أغلب الشجارات الليلية التي نراها في شوارعنا اليوم - بالعصي والسيوف والكلاب - لا تحدث بين مواطنين عاديين، بل بين أفراد العصابات أنفسهم.
إنها صراعات على مناطق نفوذ تُدار خارج القانون، لا تختلف كثيرًا عمّا يحدث في الأحياء الأميركية الفقيرة، حيث تتحكم العصابات في الزوايا والأرصفة.
في شوارعنا، كلّ فراغ صغير صار مجالًا للنفوذ: ركنٌ لبيع الممنوعات، طاولة في الرصيف، سوقٌ غير مرخّص، حارسٌ ليلي يحرس سيارتك غصبًا وإلا وجّه أصحابه لسرقتها، حظائر سيارات بلا ترخيص، مشاحنات يومية، فوضى في طرقاتنا.
الدولة – وفي حالتنا الجزائرية تحديدًا – مطالبة اليوم أن تستعيد الشارع بكل ما أوتيت من قوة وحزم، وهي تملك القوة والحزم، أن تعيد الأمن الحقيقي إلى شوارعنا وعماراتنا وزوايانا المخفية، وتطارد المجرمين وباعة المهلوسات وعصابات الشوارع بلا رحمة، وبصرامة تليق بدولةٍ تريد أن تعيد ضبط الأمور.
بهذه التفاصيل الصغيرة تُنتزع السلطة من الدولة تدريجيًا، ويُعاد توزيعها بين الأفراد خارج القانون.
وما إن تغيب الدولة عن تنظيم الشارع، حتى يتغوّل هؤلاء ويتمددون.
🔷 هناك مشهد بالمقابل أتذكّره في رحلاتي إلى بعض الدولٍ إفريقية، حيث كنت ألاحظ أمرا يتكرر:
أشخاص ينصبون حواجز في الطريق، يقطعونها بالمتاريس ويطلبون المال وهم يحملون الأدوات الحديدية والحادة، يمنعون الناس من العبور ولا يخافون أحدًا. كثيرًا ما يختلفون بينهم حول “مبلغ العبور” فتندلع مشادات عنيفة بينهم؛ وأحيانًا نجد حاجزًا آخر غير بعيد عنهم، وحين نخبرهم بوجود من سبقهم وأننا دفعنا قبل ذلك؛ ينطلقون في آثارهم، ويمكنك توقع ما يحدث!
هذه الظاهرة لا تراها إلا في الدول الإفريقية التي أكلها الفساد وتآكل فيها مفهوم الدولة.
بينما في دولٍ أخرى من القارة – مثل رواندا، كينيا، تنزانيا، وحتى البينين – يستحيل أن تجد من يجرؤ على ذلك، لأن من يفعلها يُسجَن فورًا ويُلاحَق ويُنك. ل به بأسوأ الطرق.
@ طالع أيضا: بعد فاجعة “مروة”.. دعوة لحجب موقع تيكتوك؟
استنتجت وقتها، من الملاحظة وحدها، أن الدولة التي تفقد الشارع لصالح العصابات وقطاع الطرق والبلطجية، هي في النهاية دولة تتآكل من الداخل.
والمعادلة واضحة: حين تضعف هيبة القانون، تضعف هيبة الدولة، وهذا الفراغ الناجم عن هذا الوضع لا يملؤه إلا الخارجون عن القانون.
🔷 لذلك، فإن الدولة – وفي حالتنا الجزائرية تحديدًا – مطالبة اليوم أن تستعيد الشارع بكل ما أوتيت من قوة وحزم، وهي تملك القوة والحزم، أن تعيد الأمن الحقيقي إلى شوارعنا وعماراتنا وزوايانا المخفية، وتطارد المجرمين وباعة المهلوسات وعصابات الشوارع بلا رحمة، وبصرامة تليق بدولةٍ تريد أن تعيد ضبط الأمور.
