زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

رسالة

❣️ تهنئة: بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك لعام 1441 هـ  يتقدّم لكم فريق زاد دي زاد بأحرّ التهاني وأطيب الأماني.. وكل عام وأنتم بألف خير 🌺

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

مآلات الدولة العربية الحديثة

مآلات الدولة العربية الحديثة ح.م

عناوين فرعية

  • من حلم النهضة إلى كابوس الإنهيار

المآل الحرج الذي وصلت إليه مسيرة الدولة العربية الحديثة يطرح أسئلة في غاية القلق والدهشة، عن الأسرار الكامنة وراء هذه الانهيار السريع والمفاجئ الذي ضرب كيان الأمة العربية وشتت صفوفها وقوض أركان الدول والحكومات فيها، وأدخلها في مسلسل لا متناهي من الصراع والتناحر الطائفي والمذهبي والعرقي، وأنهى كل شعارات النهضة والحداثة والديمقراطية والعروبة والحل الإسلامي والدولة الإسلامية وغيرها من العناوين والشعارات التي شكلت ما يمكن تسميته بالحلم العربي طيلة قرن أو يزيد.

وإذا كانت أن عملية البحث عن جواب نهائي وحاسم يمثل عنوان الحقيقة لهذه الألغاز والأسرار ليست من النوع الهين أو المتيسر القبض عليه بسهولة، خاصة في هذه المرحلة نظرا لتشابك خيوط الأزمة وتعدد مساراتها، فإنه يبدو من السهل الاكتشاف بأن هذه الأسرار أو الألغاز تتمثل في علل وأمراض قديمة لم يتم اكتشافها أو لم يتم علاجها في حينها، فتحولت مع الزمن إلى أمراض خبيثة فتاكة تحطم الجسد من الداخل وتقوض أجهزته وأنسجته المختلفة، وأن ما كان يسوق للشعوب من خطابات وشعارات ما هو إلا محض خيال صنع مشهدا زائفا وفر البيئة الحاضنة لنمو وتكاثر تلك الأمراض وتحولها مع الزمن إلى سرطانات قاتلة.

