السمات الأيديولوجية العامة والأساسية لتلك الأحزاب المرشِّحة..

فقد رشح حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD)، ذي المرجعية العلمانية، ضمن قوائم حزبه على مستوى ولاية تيبازة شخصيات تظهر عليها سمات تدين واضحة، ومقابل ذلك تضمنت قوائم أحزاب ذات مرجعية دينية (إسلامية)، شخصيات نسوية غير محجبة أو سافرة، كما علق البعض.

إن الصور التي انتشرت والتعليقات التي صاحبتها، لا تعتبر مجرد لقطات عابرة، بل يمكن القول إنها تشكل إشارات بصرية قوية، كاشفة لتناقضات إيديولوجية كامنة في الذاكرة السياسية الجزائرية،فإلى أي مدى تعكس تلك الإشارات الإيديولوجية تحولا جوهريا في البنية الإيديولوجية الحزبية الجزائرية؟ أم أنها لا تعدو أن تكون تعبيرا عن براغماتية انتخابية عابرة؟

يتجاوز هذا التحليل لهذه الصور الطارئة على المشهد الانتخابي، وما يثيره من تناقضات، فرضية التطبيع البراغماتي المحض، الذي يتبنى منطق التكتيك الانتخابيوالسياسي، ويحاول أن يقف عند حدود الاستقطاب الأيديولوجي والهوياتي، وضرورات التكيف للمحافظة على الوجود في مجتمع محافظ ديمقراطيا ومنكفئ سياسيا.

غاية ما نسعى إليه عبر هذه القراءة العابرة، هو تفكيك هذه الصورة الطارئة ودوافعها، ومحاولة استشراف مآلات التحول في الخطاب السياسي الحزبي، ودلالاته الأيديولوجية.

@ طالع للكاتب: بين هندسة الانفتاح وحدود التغيير في المشهد الانتخابي

بداية يمكن الإشارة إلى أن هذه الصور الانتخابية اللافتة، قد رافقها تعليقات متباينة، اتسم بعضها بالتوجس وبعضها الآخر بالاستغراب، وغرق البعض في السخرية والامتعاض، ونحى جزء قليل منها إلى تأويلها سياسيا،والتعبير عن المشهد بموت الأيديولوجية لدى هذه الأحزاب والتيارات التي كانت يوما ما تستند إلى هوية سياسية صلبة غير قابلة للاختراق.

بتجاوز هذه الصورة الكاريكاتورية المتجزئة، يمكن تصنيف مختلف ردود الفعل الرقمية المرافقة، إلى اتجاهات رئيسية، تعكس حالة الجدل والنقاش السياسي الراهن في الجزائر وهي:

رشح حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD)، ذي المرجعية العلمانية، ضمن قوائم حزبه على مستوى ولاية تيبازة شخصيات تظهر عليها سمات تدين واضحة، ومقابل ذلك تضمنت قوائم أحزاب ذات مرجعية دينية (إسلامية)، شخصيات نسوية غير محجبة أو سافرة، كما علق البعض.

اتجاه الصدمة الهوياتية: ويمثله المحافظون الذين يتبنون منطق النقاء الإيديولوجي، والذين قد يرمون هذه الأحزاب بخيانة مبادئها، وفي هذا الاتجاه تصب كثير من التعليقات، كتلك التي ترمي حزب مثل RCD بالتخلي عن مبادئه من أجل مقعد برلماني، أو التعبير عن عدم تقبل مرشحة بحجاب أو مرشح بسمت إسلامي في قائمة تتبنى فكرا علمانيا صريح، هذا استغباء للناخب، أو تلك التي ترمي الحزب الإسلامي بتجاوز الحدود، أين هويته الدينية مما يحدث.

اتجاه البراغماتية السياسية: ويمثله المؤيدون لهذا التحول، الذين يرون أن العملية الانتخابية هي لعبة أرقام وليست محاكمة للنوايا والمظاهر، ومن نماذج تعليقاته أن السياسة هي فن الممكن، والعبرة بالكفاءة وبالبرنامج لا ما تلبسه المترشحة أو يتوسم به المترشح.

