زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

في ذكرى رحيله.. “بشير حمادي” يتحدث عن نفسه؟!

في ذكرى رحيله.. “بشير حمادي” يتحدث عن نفسه؟! ح.م

بشير حمادي (رحمه الله)

تحل اليوم الذكرى الخامسة لوفاة الإعلامي الجزائري الكبير "بشير حمادي" رحمه الله، كان ذلك زوال يوم 23 نوفمبر 2016..

ونحرص في زاد دي زاد كل عام على الإحتفاء بهذا الرجل، الذي ترك بصمته الواضحة في الإعلام الجزائري الذي مارسه أكثر من 40 سنة بكل نشاط وتميز..

إن تذكرنا للرجل في كل ذكرى لرحيله هو أقل الوفاء من فريق زاد دي زاد الذي تلقى كل الدعم والتشجيع من بشير حمادي الذين كان أكثر المرافقين لمسيرة زاد دي زاد الإعلامية، متابعة وتوجيها ومساهمة..

من رافق الفقيد بشير في عمله سوف يشهد على “رئيس تحرير” من نوع نادر جدا حتى قال عنه البعض أنه “رئيس التحرير الوحيد في الجزائر”، كناية عن جودة العمل التي تميز بها الراحل أثناء أدائه لعمله كرئيس تحرير في مختلف الجرائد التي عمل فيها خلال مشواره الصحفي.. والذي تلقى فيه ضربات موجعة لم تستطع أن تسقطه أرضا أو تجعله يستكين للاستسلام، بل ظل واقفا شامخا إلى آخر ثانية من حياته وهو يؤدي واجبه المهني بنفس روح الشباب التي بدأ بها مسيرته الإعلامية، كان ذلك يوم 23 نوفمبر عام 2016 إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة وهو في طريق عودته إلى مكتبه بساحة أودان بالعاصمة..

ليس هناك أفضل من يتحدث عن شخصية بشير الإنسان والصحفي ورئيس التحرير، من بشير حمادي نفسه، حيث نضع أمامكم هنا مقطفات من أهم ما جاء في هذه المواجهة التي نُشر الجزء الأول منها على موقع “زاد دي زاد ” بتاريخ 4 نوفمبر 2010..

عاش الرجل مجاهدا حقيقيا في سبيل ترقية هذه المهنة والدفاع عنها، وخطفه الموت وهو في قلب هذه المعركة التي خاضها بشرف (رغم كل الخيانات التي تعرض لها والطعنات التي تلقاها) بشجاعة المجاهدين الشرفاء الذين “ما بدّلوا تبديلا”..

في بداية نوفمبر من عام 2010، كان لنا شرف إدارة مواجهة إعلامية مفتوحة مع الراحل بشير حمادي نُشرت على أجزاء في موقع “زاد دي زاد”، وجسّدت تلك المواجهة تجربة جديدة ومختلفة في طريقة إدارة الحوارات الصحافية، فقد كانت عبارة عن حوار مفتوح شارك فيه العشرات من الصحافيين والأساتذة والمواطنين، الذين طرحوا أسئلتهم بكل حرية على ضيف المواجهة، والذي أجاب هو الآخر بكل جدية ومسؤولية على جميع القضايا التي تمت مواجهته بها..

عرفت تلك المواجهة تفاعلا غير مسبوق من الفاعلين في الساحة الإعلامية ورفقاء الفقيد في مسيرته، وتلقى الموقع عددا كبيرا جدا من التعليقات تعقيبا على أجوبة ضيف المواجهة، وهو ما استدعى من الراحل تخصيص جزء جديد للرد على جميع التعليقات بما فيها المُسيء منها والمُتجنّي على شخصه، وهذا ما يكشف عن المهنية الشديدة التي كان يتميز بها هذا الرجل النادر..

