زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

نهايات..!

فيسبوك القراءة من المصدر
نهايات..! ح.م

هكذا يطوي جيل الثورة آخر تمظهر له في أعلى هرم البلد الذي حرره، فبوفاة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تكون الجزائر قد وضعت فاصلة بين فواصل تاريخها المعاصر تؤرخ من خلالها لطبيعة الحكم الذي أعقب الاستقلال عن المستدمر الفرنسي، وسيقال الكثير عن هذه المرحلة، وخاصة عندما يتحرر المؤرخون من حساباتهم لنفوذ ذات الأطراف التي يريدون الكتابة عنها.

إنه جيل ينقضي، بقدر ما سطر ملحمة ثورية من أعظم ملاحم التاريخ المعاصر بقدر ما فشل في إنشاء دولة بالمواصفات التي تستحقها تلك الثورة العظيمة، وإننا في حاجة ملحة إلى وعي اللحظة التاريخية وعيا حقيقيا، لأجل إعادة بناء مفهوم جديد لمعاني: الدولة، النظام، السلطة، السياسة، الشأن العام، بعد أن تحركت في المواطن الجزائر حاسة كان بوتفليقة قد نجح في قبرها، وهي حاسة الاهتمام بالشأن السياسي.

لم يؤسس بوتفليقة نظاما جديدا، بل إنه حكم في ظل نظام تشكل كتصفية لحسابات قديمة خيمت على مرحلة النضال التحرري، ثم عبرت عن نفسها في أزمات القيادة وانقلابات السلطة والصراع عليها بين المجموعات التي تتشكل وتتكتل وتعيد بناء نفسها بطرق مختلفة وفق مقتضيات التموقع وحسابات الربح والخسارة، وإذا كان من ميزة لعهدته فهي محاولة تقوية مؤسسة رئاسة الجمهورية في ظل نفس منطق الصراع وليس لأجل الدفع نحو دولة المؤسسات، لكن الأبرز الذي ستحفظه ذاكرة الشعب هو الاصرار على الإدارة بالأزمة، وعدم فتح أي ورشة إصلاح سياسية حقيقية، بل العمل على تفكيك الأحزاب وتلويث النضال السياسي لأجل حكم شمولي، وتغول شبكة الفساد المالي التي تحولت إلى سلطة موازية مسيطرة ترسم السياسات بما يحقق مصالحها، ما أدى لحدوث طبقية فاضحة لم تكن معروفة، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط التي تم توظيفها في شراء السلم الاجتماعي وإبعاد النقاش عن أي مطلبية سياسية تغييرية، فضيعت على الوطن فرصة إقلاع حقيقية.

أدار عبد العزيز بوتفليقة ملفات حساسة من خلال توظيف تجربته وعلاقاته وطريقة رؤيته للأمور، لكنها في الأخير كانت تعبر عن التوازنات والممكنات وليس عن رؤية خاصة واستراتيجة مرسومة، لذلك فإن اعتبار وجود عهد بوتفليقي خالص هو مجرد توصيف ظاهري واختزال سطحي سيشجع عليه أنه توفي مخلوعا عن منصبه عبر الرفض الشعبي وقرار مؤسسة الجيش التي دفعته للاستقالة، لقد كان عهده في الحقيقة امتدادا لجيل كامل، عهد يجعل كلمة نظام أو سلطة أكبر من كلمة رئيس؛ لأن مراكز السلطة كلها كانت فاعلة مؤثرة، والقدرة على تحييد جهة ما إنما تنتهي إلى الجهة المقابلة وليس إلى بناء نظام مختلف، وهذا يرتبط دائما بخلفيات تاريخية تعود لجذر التشكل الثوري للدولة الجزائرية.

ضيع بوتفليقة فرصة فهم الحراك الشعبي الذي لا يزال يحتاج تفكيكا عميقا لانطلاقته، لكنه لم يضيعها وحده، فلم يكن له أن يمرر رؤيته خارج التوافقات الداخلية، لذلك يمكن القول أن هناك من أسهم في تضييعها أكثر منه، لكنه يتحمل كل المسؤولية لأنه يقع ضمن الفاعلين الأساسيين الذين حاولوا ترتيب الأمور بما يضمن استمرارية نفس أساليب الحكم وليس لصالح قطيعة تؤسس لنظام جديد على مستوى الآليات والممارسات التي تحول ثقافة القانون إلى حقيقة واقعية وليس إلى مجرد شعارات جوفاء.

سيبقى بالنسبة لي ملف التربية والتعليم أكبر كارثة جنت على الجزائر في سنوات بوتفليقة، فالأدلجة التي بدأت مع لجنة بن زاغو وسهر الوزراء على تنفيذها قد ألقت المدرسة الجزائرية في قاع الفشل، وأنتجت جيلا ضعيف التكوين رغم كل الجهود التي يبذلها قطاع واسع من الأسرة التربوية والأولياء، لذلك تكشف المخرجات في الجامعة عن “كارثة” حقيقية قد لا يستوعبها من هو أحد ضحاياها، وأقول أن هذا المجال هو المصيبة الأولى لأن باقي المجالات قد يتم إصلاحها، لكن تفريخ الرداءة هو إلقاء لكرة ثلج تتدحرج وتكبر لتجر معها مختلف أنواع الفشل والتميع.

إنه جيل ينقضي، بقدر ما سطر ملحمة ثورية من أعظم ملاحم التاريخ المعاصر بقدر ما فشل في إنشاء دولة بالمواصفات التي تستحقها تلك الثورة العظيمة، وإننا في حاجة ملحة إلى وعي اللحظة التاريخية وعيا حقيقيا، لأجل إعادة بناء مفهوم جديد لمعاني: الدولة، النظام، السلطة، السياسة، الشأن العام، بعد أن تحركت في المواطن الجزائر حاسة كان بوتفليقة قد نجح في قبرها، وهي حاسة الاهتمام بالشأن السياسي.

@ بقلم: د. حسين بوبيدي

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.