زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

رسالة

❣️ 10 جوان (2010-2022).. زاد دي زاد 12 سنة من الصمود.. شكرا لوفائكم 🌺

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

لماذا رفض الحراك “الإسلام السياسي”؟

لماذا رفض الحراك “الإسلام السياسي”؟ ح.م

من اللافتات التي رفعها انصار "الفيس" في مسيرات الحراك الشعبي..

المقصود بالإسلام السياسي هو تلك الحركات التي تؤمن بأن الإسلام نظام للحكم وليس مجرد دين للتعبد. بل هو من منظورها نظام سياسي، اجتماعي، اقتصادي وقانوني صالح لبناء الدولة.

أما الذين يناهضون هذا الفكر فيميلون لاستعمال توصيف “الإسلاموية” بدل الإسلام السياسي، كتعبير عن عدم الاعتراف بهذا الأخير.

لم يكن الاسلام السياسي الجزائري بمنأى عن هذه الحركية. لولا أن الحراك الجزائري جاء متأخرا نوعا ما عن الربيع العربي، ما جعله يستفيد من مخاض من سبقوه.

zoom

عرفت بدايات القرن الواحد والعشرين ظهورا لافتا للإسلام السياسي. فقد أزاح الربيع العربي الأنظمة العربية الديكتاتورية، مانحا فرصة تاريخية لهيمنة التيار الإسلامي. فبعد أن سيطر هذا الأخير على قطاع غزة عام 2007 بفعل الانقسام الفلسطيني، تمكن بفضل الثورة على حكم الرئيس المصري حسني مبارك من حكم مصر.

بينما وصلت حركة النهضة إلى سدة الحكم بتونس بعد فرار الرئيس زين العابدين بن علي. وظلت القائمة مفتوحة على صعود تيارات اسلامية أخرى مع انتشار شرارة الربيع العربي وانتقالها إلى أقطار أخرى. حتى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والذي ظل ينفي علاقته بالإسلاموية، صار يقدم نفسه كنموذج ناجح للإسلام السياسي، كنوع من الاستقطابلهذا التيار الصاعد على الساحة السياسية العربية.

كان منتظر لولا التعثرات أن يأتي الدور على عديد الدول العربية مثل اليمن وسوريا وليبيا لتشهد ارتقاء الاسلام السياسي. خصوصا بعد أن شرعت أنظمة مصر وتونس في إعداد دساتير تجسد التغيير السياسي.

ولم يكن الاسلام السياسي الجزائري بمنأى عن هذه الحركية. لولا أن الحراك الجزائري جاء متأخرا نوعا ما عن الربيع العربي، ما جعله يستفيد من مخاض من سبقوه.

فالثورة المضادة بمصر عام 2013 التي أزاحت حكم الإخوان، والاحتجاجات التي أجبرت حركة النهضة على التخلي عن الحكم بتونس، فرملت عجلة الاسلام السياسي، الذي عاد للتموقع من جديد خلف المشهد.

حتى إذا جاء الحراك الجزائري حاول منتسبو هذا التيار الإطلالة بنوع من الحياء من خلف الستار بدل القفز إلى واجهة المشهد، في حين كان الحراكيون قد استوعبوا درس من سبقوهم فعرفوا كيفية التصرف مع هذا التيار.

منذ بداياته الأولى لم يمنح الحراك الشعبي الجزائري أي فرصة لتيار الإسلام السياسي لركوب المسيرات الشعبية، مستفيدا أولا من الذكريات المريرة للعشرية الحمراء، ومن مآلات الربيع العربي كما أسلفنا الذكر.

فقد جاءت المحاولة الأولى لركوب المسيرات من طرف الشيخ عبد الله جاب الله رئيس جبهة العدالة والتنمية، الذي تم طرده من مظاهرة ضخمة بالعاصمة بداية الحراك الشعبي.

