زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

ماذا فعلت الجزائر بالحراك وماذا يفعل الحراك بالجزائر؟

ماذا فعلت الجزائر بالحراك وماذا يفعل الحراك بالجزائر؟ ح.م

الحمد لله رب العالمين، مرت الأمة الإسلامية بعامة والجزائر بخاصة عبر تاريخها المعاصر بحركات تغييرية عدة، فمنها ما كان عنيفا معمآلات أليمة كما جرى للكثير من الدول عبر ربيعها المشؤوم على غرار ليبيا وسوريا واليمن... وكما جرى ويجري في الجزائر بدءا من أزمة أكتوبر 1988 الاقتصادية والتي تطورت إلى أزمة سياسية اتسمت بالعنف وبالاقتتال الداخلي الحاد لأكثر من سبع سنوات  (1993-2000).

(في تقديرنا).. الحراك قد انتهت وظيفته ولكن بكل أسف لم ينته توظيفه من قبل من يريدون جعله حراك استنزاف مفتوح يصلون به إلى إفشال الدولة عبر حروب الجيل الرابع، ومن ثم تحويل الاحتجاج من أمل الحراك (البريئ) إلى ألم الثورة..

وها هي الجزائر من جديد بعد ما يقارب 17 سنة من توقف عُنْفها السياسي تهتز بحركة شعبية (الحراك) تناشد به التغيير، كل هذا وذاك يحتّم علينا أن ندرس هذه الظاهرة دراسة دقيقة تجمع بين الاستقراء والتأصيل والاستشراف في دوافع هذا الحراك ومآلاته.

وللمساهمة في دراسة ظاهرة الحراك علينا ابتداء أن نوضح مفهومه وماهيته، وهل هو حالة عفوية استثنائية أم حركة ذات دوافع؟ وهل يعتبر وسيلة لتغيير الأنظمة أو إصلاحها أم غاية يقصد من خلاله استنزاف الدولة لإفشالها؟ وبالمعنى الأعم هل يعتبر فاعل أم مفعول به؟ كل هذا للوصول إلى إبراز مشروعيته في ضوء قواعد السياسة ومقاصد الشريعة  .

مفهوم الحراك

(الحراك) لغة: من الْحَرَكَة وهو ضد السكون،  يُقَال مَا بِهِ حراك[1]، ويقابلها باللغة الإنجليزية Mobility، بمعني فعل التنقل من مكان إلى آخر، كدلالة سوسيولوجية على التحرك من طبقة إلى أخرى، وأشارت إحدى الدراسات أن الحراك تقابله أيضًا باللغة الإنجليزية لفظة Movement، كدلالة على الحركة الاحتجاجية والنضال السياسي من أجل تغييرالوضع السائد إلى وضع أكثر استقرارًا[2].

مفهوم الحراك اصطلاحا: الحراك السياسي هو حركة سياسية واجتماعية ومدنية أتت كرد فعل على الظلم ويتخذ أساليب النضال السلمي وسيلة وطريقة لحل النزاع (الجنوبي،2010: 101)[3] .

الحراك السياسي يتضمن في الأغلب عملية من التفاعل بين نوعين من القوى، وهما؛ القوى الدافعة للحراك، والقوى المقاومة أو المعارضة للحراك، بينما تشير دراسة أخرى إلى أن مفهوم الحراك السياسي هو مفهوم مركب من مفهومين، الأول “حراك” أي الانتقال من موضع إلى أخر وفق معيار ما، والثاني بوصفه “سياسي”، له علاقة بكافة جوانب العملية السياسية، ومع تنوع الاتجاهات السياسية (اليمينية واليسارية)، يصبح التحول الديموقراطي هو السبيل الوحيد والنتيجة الطبيعية لعملية الحراك السياسي وفقًا للاتجاه اللبيرالي، بينما الصراع هو الطريق الوحيد لعملية الحراك السياسي، الذي يؤدي إلى الثورة الشاملة، وصولًا إلى التغيير الجذري، وفقًا للاتجاه الماركسي[4].