أسباب انهيار العرب

ونعتقد أن أي محاولة للبحث عن هذه الأمراض واستقصائها إذا لم تفض إلى حصرها جميعا فإنها لا تستطيع أن تتجاوز جملة من العوامل التي تعتبر رئيسة في إنتاج المأزق العربي الراهن أبرزها:
01- عملية مصادرة الاستقلال التي تعرضت لها الشعوب العربية من محيطها إلى خليجها تقريبا، بحيث إن هذه الشعوب خاضت الانتفاضات والثورات المسلحة الكثيرة والمتلاحقة ضد القوى الاستعمارية المختلفة الفرنسية والانجليزية والاسبانية والايطالية وغيرها حتى اضطرتها إلى الخروج والجلاء، ولما جاء الاستقلال وحان وقت قطف الثمار واستلام السلطة والحكم من الإدارة الاستعمارية اكتشفت أن هذه الأخيرة قد سرقت منها الاستقلال قبل أن تحصل عليه، وأنها كونت نخبا إدارية وسياسية وربتهم على عينها وورثتهم الحكم، ليس بغرض خدمة شعوبهم ولكن بغرض المحافظة على وجودها واستمرارها وخدمة مصالحها بعد خروجها، وهو ما سبب لها خيبة أمل كبيرة عبرت عنها بانفصالها عن تلك الأنظمة التي تولت زمام الأمور بعد الاستقلال ومناصبتها الخصومة في غالب الأحيان.
02 – إهمال المرحلة ما بعد الكولونيالية وعدم التفكير فيها، هذه المرحلة التي كان يفترض أن تحضا بعناية خاصة من قبل النخب الحاكمة والعالمة في البلدان العربية، فهي المرحلة التي كان يفترض أن تتم فيها تصفية كل الرواسب الاستعمارية بتفكيك كل القنابل التاريخية واللغوية والاثنية التي زرعها المستعمر، وتصحيح كل مسارات السياسة والاقتصاد والإدارة وبناء الدولة التي تركها، لكن عدم القيام بذلك فسح المجال أمام المخططات الاستعمارية كي تستمر، وأكثر من ذلك تتكرس من مرحلة إلى أخرى.
03 – تنمية التبعية، بحيث أن الدولة العربية الحديثة بدل أن تنتهج منهجا تنمويا يكرس استقلالها، ويرسم انفصالها عن كل أشكال الاستعمار، ويسمح لها بالدخول في مسار من البناء والإنتاج يعتمد على القدرات الذاتية في المقام الأول، ويفضي في النهاية إلى تفتيق العبقرية الذاتية وشق الطريق نحو زيادة تراكمية الخبرات والمعارف والدخول في المنافسة العالمية، انتهجت نهج السير في ركاب الأخر وخاصة الأخر المستعمر والاعتماد عليه في توفير احتياجات ومتطلبات البناء والتنمية عن، طريق تقليده ومحاكاته والاستيراد منه، فعملت بذلك على تنمية العجز والتبعية بدل تنمية الطاقات والقدرات الوطنية.
04 – تحييد الشعوب والحيلولة بينها وبين ممارسة حقها في اختيار من يحكمها، بكل حرية وديمقراطية، باعتبارها صاحبة السلطة التأسيسية الأولى، وغلق أمامها مجالات التعبير والمبادرة والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بفعالية، وإخضاعها لحكم قهري جبري احتكاري يقوم على السطوة العسكرية والأمنية، ويستند إلى مرجعيات ظالمة وأحيانا عنصرية واستغلالية مثل القبيلة أو العشيرة أو النسب أو الدين أو التاريخ أو غيرها من الشرعيات الزائفة والقائمة على إقصاء إرادة الشعوب.
05 – تكلس النظم السياسية وعدم مواكبتها للتحولات التي تعرفها نظم الحكم في العالم، سواء من حيث ابتكار آليات التجدد والتداول على الحكم والسلطة أو من حيث تطلعها الدائم والمستمر لتوفير معاير الجودة والحكم الراشد، وهو ما أدى إلى تقدم الشعوب على أنظمتها وحول هذه الأنظمة من قائدة لشعوبها كما يفترض فيها إلى عقبة كئود أمام تقدمها وازدهارها.