اتجاه التشكيك والمناورة: ويمثله النقديون الذين يقرؤون الصورة بوصفها تكتيكا انتخابيا، من مراميه دغدغة المشاعر بهدف توسيع الوعاء الانتخابي، فيسم العملية بكونها مجرد مسرحية انتخابية لا تلبث أن تنتهي فصولها بعد الفوز والعودة إلى الخطاب القديم، فالأحزاب أصبحت شمولية، والصور والترشيحات ليست تعبيرا عن قناعات راسخة بقدر ما تعكس رغبة براغماتية للوصول إلى الحصانة والامتيازات.

اتجاه التطبيع والسخرية الإيجابية: ويمثله جيل ما بعد الاستقطاب، والذي لا يرى في الصورة قضية سياسية تستحق التوجس أو الريبة والعناء، فالصور وفق هذا التصور طبيعية تماما تعكس فسيفساء المجتمع الجزائري، وبالتالي فهذا الحدث مظهر لتطور طبيعي، والمهم أن ينتج البرلمان قوانين حقيقية، والمهم أن تكون للمحجبة أو للسافرة وللمتدين أو لغير المتدين مشاركة إيجابية وإضافة نوعية.

وأمام هذه التصنيفات التي لا تبدو بالضرورة صارمة، فقد تكون هناك تقاطعات بين مختلف الاتجاهات، بما يؤكد أن رسم حدود بينها يظل لضرورات التحليل فقط، فإن محاولة تقديم قراءة تفسيرية سياسية وفكرية، لا بد وأن تضعنا خارج حدود هذه التصنيفات الأربع، من خلال الغوص في الخلفيات الكامنة التي دفعت لتبني هذا التوجه، وتجاوز الصورة الإيديولوجية النمطية للحزب السياسي في الجزائر، حيث يمكن تفكيك الصورة العامة لهذه الخلفيات، عبر مستويات ثلاث: مستوى المعطى البراغماتي ومستوى التحول البنيوي والمستوى السياسي العام.

أولا: المعطى البراغماتي: وهو التفسير الذي ينطلق من واقعية سياسية ترتكز على أهمية توسيع الوعاء الانتخابي وتجاوز منطق الأدلجة، فالأحزاب الإسلامية والعلمانية على حد سواء تدرك طبيعة الشارع السياسي المحافظ والمعتدل في آن واحد. وإزاء ذلك يكون وسم ترشيحات الحزب العلماني بتلك الصورة رسالة طمأنة للمجتمع المحلي المحافظ، في كون أن الحزب ليس معاديا للدين.

في حين تتجلى براغماتية معاكسة تدفع الحزب الإسلامي للدفع بمرشحين من خارج عباءته (كما توحي به الصورة) رسالة في اتجاه كسر الصورة النمطية المرتبطة بالإسلام السياسي، وإظهار مساحة من الانفتاح على النخب النسوية، وتبني خطاب الدولة المدنية وما يسمى بالإسلام الديمقراطي المنفتح.

ثانيا: التطبيع الإيديولوجي كواجهة لتحول بنيوي: وفي هذا الإطار يمكن رصد بعض المؤشرات على تحول بنيويبطيء في المشهد السياسي الجزائري، الذي يعيش مرحلة ما بعد الاستقطاب الأيديولوجي الذي ميز فترة التسعينيات، والتي لم يعد الحزب في ظلها إلا منصة سياسية موصلة للتمثيل السياسي في الهيئات والمجالس السياسية المختلفة، وليس بالضرورة عباءة إيديولوجية مطلقة.

إزاء ذلك تحولت الممارسة السياسية لدى الأحزاب السياسية، فالإسلامية منها تحولت بنيويا، ضمن متطلبات العملية السياسية القائمة نحو العمل الحزبي المدني، الذي من مقتضياته تقديم البرامجية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على حساب تراجع الشعاراتية الدينية والدعوية، مما يجعل السفور على سبيل المثال لا الحصر مجرد تفصيل ثانوي لا يصمد أمام متطلبات الكفاءة والولاء السياسي الحزبي.

أما العلمانية منها فقد صارت أكثر استيعابا لضرورة لمتطلبات الهوية بأبعادها الوطنية والإسلامية، مما يجعلها أكثر قبولا وانفتاحا في اتجاه المظاهر الهوياتية المجتمعية.