نستطيع أن نلخص تعريفه بما يلي: “الحراك هو كل حركة احتجاجية ضد السلطة الحاكمة، يغلب عليه الطابع العاطفي والغوغائي[5]، يقصد به التغيير الإيجابي للأوضاع بمقتضى العقل[6] وبالوسائل المرسلة من غير اعتبار المآل”.

zoom

فالحراك (بحسب اجتهادنا)  يعتبر في أحسن أحواله من لغو الفعل، والذي هو: “بمثابة حالة انفعالية اسثنائية اجتماعية يجمع بين المسلك العاطفي والعقلي لمعالجة الأوضاع دون المسلك العلمي الذي ينبني أساسا على المنهجية و الترتيب والتدرج والبناء والتربية”.

ونستطيع أن نلخص تعريفه بما يلي: “الحراك هو كل حركة احتجاجية ضد السلطة الحاكمة، يغلب عليه الطابع العاطفي والغوغائي[5]، يقصد به التغيير الإيجابي للأوضاع بمقتضى العقل[6] وبالوسائل المرسلة من غير اعتبار المآل”.

مسار الحراك ومآله

فالمتتبع لأوضاع الجزائر منذ حراك فبراير 2019 إلى حراك 2021 المفصول بهدنة الحجر الصحي بسبب جائحة كوفيد 19 يجد أن هناك فرقا كبيرا بين “الحِراكين”..

فحراك 2019 يعتبر في أحسن أحواله من لغو الفعل قرين لغو القول الذي لا يؤاخذ الله عليه، والذي هو بمثابة حالة انفعالية اسثنائية اجتماعية تجمع بين العاطفي والعقلي دون العلمي الذي ينبني أساسا على المنهجية والترتيب والتدرج والبناء والتربية…

أما حراك 2021 فيظهر فيه التوظيف جليا عموديا (من قبل السلطة كإدراج الحراك في ديباجة دستورها الجديد!) وأفقيا (من بعض قوى المعارضة النافذة الذي تعمل على جعله غاية للضغط على السلطة واستنزافها)، وهذا جلي في الشعارات المرفوعة والمعادية ليس لممارسات السلطة بل لمؤسسات الدولة (الجنرالات إلى المزبلة، المخابرات إرهابية، الرئيس أتى به العسكر ولا يملك الشرعية…). مما يحتم على السلطة الفعلية أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة لتجنيب البلد من سوء المآل إن في الأموال أو في الدماء.

فممّا لا شك فيه أن ما يجري الآن في الشارع الجزائري يدل على اخفاقات تراكمية ممّن حكموا الجزائر منذ استقلالها، وجاء التنبيه مبكرا في بيان 16 أفريل 1964م من قبل الابراهيمي (رحمه الله)[7]  حين أنذر ممّن كانوا يمسكون بزمام السلطة حينها: “إنّ وطننا يتدحرج نحو حربٍ أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها، ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل”. وهذا ما وقع بالفعل، فالذين أداروا دفة الحكم أخفقوا في بناء الأمة فضلا عن نهضة في الجزائر وذلك باتخاذهم (ولايزالون) الأيديولوجيا بديلا عن العلم، وقد حان الأوان من أي وقت مضى للعود إلى العلم والعلماء لأنهم الوحيدون من يقدرون الواقع ويأمرون بالواجب.

إنّ الدوافع (السياسية والاقتصادية والاجتماعية…) التي فجرت الأزمة الراهنة في الجزائر والتي أدت إلى احتجاجات بريئة و سلمية في بدايتها قد لا تؤتي أكلها إذا حادت عن جادة المطالب الأساسية والبناءة إلى بُنيات التفاصيل، وإنّ الانجرار وراء لعبة تصاعدية المطالب وعدم إعطاء كل مرحلة منهجها ومطالبها قد لا تحقق شيئا..

مع الملاحظة أنّ النخبة العلمية والذين هم صمام الأمان لأمنها واستقرارها لم يؤد الكثير منهم الدور الكافي المنوط بهم لا قبل الأزمات ولا بعدها.