🔸 لا يمكن لأي مجتمع أن يكون بلا جريمة، هذا مستحيل، لكن يمكن الردع بشدّة.
الردع بلغة القانون، بالتشهير العلني بالمجرمين، بتصويرهم ونشر وجوههم واعترافاتهم بالفيديو.
فكيف يُسمح اليوم بنشر صور نصّابين ومحتالين، ولا تُنشر صور من يروّعون الناس بالسلاح ومن يسممون أبناءنا؟ هذا ما لم أفهمه بعد.
اليوم هناك مُعطى جديد تمامًا: لقد تغيّرت صورة السجن في ذهن كثيرٍ من الجزائريين. لم يعد عيبًا أو عارًا، بل صار مفاخرةً، لأنه مريح وآمن. على المنصّات المختلفة ترى صور المسجونين ومقاطع فيديو ومعها الشعار التا فه “الله يطلق سراحه”، لقد تحول إلى وسام شرف على صدور الغائبين؛ حتى صار بعض غير المعتادين على الإجرام يرغبون في “التجربة” فقط ليعيشوا البطولة الوهمية نفسها، فيفتقدهم أصدقاؤهم.
السؤال الذي ظلّ يطاردني منذ ذلك اليوم: لماذا لا يُستغل هؤلاء المساجين – خصوصًا معتادي العنف والاعتداءات – في أعمالٍ تعود بالنفع على المجتمع؟
والأدهى والأمر أن المسلسلات الجزائرية الرمضانية خصوصا في السنوات الأخيرة ساهمت في هذا الغرس الثقافي الخطير؛ إذ حوّلت بطولات البلطجة إلى مشاهد مألوفة، وتمّ التطبيع مع العنف والانحراف، حتى صار الفاسد وقاطع الطريق وبائع الممنوعات جميعهم يُقدَّمون بوصفهم “أولاد الحومة الشجعان”، لا مصدرًا للعار الاجتماعي كما كان الأمر من قبل.
🔹 أتذكّر عام 2008، أنني قضيت يومًا في أحد السجون لإنجاز روبورتاج ميداني، تفاجأت بما رأيت.
السجناء يشاهدون مباراة وفاق سطيف في دوري أبطال العرب، بينما أنا لم أشاهدها لأني لم أكن أملك اشتراكًا خاصًا.
@ طالع أيضا: ظاهرة الوخز بالإبر تتخذ أبعادا خطيرة في الجزائر
كانوا يمارسون الرياضة، يقرؤون الصحف والمجلات، يعيشون في ظروفٍ لا تمتّ إلى الصورة النمطية للسجن بصلة.
وقتها بعد أن حاورت الكثير منهم (أصحاب أحكام طويلة)، تأكدت بعيني أن السجن لم يعد مرعبًا..
والسؤال الذي ظلّ يطاردني منذ ذلك اليوم: لماذا لا يُستغل هؤلاء المساجين – خصوصًا معتادي العنف والاعتداءات – في أعمالٍ تعود بالنفع على المجتمع؟
في أوروبا، نرى لاعبين ومشاهير يُعاقبون بخدمة المجتمع (الصالح العام) بسبب مخالفات أو ضرائب غير مدفوعة.
فلماذا لا نرى فرقًا من المساجين ينظفون شوارعنا، يزرعون في الصحراء، يحفرون، يرممون؟
🔸 ولماذا ننفق المليارات على سجناء بلا إنتاج؟
في سجن بوكعبن بنواحي باتنة، هناك تجربة مميزة لسجنٍ مفتوحٍ على الهواء الطلق، يشارك فيه النزلاء في أعمال الزراعة. تجربة كهذه تستحق أن تُعمَّم على باقي الوطن، خاصة مع ما سمعناه عن مشاريع مماثلة، حيث قرأت من قبل عن استصلاح أكثر من ألفي هكتار بتيميمون، وألف هكتار بمنطقة الشعبونية بالمدية، و400 هكتار بغرداية، وهي مبادرات لا أعرف أين وصلت الأمور في تنفيذها.