06 – فشل مشاريع التحديث الفكري، من الحداثة والعلمنة، إلى اليمين والليبرالية، إلى اليسار والاشتراكية، إلى التنوير الإسلامي، إلى غيرها من المشاريع، كلها فشلت في تحريك الراكد والوصول إلى تطوير نظم العقل والتفكير، التي بقيت دائما مكبلة بأغلال عادات وتقاليد وأفكار وثقافة ورؤية للذات وللعالم أقل ما يقال عنها، أنها تشكلت عبر حقب ومراحل مختلفة ومن مصادر متعددة ولكنها اليوم استنفذت غرضها، وصارت تتطلب الخضوع للدرس العلمي المنهجي، والنقد المعرفي، الذي يميز بين العناصر الميتة التي ينبغي طرحها وتجاوزها، وبين العناصر القابلة للتلقيح والتطعيم، من أجل القدرة على الحركة والحياة في دورة حضارية جديدة.
ويعود سبب هذا الفشل في المقام الأول، إلى غربة هذه المشاريع عن البيئة العربية، وقصورها عن فهم هذه الشعوب والإجابة على أسئلتها، مع الاختلاف في نوع الغربة بين مشاريع وأخرى، فبعض هذه المشاريع فشلت بسبب الغربة الحضارية، مثل المشاريع العلمانية الغربية بشقيها اليميني الليبرالي واليساري الاشتراكي، لأنها اجتزأت من سياق ثقافي وحضاري خاص وتم استنباتها في سياق ثقافي وحضاري أخر مغاير دون تبيئة فلم يظهر مفعولها الذي ظهرت به عند أهلها، وهناك مشاريع أخرى فشلت بسبب الغربة الزمنية التاريخية مثل المشاريع الإسلامية أو الإسلاموية، التي بقيت موغلة في الماضوية عاجزة عن تقديم رؤى ومقاربات جديدة تستجيب لمتطلبات اللحظة التاريخية الراهنة في إطار الرؤية الإسلامية.
07 – فشل التجارب الوحدوية، مثل الوحدة بين سورية ومصر، وليبيا وتونس، وليبيا والجزائر، ثم فشل تجارب بناء نظم إقليمية عربية مثل جامعة الدول العربية، والاتحاد المغاربي، واتحاد دول مجلس التعاون الخليجي، وغيرها، وذلك بسبب عدم جدية هذه المشاريع وعدم توفر شروط نجاحها من جهة، ولأن الأنظمة العربية مرتبطة بمحاور أخرى تضمن لها بقاءها أكثر من ارتباطها بشعوبها أو بالقضايا القومية أو الإسلامية من جهة أخرى.
08 – الفشل في حسن استغلال الثروات والقدرات العربية الهائلة واستثمارها فيما يعود على الشعوب بالرفاه والتنمية، بل هدرها وتبديدها إما بسوء التدبير والتسيير، أو بتمكين الأجنبي من وضع اليد عليها واستنزافها، إما عمالة وتبعية، أو طلبا للحماية، أو من خلال عقود غير مجدية، أو بغيرها من الطرق.
09 – غياب التساوق والتجاوب بين الأنظمة العربية والشعوب العربية، فالشعوب تعرف تطورا متزايدا ووعيا متناميا نتيجة احتكاكها واستفادتها مما يعرفه العالم من تطورات في الوعي والطموح وفي شبكات الاتصال والتواصل، أما الأنظمة فهي أنظمة متكلسة تأبى التطور والانفتاح، مما جعل الهوة تتسع بين الطرفين وعوامل الرفض والتناقض تتفاقم.
10- تكالب الأطراف الإقليمية والدولية على المنطقة، ورغبتها في الهيمنة عليها نتيجة، لما تختزنه من ثروات ولما تحضا به من موقع جيوستراتيجي متميز، فلم تتوقف الموجات الاستعمارية على الفضاء الجغرافي العربي والإسلامي، كما لم تتوقف عليه أشكال الضغوط والتدخلات والابتزازات عبر مختلف العصور والمراحل، بغرض إخضاعه، ومنعه من بناء نفسه، والتحكم في أدواره، وتحييده عن التأثير في توجيه دفة القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية العالمية.
وتبقى أسباب انهيار الدولة والنظام العربيين ربما أكثر تعقيدا مما نتصور، وما ذكرناه ما هو إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد أما الجزء غير المرئي فلا يعلم أحد مداه.