كانت هذه المواجهة التاريخية عبارة عن “مذكرات” مختصرة لمسيرة إعلامي كبير فقدته الجزائر، ومن هذا المنطلق وجدنا أنه ليس هناك أفضل من يتحدث عن شخصية بشير الإنسان والصحفي ورئيس التحرير، من بشير حمادي نفسه، حيث نضع أمامكم هنا مقطفات من أهم ما جاء في هذه المواجهة التي نُشر الجزء الأول منها على موقع “زاد دي زاد ” بتاريخ 4 نوفمبر 2010..

سيرة مختصرة

الأستاذ بشير حمادي من مواليد 13 مارس 1951 ببني مسلم بولاية جيجل، وهو خريج معهد العلوم السياسية، الدفعة الأولى المعربة سنة 1978، وقد ولج عالم الصحافة وهو في السنة الأولى، أي في منتصف السبعينات.
تولى خلال عقود عمله في الصحافة المكتوبة رئاسة تحرير عددا من الصحف، حيث كان في الثمانينيات رئيسا لتحرير جريدة الشعب، وفي مطلع التسعينيات كان مدير تحرير يومية المساء.

وعندما انفتحت الساحة الإعلامية، وسمحت السلطة بإصدار نشريات خاصة، قدم استقالته من جريدة المساء، وأسس مع مجموعة من الصحافيين شركة دار الإستقلال التي أصدرت جريدة “الجزائر اليوم” في الفاتح نوفمبر 1991، والتي ترأس تحريرها.

توفي الفقيد يوم 23 نوفمبر 2016 بالقرب من مكتب عمله وسط العاصمة إثر أزمة قلبية مفاجئة وهو في ذروة العطاء عن عمر 65 سنة.

بعد أن تم تعليق صدور يومية “الجزائر اليوم” للمرة الثالثة من قبل السلطة بتاريخ 02 أوت 1993، ومُنع من الكتابة والسفر، أسس في منتصف التسعينيات دار الفجر التي أصدرت مجلة الأطفال “الشاطر” وهو مسؤول النشر لهذه المجلة.

وفي سنة 2000 أسس مع مجموعة من كبار الصحافيين الجزائريين شركة دار الإستقلال التي أصدرت جريدة “الشروق اليومي” التي كان مدير تحريرها حتى سنة 2005، وهي السنة التي تولى فيها مسؤولية تسيير شركة دار الحقائق للطباعة النشر التوزيع والإشهار، التي تقوم بجميع أعمال الطباعة، وتستعد لإصدار يومية “الحقائق” التي كانت تصدر أسبوعيا، وكان مدير تحريرها.

بشير حمادي كاتب لمقالات الرأي منذ منتصف الثمانينيات في العديد من الصحف العمومية والمستقلة باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة متعددة.

توفي الفقيد يوم الأربعاء 23 نوفمبر 2016 بالقرب من مكتب عمله وسط العاصمة إثر أزمة قلبية مفاجئة وهو في ذروة العطاء عن عمر 65 سنة.

مواجهة إعلامية

من الشعب إلى أسبوعية الحقائق مرورا بالجزائر اليوم والحوار (طبعة مهري) والشاطر والشروق.. كيف يقيم بشير حمادي مسيرته المهنية بحلوها ومرها، وخاصة ما هي العبر والدروس التي استخلصها في بلد متقلب كالجزائر؟

بشير حمادي: قبل أن أقيم مسيرتي المهنية باختصار، بودي أن أقوّم خطأ بسيطا في السؤال، وهو أنني لم أنتم ليومية الحوار (طبعة مهري) التي كان يديرها صديقي وزميلي مصطفى هميسي، ولكنني كتبت في تلك الصحيفة بإسمين مستعارين، لأنني كنت في تلك المرحلة ممنوعا من الكتابة والسفر، بعد مثولي كرئيس تحرير أمام قاضي التحقيق في قضية توقيف “الجزائر اليوم” للمرة الثالثة.

أما فيما يتعلق بصميم سؤالكم فأقول أن مسيرتي الإعلامية في القطاع العمومي كانت ثرية بالأحداث والمعلومات.