لكن واقعنا مختلف؛ فكثير من السجناء يخرجون وقد ازداد وزنهم، من دون أن يتغير سلوكهم أو يردعهم العقاب، فيعودون سريعًا إلى ما كانوا عليه.
فالسجن، في جوهره، يجب أن يكون فضاءً للعمل، والتأهيل، وإعادة التربية، لا مكانًا للراحة والأكل والنوم.
لكن واقعنا مختلف؛ فكثير من السجناء يخرجون وقد ازداد وزنهم، من دون أن يتغير سلوكهم أو يردعهم العقاب، فيعودون سريعًا إلى ما كانوا عليه.
أمّا هذه “الرحمة الزائدة” التي تُمارس باسم الإنسانية تجاه من لا رحمة في قلوبهم، فهي في جوهرها تواطؤٌ غير مقصود.
لا معنى للعطف في وجه من يروّع الناس ويسلبهم أمنهم؛
فالرحمة الحقيقية تكمُن في حماية المجتمع منهم، عبر صرامةٍ في الردع وتشديدٍ في العقوبات.
🔷 إن أرادت الدولة أن تسترجع الشارع – وهي تستطيع بمساعدتنا جميعًا – فعليها أن تضرب بيدٍ من حديد، وأن تُلغي فكرة العفو والعقوبات التي لم تعد تردع أحدًا.
@ طالع أيضا: فرانشيسكا ألبانيزي.. امرأة خير من ألف رجل!
عقوبات طويلة جدا وصارمة وخدمة الصالح العام لمن يروّعون الناس، ليكون السجن سجنًا.
👈 والحقيقة التي يجب أن نعترف بها أنّ انتشار المهلوسات هو البلاء الأكبر، ورأس الأفعى الذي تفرّعت منه ظواهر أشدّ خطرًا على الأمن والمجتمع معًا.
ومواجهة كل ما تفرع من مشكلات لا تكون بردود فعل انفعالية، بل بـعملٍ متكاملٍ ومستمرّ، يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمرّ عبر الإعلام والمجتمع المدني، لزرع وعيٍ جديدٍ
لأن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل حين تنكسر هيبة القانون في الوعي الجمعي.
فحين لا يخاف المواطن من الدولة، يبدأ الناس بالخوف من بعضهم بعضًا.
هيبة أي دولة تُقاس بمدى شعور المواطن أنه محمٍ. لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها؛ فـ المواطن شريك في حماية مجتمعه، من خلال تبني ثقافة التبليغ (يراها البعض وصمة عار للأسف)..
وفي النهاية : هيبة أي دولة تُقاس بمدى شعور المواطن أنه محمٍ.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها؛ فـ المواطن شريك في حماية مجتمعه، من خلال تبني ثقافة التبليغ (يراها البعض وصمة عار للأسف)، واستخدام أدواته المتاحة – من الكلمة في هذه المنصات والتنديد إلى التصوير والمشاركة بما في ذلك في الصفحات التي تقوم بدور كبير – لفضح السلوكيات الإجرامية.
فـالصمت تواطؤ، واللامبالاة خيانة حقيقية، لا تُنتج سوى مزيدٍ من الخراب.
هذه الحملة التي تدور في عديد المنصات ومنها “فيسبوك” ضد عصابات الشوارع (خصوصا ضد هشام الوهراني غير أن هناك من هم أخطر منه عموما) نتمناها مرحلة أولى في مشروعٍ شاملٍ لإعادة الأمن الاجتماعي، مشروعٍ يعالج جذور المشكلة ويجد حلولا مستدامة؛ فلعلّها تكون بداية التحوّل الذي تأخر كثيرًا…
🔸 لو كنت تملك سلطة القرار ما أول قرار تتخذه لردع أشباه هشام الوهراني وغيرهم؟
@ طالع أيضا: هكذا “تسرق” الوسائط الرقمية وقتك، وأيضا “إنسانيتك”؟!
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.