في حين تعرض الشيخ أبو جرة سلطاني يوم 21 أفريل 2019 بباريس للطرد بطريقة مهينة بلغت حد التعنيف الجسدي من قبل متظاهرين من أبناء الجالية بساحة الجمهورية بباريس. الذين قاموا بسكب الماء على رأسه، واستمروا بمضايقته وملاحقته، حتى اضطر إلى الهروب ركضا باتجاه محطة الميترو، على وقع هتافاتهم: “ارحل ارحل يا سارق”.

وهي الحادثة التي استاء لها البعض باعتبار أن الرجل من رموز الدولة الجزائرية، والتجاوز في حقه لا يشرف الحراك ويطعن في سلميته.

محاولة التموقع الحقيقية جاءت من شتات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة وظهور قيادييها في فعاليات الحراك الشعبي مثل كمال قمازي، وعلي جدي وعلي بلحاج.

zoom

بينما رأى آخرون أن حضور أحد رموز النظام البوتفليقي في المسيرة هو استفزاز للمتظاهرين. بحكم أن الرجل تولى حقائب وزارية في عهد بوتفليقة، وحزبه من أحزاب التحالف الرئاسي.

إلا أن محاولة التموقع الحقيقية جاءت من شتات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة وظهور قيادييها في فعاليات الحراك الشعبي مثل كمال قمازي، وعلي جدي وعلي بلحاج.

وهو ما أثار مخاوف فئات واسعة من الشعب الجزائري، وجزء من الطبقة السياسية. خصوصا بعد أن شارك كمال قمازي وعلي جدي في اجتماعات المعارضة لمناقشة الوضع المتأزم الذي تعيشه البلاد.

لم يفوت قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، فرصة الحراك الشعبي لتسجيل حضورهم وتكييف خطابهم السياسي الذي تميز بالتشدد ليواكب التطورات الحاصلة واللحاق بركب المطالبين برحيل السلطة.

فقد وقف البيان الذي وقعه القادة التاريخيون الخمسة للجبهة بمن فيهم، رئيسها الراحل عباسي مدني يوم 26 مارس 2019، إلى جانب الهبة الشعبية غير المسبوقة في الجزائر، في وجه ما اعتبروه إقدام أرعن على ترشيح رئيس في حكم الميت. فكان هذا القرار بمثابة الفتيل الصاعق الذي فجر برميل الغضب الشعبي.

إن القراءة المتأنية في مفردات البيان المذكور تلفت الانتباه إلى تحول مثير للدهشة في خطاب الحزب المحل. فهي مفردات تعكس استعداد الجبهة لتقبل الآخر، وهو ما كانت ترفضه خلال تواجدها على الساحة السياسية، قبل أن تتدخل المؤسسة العسكرية حينها لتلغي المسار الانتخابي عام 1991.

لقد اعترف بيان قادة الفيس المحل بقدرة التيارات الأخرى في البلاد على بلورة حلول للأزمة التي تتخبط فيها البلاد، بالقول: “إن الارتباك والتخبط الذي يعاني منه النظام المتعفن ما كان ليصل بالجزائر إلى الدرك الأسفل، لو أنه استجاب لبعض المبادرات السياسية التي تقدمت بها شخصيات سياسية وتاريخية وعلمية وثقافية منذ الانقلاب على اختيار الشعب في 1992”.

لقد أشاد البيان بما أسماه تحرير الحراك الشعبي للمجتمع ولقطاعات عريضة في مؤسسات الدولة، وجمعه شمل الجزائريين على اختلاف ألوانهم السياسية والأيديولوجية والفكرية، وتوحيدهم على مطلب واضح وصريح يتمثل في رحيل النظام ورموزه. كلها أمور كان يكفر بها زعماء هذا التيار الذين كانوا يرفضون حتى حق التيارات الأخرى المعارضة في التواجد أصلا.