الميدان المستباح لإجراء التجارب وتصفية الحسابات

ومهما تكن تلك الأسباب، فإن المؤكد هو أن هذه العوامل وغيرها قد جعلت العالم العربي والإسلامي ينشغل في نفسه، ولا يواكب أو يساوق أو يدرك التحولات العميقة التي يعرفها العالم من حوله سياسيا واقتصاديا وعسكريا، والتي نتجت عنها تغيرات متلاحقة في التوازنات الإستراتيجية وموازين القوى العالمية، فقد عرف العالم تغيرات في ترتيب سلم الدول في العالم، وتغيرات في النظم الإقليمية والدولية، حيث عرف العالم الحرب الباردة والتنافس والصراع شرق غرب، كما شهد صعود دول وقوى دولية جديدة مثل اليابان والصين وألمانيا وكوريا الجنوبية وماليزيا ودول شرق أسيا وغيرها، كما ظهرت تكتلات إقليمية ودولية جديدة كالاتحاد الأوروبي وغيره.
وأثناء تلك التحولات كان العالم العربي دائما في موقع المنفعل، وكان إحدى الساحات والميادين الكبيرة لكثير من التجارب وتصفية الحسابات بين الفاعلين الرئيسيين في تلك التحولات، ولم يكن فاعلا أو مساهما فيها إلا بالقدر القليل.
فقد تحمل في الجانب السياسي ثقل الكثير من الحروب والصراعات الدولية الضاغطة، منها الحرب الباردة والصراع شرق غرب التي وجد نفسه منخرطا في محاورها خادما لاستراتيجياتها، ومنها الحروب العربية الإسرائيلية، وحروب الخليج الثلاثة، إضافة إلى الخلافات العربية العربية، مثل الخلاف الجزائري المغربي بسبب الصحراء الغربية، والخلاف المصري السوداني حول ترسيم الحدود، والخلاف الإيراني الإماراتي حول الحدود، ومنها الصراعات الداخلية بين الأنظمة والمعرضات المختلفة، لاسيما الصراع مع الإسلاميين مثل ما حدث ويحدث في مصر وسوريا والجزائر وتونس والأردن وغيرها من الدول.
وفي الجانب الاقتصادي فقد تحمل تبعات الكثير من التحولات الاقتصادية العالمية، مثل انهيار الاقتصاديات الاشتراكية نهاية الثمانينات وتقلبات أسعار النفط، والعولمة وتأثيراتها على الدول، عن طريق المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، ومنظمة التجارة العالمية، والشركات العابرة للقارات، وغيرها من الأذرع والآليات التي كان لها تأثير كبير على تخريب بنية الاقتصاديات العربية المحلية.
وفي الجانب الثقافي، فقد كانت دوما حقل تجارب في مخابر التهجين الثقافي، سواء عن طريق التدخلات والوصايات المباشرة المتعلقة بتعديل البرامج والسياسات التربوية، أو عن طريق الآلة الإعلامية الموجهة إلى العالم الإسلامي، أو غيرها من الوسائل.

