زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

لا يكفي أن تكون صحفياً..

فيسبوك القراءة من المصدر
لا يكفي أن تكون صحفياً.. ح.م

في أحد أيام عام 1942 ناول آلبرت آينشتاين أوراق الامتحان إلى طلابه في جامعة إكسفورد، وبينما كان يسير نظر إليه مساعده وسأله باستغراب:

خطرت ببالي هذه القصة عندما تذكرت النقاش المرير، والطويل، الذي خضته قبل نحو سنة مع زملاء لي حول جدوى أحد أشهر المقاييس استخداماً في المواقع الإلكترونية؛ وهو عدد القراءات أو ما يُعرف بالـPageviews.

zoom

– “دكتور آينشتاين، أليست أسئلة الامتحان التي ناولتها لطلابك قبل قليل هي ذاتها أسئلة امتحان السنة الماضية؟”

– “نعم، نعم، هي ذاتها بالضبط”، أجاب آينشتاين

– “لكن دكتور آينشتاين، كيف تفعل ذلك!”، قال المساعد.

– “حسناً”، أومأ آينشتاين برأسه “لقد تغيرت الأجوبة.”

خطرت ببالي هذه القصة عندما تذكرت النقاش المرير، والطويل، الذي خضته قبل نحو سنة مع زملاء لي حول جدوى أحد أشهر المقاييس استخداماً في المواقع الإلكترونية؛ وهو عدد القراءات أو ما يُعرف بالـPageviews.

فمنذ إطلاق جوجل آناليتيكس في نوفمبر 2005، بات هذا الـ مقياساً أساسياً لأداء المواقع الإلكترونية التي كانت تبحث عن قراءات أكثر لتحقق أرباحاً إعلانية أكبر. النتائج كانت مدمرة. فقد نشأت مزارع المحتوى Content Farm التي كانت “تفرخ” المقالات مثل مزارع الدجاج، وتراجعت النوعية ليحل محلها الـClickbait أو المحتوى المضلل، وباتت الحاجة إلى الصحفيين الحقيقيين في أدنى مستوياتها طالما أن أي شخص يمتلك مهارة النسخ واللصق قادر على القيام بالمهمة، ووجدت جوجل نفسها في ظل 3.5 مليار عملية بحث يومياً تصرف أموالاً طائلة (7 مليار في عام 2013) على سيرفرات تضم كماً هائلاً من المحتوى الذي لا يضيف قيمة عند القراء.

بعد 15 سنة من عمر جوجل آناليتيكس لا يزال السؤال الأساسي لدى المواقع الإلكترونية هو ذاته: كيف نحقق الأرباح؟ لكن الإجابة، حسناً، لم تعد هي بالضبط؛ لقد تغيرت.

بعد 15 سنة من عمر جوجل آناليتيكس لا يزال السؤال الأساسي لدى المواقع الإلكترونية هو ذاته: كيف نحقق الأرباح؟ لكن الإجابة، حسناً، لم تعد هي بالضبط؛ لقد تغيرت.

zoom

في عام 2017 حدث شيء غريب. انطلقت حركة عالمية تحت اسم #MeToo بعد أن نشرت نيويورك تايمز ونيويوركر قصة هارفي وينشتاين الذي استغل منصبه لإقامة علاقات جنسية مع ممثلات شهيرات، وحازت القصتان حينها على جائزة بوليتزر، لكن لدى البحث عن هذه القصة على محرك جوجل كان يظهر في المرتبة الأولى تقرير شارح نشرته بي بي سي. لم يكن الأمر منطقياً.

منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تغيرت خوارزميات جوجل كثيراً، إذ أضافت معايير النوعية والفرادة والأصالة على سلم الأولويات. وتغير معها جوجل آناليتيكس وسلوك القراء على الإنترنت، وتغيرت المواقع العالمية أيضاً. لكن المواقع العربية الكبرى ظلت أسيرة عدد القراءات، فإجابتها على السؤال القديم هي ذاتها الإجابة القديمة، إلا أنها أضافت ثنائية جديدة ليصبح فك الأسر شبه مستحيل: فإما الانتشار (Pageviews) أو التأثير (Quality)!

وكان آخر تحديث كبير على جوجل آناليتيكس قبل نحو أسبوعين عندما أعلنت باقة جديدة من التغييرات تركز فيها على “التجربة الإيجابية” التي تمنحها المواقع لقرائها وليس عدد القراءات التي يمنحها القارئ للموقع. وبذلك بات الـUser Experience في مركز الاهتمام.

