جُنّدت مؤخرًا، مختلف وسائل الإعلام الجزائرية السمعية البصرية، والمكتوبة الورقية منها والإلكترونية لغاية واحدةٍ، شنّ حملة إعلامية انتخابية، تحُث الناخبين على إسماع صوتهم واختيار ممثلهم.
وصار الكل يعزف على ألحان سيمفونية سياسية ذاتِ حركتين، “سمّع صوتك” يا مواطن. وهذا المقال الصغير الضيّق لن يؤثر شيئا ولن يضيف إن نُشر، ولن يَحذِف إن هو حُجب ولم يُنشر، فالحملة كبيرة وواسعة، والجزائر الأكبر صارت على مقربة من موعد التشريعيات المصيرية، كما يحب الساسة وصفها من وراء الشاشة. لذلك لا يختلف اثنان على أنهم في غنى تام عن أحرفي، لذا قررت أن أغيّر اتجاه هذه الحملة من وجهتها السياسية التي ستُثبت -في حال نجحت- أن الوطن مستقرٌ إلى وجهة ثقافية، على أمل أن تدعّم هذه الحروف فكرة أن للجزائر أقلام تغير.
عزيزي القارئ، تخيّل فقط وأطل ذلك، لو أن مثل هذه الحملة الإعلامية التي تُصدع رؤوسنا ليل نهار، تكون حملةً إعلامية تدعو إلى “المطالعة والقراءة”؟؟
ما النتيجة؟ وكيف ستكون؟
حملة التشجيع على المطالعة ستنجح قبل بدايتها، لأنها لا تعترف بمعيار الكمّ بقدر الكيف، عكس الحملة السياسية التي لا يهمها سوى “الصوت” كيفما كان. فحملة المطالعة ستنجح إذا ما أصابت فردًا واحدا، كان في جهالة ودخل بفضلها إلى عالم الكتب والنور.
عزيزي القارئ، تخيّل فقط وأطل ذلك، لو أن مثل هذه الحملة الإعلامية التي تُصدع رؤوسنا ليل نهار، تكون حملةً إعلامية تدعو إلى “المطالعة والقراءة”؟؟
أن يكون لنا راديو هادف يحثّ على تصفح الكتب، وتلفازٌ يستضيف الأدباء والناشرين على حدّ سواء، لدعم الحملة القرائية، وأن تكون لنا صحفٌ تُعلم المواطن البسيط كيف يخرج من عتمة الجهل إلى فسحة القراءة مقابل مبلغ 20 دج كثمنٍ رمزي للصحيفة، وبمجرد أن تتواصل الحملة الإعلامية القرائية على مدى شهرٍ كاملٍ، وهي لا تتوانى في التروّيج للكتب والمؤلفات والمطبوعات باختلاف أصنافها وأشكالها كمثل اختلاف التوجّه والصفّ عند تلك الأحزاب السياسية، وأن تضيف الحملة طرحًا شاملا لما في الكتب من قيّم علمية وثقافية.
أن ترى هكذا حملة في خيالك عزيزي القارئ، وفي جزائر 2017 بالضبط، فأنت محظوظ… جميلٌ أن تسمع نقاشات وأحاديث عن المطالعة والكتب في المقاهي يوميًا، وفي سيارات الأجرة، وفي المعامل والمصانع، وتسمعها في الجامعات أيضًا ومؤسسات التعليم والتربية، وحتى في الشارع، وترى أن الكل همّه أي كتاب سيقرأ غدًا؟ ولِــمَ بالضبط اِختاره وأي قناة تمكنت في إقناعه باقتناء ذلك الكتاب.
وفي هذه الحملة الخيالية سينتقل صراع القنوات المتلفزة –التي تعتبر أكثر وسائل الإعلام تأثيرا في الرأي العام -من مواضيع السياسية الساخنة التي تثير الضجّة التي لا طائل منها سوى النميمة والقذف والسبّ أحيانا، إلى صراع جديد يتمثل فيمن سيستضيف الكاتب والأديب والدكتور الفلاني أولا، وأي إغراء استخدمته القناة لتحقق ظفرًا باهرا يجيء على شكل لقاء “حصري” معه. وسيصل الصراع الجديد إلى أي قناة أو مؤسسة إعلامية ستُدعم أكبر عدد ممكن من حديثّي عالم التأليف والنشر.
ستكون الحملة التي تتخيلها عزيزي القارئ حملةً توعويةً، تنشر الوعي في عمق المجتمع المتعطش لتجربة جديدة، حملةٌ ستصنع لنا جيلا واعيا مثقفًا، وستُخرّج لنا الحملة مواطنًا مستقرًا، لن يحتاج بعدها وصاعدًا إلى حملةٍ -كهذه التي نعيشها حاليا-، تُذكره أن “الانتخاب واجب” و”المطالعة هواية”، لأنه وبلا شك سيصل إلى مستوى ثقافي يُؤهله ويُمكّنه من اكتشاف “ما معنى أن ينتخب ويُسمع صوته”، فإذا كنتم يا ساستنا فاسدين لن يدعمكم بصوته، وإن كنتم صالحين ومُصلحين فلن يتردّد، ولن يحتاج إلى حملة واسعة شاسعة تتغذى من أموال الكادحين الجياع. كما سيستدرك المواطن المُتَخَرِجُ من حملة القراءة أن المطالعة لم تكن يومًا هواية، بل هوّية لا تتجزأ منه.
عزيزي القارئ، لازلت تتخيّل أليس كذلك؟.. افتح كتابك ثم سمّع صوتك.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.