الضغط يولد الانفجار.. أو الطريق نحو الربيع العربي

إن هذه الإخفاقات والإكراهات التي عرفتها الدولة العربية والنظام الإقليمي العربي، والتي تتحمل الجزء الأكبر في وقوعها الأنظمة التي تولت السلطة بعد زوال وجلاء الاستعمار قد تسببت في تدمر الشعوب العربية، وظل تدمرها هذا يكبر مع الزمن ولقرن كامل مثلما تكبر كرة الثلج إلى أن تحول إلى بركان متأجج، بحيث كانت في كل مرة تعبر عن رفضها لسياسات الترويض والإخضاع للأمر الواقع، وتعلن عن انفصالها حكوماتها من خلال أساليب نضالية كثير ة ومتنوعة، منها الإضرابات والاحتجاجات والمسيرات، وتنامي الأفكار المعارضة الجذرية، والاستقالة من المشاركة في الشأن العام والنقد الاجتماعي اللاذع، والوصول إلى التحرك العشوائي لإسقاط الأنظمة.
هذا التصعيد والتصعيد المضاد، والإلغاء والإلغاء المضاد، قسم المجتمعات العربية إلى فسطاطين كبيرين، فسطاط الأنظمة الحاكمة وحاشيتها وقاعدتها الشعبية من جهة، وفسطاط المعارضة وقاعدتها الشعبية من جهة أخرى، وجعل الفسطاطين يتحركان في اتجاهين متعاكسين ومتضاربين لا يلتقيان، بينهما هوة سحيقة وبرزخ نفسي واجتماعي وسياسي ضخم وصل إلى الانفجار الشامل للبيت العربي في السنوات الأخيرة، في شكل ثورات وثورات مضادة، انطلقت من تونس، ثم انتقلت إلى مصر، ثم إلى ليبيا، ثم إلى سوريا، ثم اليمن، ووصلت ارتداداتها وتداعياتها حتى إلى منطقة الخليج والمغرب العربي، فيما عرف إعلاميا وسياسيا بثورات الربيع العربي، تمثل فصلها الأول في ثورات الشعوب ضد الأنظمة تحت عناوين الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغيرها من العناوين، وتمثل فصلها الثاني في الثورات المضادة التي قادتها الأنظمة والقوى الداخلية والدولية الداعمة لها تحت مسمى مكافحة الإرهاب والتطرف وغيرها، وهو ما ادخل المنطقة في حروب أهلية طاحنة ومدمرة لا تزال مستمرة من دون وجود أي سقف زمني معلوم لتوقفها.
لقد كانت هذه الأحداث بحق حدثا مدويا وصل صداه إلى العالم أجمع، فهي وان كانت إرهاصاتها موجودة كما هو معلوم منذ أمد بعيد، إلا أن توقيتها وحجمها وشعاراتها ومآلاتها ربما كانت مفاجئة، ليس للنظم العربية وحدها بل للعالم أجمع، الذي لم تستطع رداراته ومراصده فيما يبدو التنبؤ بزمن وقوعها على الأقل.
وإذا كان طابعها الصادم والمفاجئ قد أدى حتى في العالم الغربي إلى ارتباك في فهمها وتحديد اتجاهاتها وضبط المواقف منها عند الوهلة الأولى، فإنه كان بالنسبة للعالم العربي أشد إرباكا،حيث لم يتمكن العقل الرسمي من حسن قرأتها والتعامل معها بالشكل الصحيح إلى اليوم، فصاحب القرار الرسمي الغربي ربما يكون قد تفاجأ بهذه الأحداث أو الثورات والثورات المضادة في البداية كما أشرنا إلى ذلك، إلا أنه سرعان ما استوعبها وتكيف معها وعمل على محاولة التحكم في مساراتها واستثمار نتائجها لصالحه، أما صاحب القرار الرسمي العربي فبالرغم من مرور عدة سنوات على اندلاع هذه الثورات أو الأحداث فإنه ليزال عاجزا حتى الآن على قراءتها القراءة الصحيحة، ولا أظنه سيكون قادرا على ذلك في المنظور القريب والمتوسط على الأقل، ما دامت النزعتين الإيديولوجية والتبريرية هما السائدتان على النزعة المعرفية والنقدية في تفسير الأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية المختلفة عنده.