@ طالع للكاتب: التيارات السياسية في الجزائر وسؤال الفشل؟

ثالثا: تحولات المستوى السياسي العام: قد لا تكون المتطلبات البراغماتية ولا التحولات البنيوية على هامشيتها، أساسا معتبرا فيتفسير تلك التناقضات التي أثارتها تلك الصور على جزئيتها، فما يحدث ليس إلا صدى لتحول سياسي عام، لم يعد ير في البعد الأيديولوجي محركا للحياة السياسية ولا في غيرها..

فقد أفرغت الساحة السياسية من محتواها الأيديولوجي، منذ تلك اللحظة التي تحمل فيها هذا المحتوى عبء المأساة الوطنية، فاستبعد من تمثل الحياة السياسية، في مظاهرها الحزبية وغيرها، وبالتالي التعبيرات السياسية المختلفة لم تعد تشي بذلك الصدى الإيديولوجي الصارم الذي ميز حقبة التسعينيات وما قبلها.

وكان من انعكاسات ذلك على مستوى العملية السياسية والانتخابية بالذات غياب التمايز فيما يطرح من مشاريع وبرامج، وصارت التنافسية السياسية الحزبية، على الشخصيات التي تحظى بقبول اجتماعي يسهل معه هندسة الانتخابات وتوسعة الوعاء السياسي، وبالتالي فإن القراءة التفسيرية السليمة لتلك الترشيحات الحزبية محكومة بشكل أساسي بهذا التحول السياسي العام.

التعبيرات السياسية المختلفة لم تعد تشي بذلك الصدى الإيديولوجي الصارم الذي ميز حقبة التسعينيات وما قبلها..

وفي الأخير يمكن القول إن النقاش الذي أثارته الصور الانتخابية المرصودة، لا يمكن اعتباره مجرد حالة كاريكاتورية مجتزئة، من مشهد سياسي متناقض، أو ضرورة براغماتية سمحت بها لعبة سياسية عابرة، بقدر ما هي تأشير بصري على مخاض عميق يمر به الحقل السياسي الجزائري.

وقد انطلق التحليل من إشكاليةجوهرية، تتساءل عن مدى تعبير هذه الصور عن تحول بنيوي راسخ أم انها مجرد تعبير عن براغماتية عابرة، ولعل ما أفضى إليه التحليل أن هذا الحقل من الممارسة السياسية يشهد تآكل للحدود الأيديولوجية.

وهكذا فإذا كانت البراغماتية الانتخابية هي المحرك المباشر لهذه الترشيحات، فإنها ترتكز في جوهرها على تحولات بنيوية بطيئة وعميقة، تحولت الأحزاب عبرها من حاضنات أيديولوجية صلبة إلى منصات انتخابية رخوة، تحت ضغط اجتماعي وسياسي يؤثر التكيف، للمحافظة على الاستقرار والاستمرار والوجود.

ولعل أهم ما يمكن أن نخلص إليه من نتائج لهذا الرصد والتحليل، أن توسعة الوعاء الانتخابي أصبح محددا أساسيا في التوجهات السياسية، وأن السمات السياسية الإسلامية منها أو العلمانية، لم تعد تعبر بالضرورة عن هوية سياسية صارمة، والظاهر أننا نشهد مرحلة من تطبيع التناقضات ومحاولة كسر الصورة النمطية من أجل اختراق الأوعية الانتخابية المغايرة، بما يشير إلى حالة من التآكل الأيديولوجي ويفضي في نهاية المطاف إلى إفراغ العملية السياسية من محتواها الجوهري، وإعلان موت الأيديولوجيا، فهل يمكن أن تموت الأيديولوجيا؟

وحتى لا يتكرس ذلك فإن المطلوب بشكل عام، هو تجاوز السطحية في الطرح، والارتقاء بالنقاش العمومي إلى مستوى التحديات البرامجية، التي تجيب على إشكاليات جوهرية يمر بها المجتمع الجزائري، كما يقع على الأحزاب السياسية أن تعي أهمية التحولات البنيوية التي تمر بها، وإلا تحولت إلى مجرد أجهزة بيروقراطية تعتاش على الريع السياسي وتؤثر المناورة السياسية الآنية بدون ملامح هوياتية واضحة أو مصداقية شعبية معتبرة.

✍️ بقلم: أ‌. سالمي العيفة
كلية العلوم السياسية – جامعة الجزائر 3

zoom

@ طالع للكاتب:
عن مبادرة التنسيق الانتخابي بين حركتي “حمس” و”البناء”

 

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.