أدركت المواقع العالمية باكراً هذا الأمر، وغيرت استراتيجياتها منذ سنوات، والآن تقطف الثمار إذا علِمْتَ أن الغارديان مثلاً وصلت إلى 2.17 مليار قراءة في فبراير الماضي، ومثلها تقريباً نيويورك تايمز (1.2 مليار) وواشنطن بوست وفايننشال تايمز وول ستريت جورنال…

zoom

أدركت المواقع العالمية باكراً هذا الأمر، وغيرت استراتيجياتها منذ سنوات، والآن تقطف الثمار إذا علِمْتَ أن الغارديان مثلاً وصلت إلى 2.17 مليار قراءة في فبراير الماضي، ومثلها تقريباً نيويورك تايمز (1.2 مليار) وواشنطن بوست وفايننشال تايمز وول ستريت جورنال، رغم أن هذه الصحف، ماعدا الغارديان، تعتمد استراتيجية الخدمة المدفوعة وليس عائدات الإعلانات من عدد القراءات المجانية. بينما متوسط المواقع العربية الإخبارية (وليست الترفيهية) تصل إلى نحو 50 مليون قراءة.

كيف فعلت هذه المواقع ذلك؟

لقد استثمرت في القارئ، واكتشفت العادات Habits والأنساق patterns التي تتحكم في سلوكه، وكان هذا جوابها الجديد على السؤال القديم.

الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو للوهلة الأولى. فمعظم المنصات التي تحلل بيانات المستخدمين؛ مثل جوجل آناليتيكس، وتشارت بيت وبارسلي وغيرها الكثير، تقدم في الواقع هذه البيانات مجردة من سياقها الفعلي. ونادراً ما يستطيع القائمون على المواقع الإلكترونية تحويل هذه الأرقام إلى خطوات عملية. فهي تعطي مؤشرات عامة على الأداء، لكنها لا تشرح ما الذي يجري عند القارئ؛ تبين أي مادة حازت على قراءات أكثر، لكنها لا توضح لماذا حازت على هذه القراءات. فكيف وصل القارئ إلى هذه المادة؟ وما الذي لفت انتباهه؟ هل هي الصياغة أم الصورة أو ربما توقيت النشر، لعلّه العنوان؟ كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير، يحاول الصحفي الإجابة عليها بحدسه؛ فيصيب مرة ويخيب مرات.

لم تكن علاقتي جيدة يوماً مع الأرقام. وأحسب أن معظم الصحفيين مثلي. فأنّى لنا أن نستطعم ذلك المعنى المتعالي/الصوفي/الكوني فيها؛ نحن الذين هربنا من الرياضيات والفيزياء والهندسة والجبر إلى دراسة الفروع الأدبية. لكن الأرقام متعالية transcendental، لا يُفهم معناها إلا بعمل زوم آوت ومشاهدة تلك الخيوط التي تربط فيما بينها. وهذا ما يفعله بالضبط محللو البيانات، وعلماء الرياضيات طبعاً.

هذا ما استثمرت فيه مواقع مثل نيويورك تايمز التي أطلقت Project Feel لتتنبأ بالمشاعر التي ستنتاب القراء لدى قراءة مادة ما، وفرضت على المعلنين الذي يريدون أن ترتبط منتجاتهم بمشاعر معينة أسعاراً تعادل عدة أضعاف الأسعار العادية، وProject Habit الذي أطلقته وول ستريت جورنال واستطاعت من خلاله التعرف على عادات القراء وتحويلهم إلى مشتركين دائمين في الصحيفة، ومشروع Quality Read الذي أطلقته فايننشال تايمز للاحتفاظ بالمشتركين لأطول فترة زمنية ممكنة..