الزخم السياسي الذي صادف التحاقي بجريدة الشعب مكنني من البروز السريع في ظل تنافس عدد قليل من الصحافيين طبعا، وتمكنت من ممارسة كل الألوان الصحفية من كتابة الأخبار، وتغطية الأحداث الكبرى داخليا وخارجيا، إلى إجراء الحوارات، وإنجاز تحقيقات كبرى، فكتابة العمود، ثم كتابة التعليق والإفتتاحية، وأخيرا المقال.

فقد التحقت بجريدة الشعب صيف سنة 1975، قادما إليها من سلك التعليم، وكنت أدرس في السنة الأولى علوم سياسية، وصادف بداية عملي بالصحافة انتعاش الساحة السياسية من خلال طرح مشروع ميثاق وطني للنقاش العام، وقد كان ذلك النقاش، وفي ظل الحزب الواحد، وما سمي بالنظام الشمولي البومديني أكثر عمقا وحرية من النقاشات البيزنطية في ظل تعدد الأحزاب، تبعه نقاش قانوني حول الدستور، ثم الإنتخابات الرئاسية التي تحول بموجبها الأخ ـ وهو المصطلح المستعمل في تلك الفترة ـ هواري بومدين من رئيس مجلس الثورة إلى رئيس للجمهورية، ثم انتخابات تشريعية أعادت الهيئة التشريعية بعد غياب طويل، فالتحضير للمؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني، لكن بومدين أصيب بمرض استعصى علاجه وأدى إلى وفاته قبل انعقاد المؤتمر الذي كان يعلق عليه آمالا كبرى.

وقد كنت في هذه المرحلة عنصرا فاعلا في النقاش العام في الجامعة التي كانت ساحة للصراعات السياسية بين الطلبة المنتمين لمختلف التيارات الفكرية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وللآراء الحرة دون تدخل مسؤوليها، أو أجهزة الأمن، وكانت للجامعة حرمة تفتقدها اليوم. مثلما كنت في مقدمة الصحافيين الذين قاموا بمواكبة وتغطية تلك النقاشات بما في ذلك تغطية أشغال المجلس الشعبي الوطني في عهدتي المرحوم رابح بيطاط، والسيد عبد العزيز بلخادم.

هذا الزخم السياسي الذي صادف التحاقي بجريدة الشعب مكنني من البروز السريع في ظل تنافس عدد قليل من الصحافيين طبعا، وتمكنت من ممارسة كل الألوان الصحفية من كتابة الأخبار، وتغطية الأحداث الكبرى داخليا وخارجيا، إلى إجراء الحوارات، وإنجاز تحقيقات كبرى، فكتابة العمود، ثم كتابة التعليق والإفتتاحية، وأخيرا المقال.

ففي الصحافة العمومية لا يمكنك أن تكون صحافيا في قسم التحقيقات مثلا إلا إذا قضيت عشر سنوات على الأقل في القسمين المحلي ثم الوطني، وتنقلت مابين الأقسام الأخرى..

هذا التنوع مكنني من التعلم والنضج والتدرج السريع في المسؤولية، ومن التعرف على معظم الصحافيين في مختلف وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع باللغتين العربية والفرنسية، وهذا بدوره مكنني من الفوز بمقعد في المجلس الوطني لاتحاد الصحافيين الجزائريين الذي انبثق عن المؤتمر الذي عقد سنة 1982 منتخبا من قبل ممثلي صحافيي ولايات وسط البلاد.

تعلمت في الصحافة العمومية الكتابة في كل الألوان الصحفية، وجبت الجزائر من أقصاها إلى أقصاها، ورغم ذلك فضلت عليها الصحافة الخاصة التي تلقيت فيها ضربات موجعة، لكنني تنفست بحرية أكبر.

zoom

يمكنني القول أنني كنت من المحظوظين، وتعلمت الكثير من المسؤولين الذين تشرفت بالعمل معهم، وخاصة الأستاذين محمد بوعروج، ومحمد السعيد، المرشح للإنتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد جمع الرجلان بين الكفاءة المهنية والإدارة الجدية.