إنّ الدوافع (السياسية والاقتصادية والاجتماعية…) التي فجرت الأزمة الراهنة في الجزائر والتي أدت إلى احتجاجات بريئة و سلمية في بدايتها قد لا تؤتي أكلها إذا حادت عن جادة المطالب الأساسية والبناءة إلى بُنيات التفاصيل، وإنّ الانجرار وراء لعبة تصاعدية المطالب وعدم إعطاء كل مرحلة منهجها ومطالبها قد لا تحقق شيئا استنادا للحكمة القائلة: “من أراد كل شيء فقَدَ كل شيء“.

ولكي لا تذهب جهود وأعمال الصادقين المطالبين بالتغيير الإيجابي للأوضاع يجب العمل وبكل قوة على تجنيب “الحراك” من أن يُغلّب عليه الطابع العاطفي والشعبوي في ظلّ غياب من يؤطره من قوى سياسية أو نقابات مهنية، وفي ظل غياب أيضا للنخبة العلمية الذين (وبكل أسف) تَواروا عن دورهم البنّاء في المجتمع، لأنّهم هم الوحيدون الذين يخبرون بالواقع ويأمرون بالواجب لتأمين العواقب بحسب ما تقتضيه كل مرحلة.

إنّ الحراك (البريئ) في أحسن مراتبه هو من لغو الفعل الذي يمثل حالة انفعالية واستثنائية في المجتمع يجمع بين المسلك العقلي والعاطفي (دون المسلك العلمي) لمعالجة الأوضاع، أمّا أن يتحول الحراك (أو يتم تحويله) من فاعل إلى مفعول به، ومن وسيلة إلى غاية، فحينئذ يجب دق ناقوس الخطر ويجب أن تتحمل السلطة الفعلية مسؤوليتها الكاملة باستشراف المآلات للوصول إلى الأصلح وتجنيب الأسوأ. والذي زاد الطين بلة أنّ جلّ الأطراف إمّا بالتراتبية العمودية أو الأفقية حاولت وتحاول استغلال الحراك وتوظيفه إمّا بالوصف وإمّا بالاحتواء..

فالسؤال الذي يُطرح ماذا فعلت الجزائر بالحراك وماذا يفعل (الآن) الحراك بالجزائر؟! لأنّ (في تقديرنا) أنّ الحراك قد انتهت وظيفته ولكن بكل أسف لم ينته توظيفه من قبل من يريدون جعله حراك استنزاف مفتوح يصلون به إلى إفشال الدولة عبر حروب الجيل الرابع، ومن ثم تحويل الاحتجاج من أمل الحراك (البريئ) إلى ألم الثورة. قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾[المائدة: 2]

بقلم: د.صالح الدين يوسف عزيز البسامي (اختصاص سياسة شرعية جامعة مالايا)

[1] معجم اللغة العربية بالقاهرة ، المعجم الوسيط، دار الدعوة، ج 1، ص 168.

[2] ينظر: https://political-encyclopedia.org/dictionary

[3] الجنوبي، فؤاد (2010). الحراك السياسي والاجتماعي والمدني في الجنوب بين النشوء والتطور وتطلعات المستقبل دراسة، مدونات الأربعاء، 17 فبراير، 2010، متوفر على الأنترنت .http://dhla.blogspot.com/2010/02/blog-post_17.html منقول من “الحراك السياسي وأثره على الاستقرار السياسي في دولة الكويت 2006-2012″، مناور عبد اللطيف العتيبي، رسالة جامعية، جامعة الشرق الأوسط ، 2013، ص5.

[4]  ينظر: https://political-encyclopedia.org/dictionary

[5] الغوغائية: مصدر صناعي من غوغاء : حالة سياسية تكون فيها السلطة بيد الجماهير

[6]  قولنا بمقتضى العقل، مقابلة لتغيير الأوضاع بمقتضى الشرع، أو بمقتضى الهوى.

[7] الإبراهيمي، أحمد طالب، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1،  1997م)، ج5، ص317.

 

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.