zoom

قبل نحو 800 عام، نشر الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي كتاباً أسماه “ليبر أباتشي” (كتاب الحساب) مستلهماً الأرقام العربية التي تعرّف إليها في مدينة “بجاية” الجزائرية حيث كان لوالده تجارة هناك. وأورد فيها متتالية عرفت فيما بعد بـ”متتالية فيبوناتشي” حيث أن كل حد في هذه المتتالية هي مجموع الحدين السابقين: 1-1-2-3-5-8-13-21… استخدمت هذه المتتالية فيما بعد في الأسواق المالية وخوارزميات الكمبيوتر، وحتى في العلوم البيولوجية، فمثلاً الزهور جميعها تتبع هذه المتتالية في عدد أوراقها، لا تجد زهرة بـ4 أو 6 أو 9 أوراق مثلاً، والكثير من الأشياء الأخرى في كوننا الفسيح. ويكاد المرء يقف صامتاً في حضرة ذلك الهارموني الذي تتحرك فيه أسراب الطيور أو الأسماك، أو تلك الإضاءة المتناغمة التي تطلقها عشرات آلاف حشرات اليراع من بطونها في إيقاع كوني متعالٍ صوفي تضاهي بجمالها لوحات فان كوخ ورنوار ومونيه. حسناً، لقد وجد العلماء أن كل ذلك يسير بحسب أنساق ومعادلات رياضية، من حركة الذرات إلى تشكل المجرات. فمتى تعلمت كل هذه المخلوقات الكونية الرياضيات!

في الواقع، نحن أيضاً كمستخدمي الإنترنت، لدينا هذه الأنساق وهذه المعرفة اللاوعية بالرياضيات التي تتحكم في سلوكنا. ويمكنك تخيل المعادلة الرياضية المعقدة التي تستخدمها دون أن تدرك ذلك، لالتقاط كرة بقدميك في المكان والزمان الصحيحين: y = (v/u) x – (x^2/2u^2) x^2، هذا ما استثمرت فيه مواقع مثل نيويورك تايمز التي أطلقت Project Feel لتتنبأ بالمشاعر التي ستنتاب القراء لدى قراءة مادة ما، وفرضت على المعلنين الذي يريدون أن ترتبط منتجاتهم بمشاعر معينة أسعاراً تعادل عدة أضعاف الأسعار العادية، وProject Habit الذي أطلقته وول ستريت جورنال واستطاعت من خلاله التعرف على عادات القراء وتحويلهم إلى مشتركين دائمين في الصحيفة، ومشروع Quality Read الذي أطلقته فايننشال تايمز للاحتفاظ بالمشتركين لأطول فترة زمنية ممكنة، وغيرها من المشاريع التي أطلقتها واشنطن بوست والغارديان على مدار السنوات الماضية، وكان لها مفعول السحر في أعداد المشاهدات التي ذكرناها سابقاً.

وأولئك الذين يعزفون على أحد الآلات الموسيقية، يعلمون تلك المساحات المحسوبة بدقة هندسية متناهية بين العلامة الموسيقية ونصف العلامة وربع العلامة لتخرج تلك النغمات التي تستسلم لها أرواحنا. والصحفي الجيد مثل العازف الجيد، عليه أن يعرف أين يضع إصبعه.

zoom

** بعض الروابط المفيدة:

قصة آينشتاين
https://www.youtube.com/watch?v=VNGFep6rncY

سيرفرات جوجل
https://www.heshmore.com/how-much-data-does-google-handle/
https://www.quora.com/How-much-does-Google-spend-on…

حركة #MeToo
https://www.wikiwand.com/…/%D8%A3%D9%86%D8%A7_%D8%A3%D9…

قصتا نيويورك تايمز ونيويوركر عن وينشتاين
https://www.nytimes.com/…/harvey-weinstein-harassment…
https://www.newyorker.com/…/from-aggressive-overtures…

جائزة بوليتزر للقصتين
https://www.pulitzer.org/…/new-york-times-reporting-led…

مادة بي بي سي عن القصة ذاتها (المادة يتم تحديثها بشكل دوري)
https://www.bbc.com/news/entertainment-arts-41594672

انتقال اهتمام جوجل إلى “تجربة المستخدم”
https://webmasters.googleblog.com/…/evaluating-page…

كيف غيرت نيويورك تايمز استراتيجيتها
https://www.nytimes.com/projects/2020-report/index.html

زيارات موقع الغارديان
https://www.theguardian.com/…/guardian-us-records….

جماليات الرياضيات والكون
https://www.youtube.com/watch?v=O7x3LBWn-Ao

الهارموني في الكون
https://www.youtube.com/watch?v=VaWGGHgGBWw

نيويوك تايمز Project Feel
https://open.nytimes.com/how-does-this-article-make-you…

وول ستريت جورنال Project Habit
https://www.niemanlab.org/…/habit-formation-how-the…/

مشروع Quality Read لفايننشال تايمز
https://digiday.com/…/long-term-planning-ft-now-1…/

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.