زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

ما لم نقله قبل مباراة بولوكواني

elkhabar-hebdo.com القراءة من المصدر
ما لم نقله قبل مباراة بولوكواني ح.م

حسان زهار

قبل مباراة بولوكواني التي منح فيها الفريق الوطني الجزائري لفريق سلوفينيا المتواضع أول انتصار له في تاريخ مشاركاته المونديالية، وتحديدا بعد ملحمة أم درمان، كان انتقاد أداء اللاعبين أو خطة سعدان وخياراته، من الممنوعات القريبة من تخطي الخطوط الحمراء التي تحدث عنها الرئيس بوتفليقة في المجال السياسي، ورأينا كيف تم "تخوين" البعض فقط لأنهم قالوا رأيهم بصراحة خارج سرب المطبّلين، بل ووصل الأمر إلى حد الترهيب والتهديد بالموت وما إلى ذلك.

في تلك الفترة البئيسة التي أعادت الأحادية الفكرية بأبشع صورها، مرة باسم وطنية شوفينية مغلقة، ومرة باسم عدم التشويش على الفريق وضرب استقراره، لم يكن هناك مجال للكلام الصريح والواضح عن التوظيف السياسي المبتذل لكرة القدم، في بلد يعيش التخلف بكل أشكاله وألوانه، وأن كل هذا الهيلمان منقطع النظير الذي رافق التأهل للمونديال ما كان في حقيقة الأمر عند صناع القرار تحديدا غير حقنة من “مخدر لذيذ” تم حقن الشعب به حتى ما عاد ينام أو يستيقظ إلا على أخبار سعدان وتشكيلة سعدان وتكتيك سعدان.

في تلك الأثناء، لم يكن بمقدور أحد أن يقول بأن نزول رئيس الوزراء السلوفيني ليمسح أحذية لاعبي فريقه الوطني لاعبا لاعبا عقب التأهل، جاء بسبب رغبة في البقاء في الحكم، أو أن استقبال أوباما مثلا للاعبي الفريق الأمريكي لأول مرة في البيت الأبيض كان بغرض ضمان العهدة الثانية والثالثة وأكثر.. لكن عندنا الأمور محسوبة سياسيا بالمليمتر، محسوبة بأرقام الفساد والشمولية السياسية والتعتيم، ولذلك منذ أن صرح الرئيس بأنه مستعد من أجل إسعاد الشباب الجزائري لشراء فريق من الخارج إذا كان يباع، اتضح التوجه الجديد بأن دواء الإرهاب والحرقة والاضطرابات الاجتماعية هو “البالو” ولو باستيراد فريق “شبه جزائري” لهذه المهمة الخطيرة.

قبل مباراة بولوكواني التي فضحت “المستور”، كان ممنوعا تحليل هزيمة مالاوي الغريبة، والقول إن الهزيمة كانت بسبب الاستهتار والعقلية غير الاحترافية لمعظم اللاعبين الذين اعتقدوا أنهم بعد التأهل للمونديال صاروا “سوبر ستار” قبل أن يصفعه جياع مالاوي بثلاثية تاريخية كاملة، وليس بسبب الارتفاع والحرارة الشديدة كما تم تبرير الهزيمة ساعتها.. وأذكر أن صحافيين عديدين عوقبوا لأنهم كتبوا آراءهم بموضوعية بعد أن وصلت مديري بعض الجرائد مكالمات من فوق.. كما كان ممنوعا أيضا تحليل هزيمة مصر في نصف نهائي كأس إفريقيا والقول أن الهزيمة برباعية كاملة كانت بحق هزيمة مذلة بسبب الضعف الرهيب للفريق الجزائري أمام نظيره المصري وبسبب التهور وقلة الحيلة، وليس بسبب الحكم كوفي كوجية الذي إن كان أخطأ في طرد حليش فإنه لم يخطئ إطلاقا في طرد بلحاج وشاوشي، وبالتالي فقد فوّتنا على أنفسنا بسبب هذه العقلية البالية في عدم الاعتراف بالأخطاء وبالنقائص بغرض تفاديها مستقبلا، فرصة تقويم عقلاني لفريق يستعد للذهاب إلى كأس العالم، فكان من ثمار غياب ثقافة تحمّل المسؤوليات أن حمّلنا ضعفنا وأخطاءنا للارتفاع والرطوبة والأحوال الجوية وكوفي كوجية وحتى للسحر والشعوذة.. قبل أن ننتقل طبعا إلى تبرير هزيمة سلوفينيا بالعودة إلى حكاية سوء أرضية الميدان ونوعية الكرة. قبل مباراة بولوكواني التي أيقظتنا من تخدير الوطنية الشوفينية العمياء والصماء والبلهاء، كان شبه ممنوع الإقرار بأن هزيمة صربيا بثلاثية في ملعب خمسة جويلية وأمام مائة ألف متفرج، هي بسبب غياب عمق لعب وليس بسبب اللاعبين المحليين الذين تم تقديمهم كبش فداء على مذبح الصرب، وأن هزيمة إيرلندا بثلاثية أيضا هو بسبب عقم الهجوم الفاضح وليس بسبب الإصابات كما تأكد ذلك أمام الإمارات.