أما تأكيد البيان على ضرورة “نبذ العنف والإقصاء والتهميش لأي مكون سياسي وثقافي”، فهي مفاجأة البيان الكبرى. كونها على تناقض تام وصريح مع الخطاب التقليدي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذي كان يسعى لإبعاد كل من يغرد خارج سربه.

لكن هذا التسويق المتناغم مع الحراك الشعبي من قبل الحزب الإسلامي المحل، سرعان ما فضحته جنازة زعيمه عباسي مدني، يوم 27 أفريل 2019 بالعاصمة، حيث هتف الشتات القادم من مختلف الولايات بشعارات: “يا علي يا عباس الجبهة راهي لباس”، و“عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله”، معيدين بذلك أجواء تسعينيات القرن الماضي إلى الواجهة. ومؤكدين بقاء الأحزاب الإسلامية في الجزائر وفية لتقاليدها السياسية، في التفرد بالحلول والزعم بالتمثيل الحقيقي للشارع.

حتى الإسلام السياسي المعتدل ممثلا في حركة مجتمع السلم أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر حافظ على تقاليده في القفز بين مختلف المواقع، مقابل الاحتفاظ بتصوره الإخواني في قراءة وبلورة حلول الأزمة.

إذ رغم الحضور الدوري لحركة حمس في لقاءات تكتل قوى التغيير، إلا أنها انفردت بخريطة طريق جديدة، ضمنتها رؤيتها؛ ولو أنها تقاطعت في بعض التفاصيل مع مختلف الخرائط السياسية المعروضة.

لكن يبقى تقلب حمس، مثار شك ومصداقية مهتزة لدى الشركاء السياسيين في المعارضة. بعدما دخلت في وقت سابق في اتصالات مع السلطة، لترويج سيناريو العهدة الخامسة، مقابل القيام بإصلاحات عميقة، وهو ما طرحته السلطة كرهان للخروج من المأزق.

هذا التسويق المتناغم مع الحراك الشعبي من قبل الحزب الإسلامي المحل، سرعان ما فضحته جنازة زعيمه عباسي مدني، يوم 27 أفريل 2019 بالعاصمة، حيث هتف الشتات القادم من مختلف الولايات بشعارات: “يا علي يا عباس الجبهة راهي لباس”…

zoom

فلما سقطت العهدة الخامسة وانفرط عقد الداعين لها، تراشق الحزبان الإسلاميان الإخوانيان بالتهم. فقد دخلت حركة حمس في تلاسن سياسي مع جبهة العدالة والتنمية حول علاقاتهما مع مستشار الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة شقيقه السعيد بوتفليقة.

ولم يتوقف الجدل إلا بعد إحالة رئيسة حزب العمال لويزة حنون على القضاء العسكري واتهامها بالمشاركة في التآمر على سلطة الجيش والدولة. الأمر الذي أثار مخاوف حقيقية لدى القيادات الإسلامية التي كانت على تواصل مع السعيد بوتفليقة. فركنت إلى الصمت خوفا من أي تأويل من طرف السلطات العسكرية للقاءات المذكورة.

غير أن ما خرج إلى العلن من السجال بين الحزبين الاسلاميين كشف حقيقة تواصل الأحزاب الإسلامية مع قمة هرم السلطة، والتي كانت تتبنى خطابا معارضا في العلن.

لكن التطورات المتسارعة دفعتها قسرا لكشف أوراقها، خشية إدراجها في خانة التواطؤ مع القوى غير الدستورية التي كانت تحكم البلاد. وهو ما زاد في عزلتها جماهيريا، ورهن حظوظها في تزعم الحراك الشعبي أو تمثيله في أي تسوية مستقبلية.

لقد تسبب الحراك الشعبي في إحداث الشرخ في المرجعيات الدينية الوطنية عندما وقف قطبان من أقطابها على طرفي نقيض هما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونقابة الزوايا.