الثمن الباهظ.. الآثار الواقعة والمتوقعة

ولأن ناموس التاريخ يقرر أن من يجهل سننه لابد أن يدفع الثمن، فإن هذه الصراعات العبثية المدمرة قد حولت الحلم العربي في الحرية والديمقراطية والتنمية والدولة الحديثة إلى دماء ودموع وخراب ودمار، وحولت اتجاه العرب من السير نحو المستقبل إلى السير نحو الماضي، بحيث دخلت الدولة العربية والنظام الإقليمي العربي معها في مسار من التآكل الداخلي، والانقسام المتواصل، الذي أحيا النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية وغيرها من الأسئلة الأولى، وفتح المجال واسعا أمام سيناريوهات مستقبلية مرعبة لعل من بينها:
01 – فتح المجال أمام التدخل الأجنبي كي يعزز حضوره في المنطقة، ويضع يده على المقدرات والثروات المختلفة، وإحكام السيطرة على المجال الأمني والعسكري فيها، وممارسة الوصاية على القرار السياسي داخلها، والوصول إلى رهن السيادة والاستقلال، وفي هذا السياق يمكن فهم الهرولة الغربية على المنطقة في الآونة الأخيرة، حيث نشهد سباقا محموما بين القوى الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين واليابان وغيرها لشغل المجال العربي الإسلامي، مع الاختلاف في الخطة والتكتيك في ذلك بين دول وأخرى، فمنها من اتبعت سياسة التمدد الناعم على غرار الصين التي تكاد تبتلع باستثماراتها ليس العالم العربي وحده بل العالم كله، ومنها من اتبعت سياسة التمدد العنيف القائم على القوة العسكرية على غرار الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما من الدول الغربية.
02 – خطر التقسيم والتفتيت والتعديل في النظم والحدود الجغرافية والخرائط السياسية، الذي سيؤدي ربما إلى تقسيم عدة دول إلى كيانات جديدة، واختفاء دول وكيانات سياسية أخرى، إذ تعمل كثير من المخابر والدوائر الإستراتيجية الغربية لاسيما الأروبية والأمريكية منها، على إعداد خرائط جديدة للمنطقة يتم بموجبها إعادة النظر في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بما يتوافق ومصالح القوى الغالبة دوليا، وهو السيناريو الذي تم التبشير به للعراق ويتم التبشير به لسوريا ولدول عربية عديدة من طرف الكثير من القادة والزعماء الغربيين، وقد حملت خريطة أمريكية تم نشرها في السنوات القليلة الماضية وتداولتها الكثير من المواقع الالكترونية التعديلات السياسية التي تريد الولايات الأمريكية إدخالها على الخريطة السياسية للعالم العربي، والتي تهدف إلى تقسيم دول وإنشاء دول جديدة في المنطقة.في إطار ما أسمته بمشروع الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد.
03 – تصفية القضية الفلسطينية على نحو مخالف للحقوق العربية الإسلامية الثابثة والمشروعة فيها، من خلال فرض حل جبري يكرس الاحتلال الإسرائيلي الذي يبدو أنه تم الإعداد له من خلال مؤامرة إقليمية ودولية تشارك فيها حتى بعض الدول العربية والإسلامية، يتم تنفيذها على مراحل، تبدأ بالإجهاز على قوى المقاومة وتصفيتها، وتنتهي بالتطبيع الكامل وإنهاء المقاطعة العربية والإسلامية للكيان الصهيوني، والسكوت على الاستيطان ومختلف التعديلات التي أدخلتها إسرائيل على الأرض، والتنازل عن إسلامية القدس وتكريسها كعاصمة أبدية لإسرائيل، وغيرها من أشكال التصفية لقضية الفلسطينية الظاهرة والخفية.
04 – تراكم العجز العربي وزيادة التخلف واتساع الهوة الحضارية بينه وبين العالم المتقدم، كنتيجة حتمية لانفجار الدولة العربية من الداخل وتفكك النظام الإقليمي العربي، الذي سيؤدي بالضرورة إلى توجيه الجهود والطاقات في الاتجاه السلبي اتجاه تدمير المنجزات والمكتسبات السابقة، وهو ما يعيد هذا المجال إلى نقطة البداية أو نقطة الصفر، في حين سيواصل العالم الأخر المتقدم مسيرة التطور والتقدم نحو الأمام على جميع الصعد، وهو الشيء الذي سيراكم العجز والتخلف ويزيد في اتساع الفجوة الحضارية بين العالمين، بشكل يجعل ردمها بعد ذلك أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.
ويمكن القول أن مسار الأحداث واتجاهاتها المستقبلية هو من سيحدد نوعية المآلات ويكشف عن درجة خطورتها، فقد يتم التفطن لها والوعي بها، وبالتي يتم تقليصها إلى أضيق نطاق، كما قد يتواصل مسار التفكك والانهيار فتكون التداعيات أشد خطورة مما ذكرنا.