كان الفريق يظهر حتى للعميان أنه فريق أعرج، فريق لا يملك الهجوم نهائيا، لا يملك قلب هجوم، لا يملك خطة لعب واضحة أو مفهومة على الأقل، ومع ذلك لم تكن هنالك أصوات حقيقية تقول أن سعدان يأخذ الفريق إلى الهاوية، والجزائر إلى الفضيحة الحتمية في مونديال “ما فيهش بوزهرون”، ولا تنفع معه دعوات أبو جرة سلطاني إذا ما كانت الأرجل مكسورة والإرادات خائرة. قبل بولوكواني التي عرّتنا أمام العالم وأمام المصريين الذين تشفوا فينا، لم يجرؤ أحد أن يطرح حقيقة إبعاد لموشية، ولا لماذا رفض زياية تلبية دعوة سعدان.. فهذه أمور أعترف أنها إلى اليوم ما زالت من المحظورات، لكنها بعد بولوكواني ملفات اكتسبت شرعية النقاش، خاصة وأن غياب هذين العنصرين كان لافتا للانتباه بشكل واضح.

قبل بولوكواني، لم يجرؤ أحد على طرح موضوع بعض الممارسات “غير المتزنة” لبعض اللاعبين، وبعض التصرفات الطائشة التي لا يُعقل أن يتصف بها لاعبون دوليون يمثلون بلدا كبيرا مثل الجزائر، ولعل قضية فيديو “اليوتوب” الذي ظهر قبل يومين من المونديال وأظهر لاعبي المنتخب في حفل راقص بألمانيا، قبل أن يتم التغطية عليه لأسباب شوفينية أيضا، دليل كبير على درجة الجبن التي تميز الإعلام الوطني فاقت كل الحدود، على الرغم من أن وجود أدوات الرقابة الإعلامية الحرة هي لخدمة الفريق وليس العكس.

قبل بولوكواني كانت قضية “المتجنسين” وأصحاب الجنسية المزدوجة وأحيانا “الجنسية ثلاثية الأبعاد” (ثري دي) عبارة عن موضة، لكنها بعد بولوكواني هي مشكلة عظيمة المخاطر، فقد أحصى المتتبعون من بين 23 لاعبا في الفريق الوطني، هناك 20 لاعبا ولدوا بفرنسا، وإن كنا لا ننقص شيئا من وطنية هؤلاء الجزائريين المولودين بالخارج، إلا أن هذا العدد الكبير مبالغ فيه كثيرا، فهو علاوة على أنهم منتوج بطولة غير جزائرية بما فيها من دلالات المقولة الشعبية الشهيرة “المكسي بشي الناس عريان”، هو من شأنه أن يحطم ما تبقى من مواهب محلية سيقتلها اليأس والتهميش والإحساس بالحقرة.

وعليه، قبل بولوكواني غابت كثيرا الحرية وغابت الشجاعة، ولذلك غابت حقائق كثيرة كان الجميع يرونها لكنهم عمدا يتعامون عنها.. نحن لسنا ضد الاستغلال السياسي لكرة القدم، فهذه أمور مفروغ منها وهي من المسلمات في الدول المتخلفة، لكن ليكن الاستغلال ذكيا وليس مسطحا هكذا ومبتذلا وسخيفا، إذ لا يمكن للرياضة أو لكرة القدم أن تكون الاستثناء الرائع في بلد يعيش خرابا سياسيا واقتصاديا وثقافيا شاملا.

لنتعلم دروس الحرية واحترام الرأي الآخر، قبل أن نتعلم أبجديات كرة القدم، الأمم الكبيرة في كرة القدم لم تصل إلى ذاك المستوى قبل أن تمر على مرحلة احترام العقل، فاستغباء الناس بالشعارات وبالأغاني الرياضية قد يمشي مدة لكنه لا يدوم أبدا.

علينا أن نواجه حقيقة أنفسنا صراحة وكما هي، فلقد أثبتت موقعة بولوكواني أن سعدان ذهب إلى المعركة بلا أسلحة، والغريب أن لا أحد نبهه أو على الأقل سأله إلى أين أنت ذاهب هكذا ياشيخ؟ سعدان ذهب لجنوب إفريقيا للتحضير لمونديال 2014 ونسي التحضير لمونديال .2010 وكل أربع وعشرين سنة وأنتم بخير.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.