فالأولى دعمت الحراك الشعبي، والثانية اصطفت إلى جانب النظام. بل ووصفت كل رافض للانتخابات بأنه “ضد الوطن، عدو لدود لشعبه، لا خير فيه، ولا يستحق أن يدفن في مقابر المسلمين”.

ورغم أن دور الزوايا في المشهد السياسي الجزائري ضعيف، غير أن استعماله من طرف نظام بوتفليقة للرد على الحركات السياسية الإسلامية العنيفة دفع بالزوايا ومشايخها للواجهة السياسية؛ وهو دور استحسنته شرائح المجتمع في البداية.

لكن حين تم استعمال الزوايا لتبييض صورة وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل بعد عودته مجددا إلى أرض الوطن في 20 مارس 2016 دون أي تحرك نحو اعتقاله، وهو الذي كان وقتها مطلوبا من العدالة.

يومها حاول نظام بوتفليقة تلميع صورته مجددا ببرمجة زياراته إلى الزوايا عبر ربوع الوطن وإلقاء محاضرات حظيت بتغطية التلفزيون العمومي. وهو ما أساء كثيرا للزوايا خصوصا والشأن الديني عموما.

وما زاد الطين بلة هو تدخل الزوايا في معادلة النظام والحراك، وهو ما لم يخدم الإسلام السياسي في نهاية المطاف. بحكم أن الحراكيين وضعوا الجميع زوايا وأحزابا في سلة مهملات واحدة.

لقد فهم إسلاميو الجزائر رسالة الحراك على مقاسها. فمن أساء إليهم هذه المرة ليسوا بالضرورة أعداءهم التقليديين. بل أساءت لصورتهم تيارات تحسب عليهم. ما أسهم في تضاؤل حظوظهم الانتخابية.

لهذا قرروا الإحجام عن دخول معترك انتخابات 12 ديسمبر 2019 الرئاسية. وأعطوا لذلك تبريرات بين قائل أنهم تركوا الأمر برمته للعسكر من منطلق أن الجيش هو الذي “ربطها بيديه وعليه أن يحلها بأسنانه”، كما يقول المثل الشعبي. وما عليه إلا أن يقدم المرشح الذي يريده، وهو يتحمل مسؤوليته. إذ ليس من وظيفة الأحزاب بعد الحراك تجميل واقع فرضه العسكر.

ماذا لو سبق الحراك الجزائري الربيع العربي، هل كانت حركات الإسلام السياسي الجزائري وأحزابه ستتصرف على استحياء كما تصرفت؟ وهل كان الحراك الشعبي سيرفضها رغم حياء تصرفها؟

zoom

 

وبين قائل أن الأحزاب الإسلامية رفضت تقديم مرشحها لتبقي التفاوض مفتوحا مع مرشح السلطة لبناء تحالفات انتخابية. بينما يرى فريق ثالث أن إسلاميي الجزائر كانت لهم القراءة الصحيحة للأوضاع الدولية والإقليمية الرافضة لوصول الإسلام السياسي للحكم، وعدم تكرار تجربة محمد مرسي بمصر، على الأقل في الظرف الراهن..

خصوصا أن الانتخابات الرئاسية في تونس شهدت انهزام عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة الإسلامية في الدور الأول. لهذا فضل إسلاميو الجزائر عدم المجازفة في ظل هذه الأوضاع، والاكتفاء بمراقبة الوضع والقيام بمراجعات سياسية توضح لهم استراتيجيات العمل المستقبلي.

لن يتسنى لنا اليوم بترجيح أي من الفرضيات. وقد ننتظر إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية القادمة لعل الصورة تتضح.

لكن في المقابل، وبالعودة إلى منطلق حديثنا يجدر بنا أن نطرح السؤال: ماذا لو سبق الحراك الجزائري الربيع العربي، هل كانت حركات الإسلام السياسي الجزائري وأحزابه ستتصرف على استحياء كما تصرفت؟ وهل كان الحراك الشعبي سيرفضها رغم حياء تصرفها؟.

ads-300-250

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.