المخارج ممكنة

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل بقيت هناك مخارج ممكنة أمام العالم العربي؟ أم إن الذي حدث ويحدث قد سد جميع منافذ النجاة.؟ المؤكد أن العالم العربي قد دخل مأزقا عميقا ومعقدا من الصعب الخروج منه، لكن مهما كانت الآثار والتداعيات، فإن التاريخ يعلمنا أنه مهما كانت الهزائم والنكبات فإنه يبقى يمنح فرص الحياة والعودة من جديد، ويبقى يصنع المخارج الممكنة، بشرط تصحيح المسارات والتوجهات واحترام نواميس الكون والاجتماع والعمران والحضارة، فكم من أمة عرفت الهزائم والنكبات في تاريخها، لكنها استيقظت، وعرفت مكامن الداء فيها، ولم تكتف بعلاجه فقط، بل حولته إلى ريادة، وتقدم في جميع المجالات، وعلى كل المستويات، وفي اليابان وألمانيا وغيرهما من الشواهد القريبة قبل البعيدة المثال الحي، وهي معلومة وغير خافية على أحد، والدولة العربية اليوم رغم المآل الحرج الذي وصل إليه مسارها النهضوي الحديث، لمجموعة الأسباب والعوامل التي حاولنا الإحاطة بها سابقا، فإنها تبقى بإمكانها الخروج من هزائمها ونكباتها، بل وتحويلها إلى تجربة نهضوية ناجحة، على غرار ما فعلت ألمانيا واليابان، بشرط أن تحسن قراءة تاريخها وتشخيص عللها وأمراضها والاستفادة من تجارب غيرها.
وإذا كان من الصعب الوصول إلى توافق حول تصميم خريطة مخارج للعالم العربي فإننا نرى أنه من أبرز مسالكها ما يأتي:
01 – حل مشكلة السلطة، التي تعد إحدى الإشكاليات الرئيسية التي بقيت عالقة عند العرب والمسلمين منذ فجر التاريخ، إنها بحق إحدى القنابل التي كانت دوما تفجر الأمة العربية والإسلامية من الداخل، وتعيدها قرونا إلى الوراء كلما أرادت أن تخطو خطوات إلى الأمام، واليها تعزى أكبر المآسي التي شهدها العرب والمسلمون في تاريخهم، من لحظة صفين والجمل إلى ثورات الربيع العربي.
ولعل تخلف التنظير الفقهي في المجال السياسي والدستوري، إلى جانب إكراهات الواقع التي عرقلت تجارب الحكم والدولة، إلى جانب قلة الرصيد وضعف التجربة في الحكم والسياسة عند العرب والمسلمين، إضافة إلى تحييد الشعوب والتنكر لشرعيتها، والاستناد إلى مرجعيات أخرى إما دينية أو وراثية أو ثورية أو قبلية أو غيرها من المرجعيات النافية للشرعية الشعبية، هي من أبرز الأسباب والعوامل التي أدت إلى تأخر تطور تجربة الدولة عند العرب والمسلمين وإلى استمرار الصراع حولها إلى اليوم.
وإن حسم مشكلة السلطة، لا يتم بإجراءات بسيطة إنها عملية مركبة ومعقدة تتم من خلال معالجة كل الجوانب المرتبطة بها، تبدأ بإرجاع الكلمة للشعوب، والخضوع لإرادتها والنزول عند حكمها، سواء فيما تختاره من توجهات وبرامج وإيديولوجيات، أو فيما تختاره من نخب وقيادات للحكم عبر الآليات الديمقراطية الشفافة والنزيهة، كما تمر أيضا عبر عمل علمي اجتهادي وتنظيري جديد، يعرف ماهية الدولة، ويوضح طبيعة الحكم عند المسلمين، ويفرز العلاقة بين الدولة والدين، الدولة والأنظمة الحديثة في الحكم، الموقف من الفلسفات والاديولوجيات الحديثة مثل الدولة الدينية، والديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، وغيرها.
إن إحراز تقدم معتبر حول هذه الأسئلة والإشكاليات، يعتبر تقدما كبيرا على درب حسم الصراع على السلطة عند العرب والمسلمين، وهو ما من شأنه أن يفسح المجال أمامهم للتقدم والتطور والازدهار، في المجالات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
02 – ومن بين ما يساهم في حلحلة الأزمات وصناعة الانفراج عند الأمة العربية الإسلامية، العمل على انجاز عقد ثقافي داخلي على مستوى دولها وأقطارها، ونعني به محاولة الوصول إلى توافقات كبرى بين الكيانات الثقافية داخل هذه الدول، بكل أطيافها الدينية والمذهبية واللغوية والاثنية وغيرها، وهذا بغرض بوضع حد للصراعات الثقافية التي كانت دائما واحدة من مهددات الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة العربية.
محور هذه التوافقات هو الاعتراف بسنة الاختلاف والديمقراطية الثقافية، وإقرار حق كل الكيانات الثقافية الأصيلة التي افرزها الحراك التاريخي العربي في الوجود والتعبير عن الذات والهوية بلا إقصاء ولا تضييق ولا تمييز، والتعاهد على الاحترام والتعايش والتعاون فيما يخدم الإنسان والأديان والأوطان.
ومن شأن عقد من هذا النوع أن يفضي إلى وضع حد للصراعات الثقافية في المنطقة العربية، ففي ظل غياب وعي ثقافي تعددي، وفي ظل غياب الوعي بالديمقراطية الثقافية، كانت الصراعات الدينية والمذهبية واللغوية وغيرها من الصراعات ذات الطبيعة الثقافية دائما واحدة من مهددات الأمن والاستقرار والتنمية بالمنطقة العربية.
فقد كانت ثقافة التعالي واحتكار الحقيقة ورفض الأخر وإقصائه، هي المفردات التي تطبع وعي الكيانات أو المكونات الثقافية في المنطقة العربية، وكثيرا ما كانت المغذي الأساسي للصراع الاديولوجي والمذهبي واللغوي، الذي عاشته الأمة العربية عبر تاريخها، ولا يسما التاريخ الحديث.
ويمكن الوصول إلى هذا العقد، من خلال إستراتيجية محكمة تبدأ بإنتاج الفكر الضروري لوجوده، من خلال التفكير والتنظير، على مستوى الجامعات ومراكز الأبحاث، وعمل النخب الثقافية العامة، ثم تمر إلى مرحلة الدعاية له، والتحسيس به، من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة، ثم الوصول إلى عقد الجلسات واللقاءات والمؤتمرات، التي تتوج بإصدار العهد أو لميثاق أو العقد الثقافي، الذي يعبر عن التزامها المعنوي والأدبي والأخلاقي، بمقتضيات الحياة الثقافية التعددية وباحترام حق كل كيان أو حساسية ثقافية شرعية في الوجود والحياة.
03 – من أجل خروج العرب والمسلمين من المأزق الراهن تبدو الحاجة ملحة أيضا لبناء نظام عربي جديد، إما بإدخال إصلاحات جذرية على جملة التجمعات والمؤسسات والهياكل الوحدوية العربية الموجودة من اجل إعطائها المعنى الحقيقي للعمل العربي المشترك، وإما بقيام تنظيم عربي جديد على أنقاض النظام القديم، وهذا لايحتاج إلى تبرير أو كثير كلام لإبراز دوافعه وجدواه، يكفي القول أن النظام السائد لم يحقق الشيء الكثير للعرب، وربما لن يحقق شيئا مستقبلا، فبعض من مؤسساته أتت نتيجة الإرادة الخارجية وليس العربية الخالصة، وأعني هنا على وجه الخصوص الرابطة الأم جامعة الدول العربية، والبعض الأخر جاء نتيجة حسابات أخرى ذات أهداف قطرية وسلطوية ضيقة أكثر منها نتيجة إيمان بجدوى المسار الاندماجي والعمل العربي المشترك،وهذا يصدق على باقي الروابط الإقليمية.
ويمكن أن يتحقق هذا من خلال إنشاء مؤسسات، وإبرام معاهدات تؤكد على معنى الوحدة العربية والمصير العربي المشترك، وعلى حق الشعوب العربية في الاندماج وبناء مستقبل مشترك، إلى جانب التأكيد على حق الشعوب العربية في العيش في ظل نظم ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان وإرادة الشعوب، ورفض كل نظام يقوم على العنف أو الانقلاب أو التزوير أو غيرها من الأساليب غير الديمقراطية، وحقها في العيش في إطار فضاء عربي مفتوح على أبنائه، تزول فيه الحواجز الوهمية والعراقيل البيروقراطية، على غرار الفضاءات الإقليمية الدولية مثل الاتحاد الاروبي وغيره، إلى جانب التأكيد على الدفاع العربي المشترك والتعاون العربي المشترك، وتصفية الاستعمار ومناصرة القضايا العادلة في، ودعم السلم والأمن في العالم، وقيام مؤسسات وحدوية عربية حقيقية وشرعية، منبثقة عن الهيئات التمثيلية العربية المنتخبة ديمقراطيا، إلى غيرها من الآمال والطموحات التي حملتها الشعوب العربية وناضلت من أجلها في مختلف فترات التاريخ.
نعلم أن هناك من يعتقد أنه ليس من السهل الإقتناع بالمشروع وتجسيده في ظل الظرف العربي الراهن، المتسم بالانقسامات والصراعات الشاملة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن ربما هذا الظرف نفسه قد يكون درسا مفيدا يوقظ الضمائر ويشحذ الهمم، ويكون سببا في بروز تيار رسمي وشعبي ضاغط يفرضه.
إن مما لاشك فيه، أن تجمع العرب في إطار كتلة صلبة، من شأنه أن يسهم بايجابية وفعالية في تغيير حال العرب إلى الأحسن، وإخراجهم من الوضع السيئ الذي آلوا إليه، أما استمرارهم على الحال نفسه، فلا ينتظر منه سوى مزيدا من العجز والتقهقر.
وما يمكن الانتهاء إليه، هو أن حالة الانهيار الشامل التي وصلت إليها الدولة العربية، وكذا النظام الإقليمي العربي، في هذه المرحلة التاريخية الحيوية والحساسة التي يمر بها العالم، ليس صدفة وليس من قبيل الخوارق، أو اللعنات النازلة من السماء، بل هو نتيجة طبيعية وحتمية لتراكم الأزمات والإخفاقات على جميع الصعد والمستويات. وسنن التاريخ والاجتماع والحضارة غلابة كما هو معلوم، من حيث أن هذه السنن التي لا تحابي أحدا كائنا من كان، فمن استجمع شروط النصر انتصر، ومن استجمع شروط التقدم تقدم، ومن استجمع شروط النهضة نهض، ومن استجمع شروط الهزيمة أو التخلف أو الانهيار والتفكك تحقق له ما استجمع، ومصير كل أمة بيدها لا بيد غيرها، وهي وحدها من تصنع به ما تشاء.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.