وحتى انتقالي إلى يومية المساء مديرا لتحريرها كان في أخصب مرحلة سياسية تعرفها الجزائر منذ استقلالها، أي بعد أحداث أكتوبر 1988 ووضع دستور جديد يسمح بالتعددية الحزبية، وقد كانت هذه اليومية متألقة حيث كانت تتوفر على مجموعة من الشباب لدى أغلبهم القدرة على الكتابة الجيدة خبرا أو تحليلا، بعضهم أسس يومية الخبر فيما بعد، وعناوين إعلامية أخرى، وبعضهم الآخر يتبوأ مراكز هامة في هذه الصحيفة وصحف خارج الجزائر.

مما سبق يتضح أن تجربتي في القطاع العمومي لم تكن مرة، بل كانت زاخرة بالأحداث والتجارب، رغم أنها لم تكن خالية من بعض الضغوط التي لا تكسر قلم الصحفي.

أما الجزء الثاني من مسيرتي الإعلامية فيتعلق بالصحافة الخاصة، فبمجرد السماح للصحافيين بإصدار صحف، شرعت مع عدد من الصحافيين في التحضير لإصدار يومية خاصة، أسميناها في البداية “الوطن” لكن مجموعة الوطن باللغة الفرنسية أودعت مشروعها لدى رئاسة الحكومة بنفس التسمية قبلنا، وهو ما حتم تغيير التسمية إلى “الأمة”.

وكان من بين المؤسسين لهذا العنوان الذين شرفوني برئاسة مشروعه، ومتابعته على مستوى وزارة العمل التي كانت مكلفة بالتحضير المادي للعناوين الجديدة، ورئاسة الحكومة التي كلفت السيد محمد الصالح دمبري بمتابعة هذه المشاريع الزملاء الصحافيون: سعد بوعقبة، ومحمد عباس، وعبد الله قطاف، ومصطفى هميسي، وعبد الله بشيم، وصلاح شكيرو.

هذا المشروع تعثر، فالتحقت بالمساء، التي لم أمكث فيها طويلا، حيث شرعت مع مجموعة أخرى في التحضير لإصدار جريدة “الجزائر اليوم”.

تعلمت في الصحافة العمومية الكتابة في كل الألوان الصحفية، وجبت الجزائر من أقصاها إلى أقصاها، ورغم ذلك فضلت عليها الصحافة الخاصة التي تلقيت فيها ضربات موجعة، لكنني تنفست بحرية أكبر.

ما هي أهم المحطات التي استوقفتك في حياتك المهنية وكانت سببا في تغيير مفاجئ لديك؟

في قطار الصحافة انتقلت من عربة إلى أخرى دون النزول في محطة ما، ولكن الإنتقال بين العربات كان ربما أهم من تغيير المحطات، فما إن انفتحت أمامي كذلك باب عربة الصحافة الخاصة حتى ولجتها، لكنها لم تتوفر على الأكسجين الكافي الذي يضمن لي تنفسا عاديا…

بشير حمادي: المحطة الأولى التي استوقفتني هي محطة الصحافة، فما إن انفتحت أمامي حتى قفزت في إحدى عربات القطار المار بها آنذاك جريدة الشعب لأبدأ رحلة طويلة على سكة ما تزال مستمرة، تاركا ورائي محطة التعليم.

وفي قطار الصحافة انتقلت من عربة إلى أخرى دون النزول في محطة ما، ولكن الإنتقال بين العربات كان ربما أهم من تغيير المحطات، فما إن انفتحت أمامي كذلك باب عربة الصحافة الخاصة حتى ولجتها، لكنها لم تتوفر على الأكسجين الكافي الذي يضمن لي تنفسا عاديا، وحتى لا أختنق فتحت نافذة العربة واستنشقت هواء الصحافة من خلال صحافة الأطفال، وعندما انفتحت أمامي مجددا عربة صحافة الكبار من خلال إصدار يومية الشروق اليومي قفزت إليها، لكن هواءها تلوث، فانتقلت مضطرا إلى عربة أخرى وهكذا دواليك، والقطار ما يزال سائرا على سكته، والعبد الضعيف ما يزال في إحدى عرباته حتى وإن كان جالسا أو واقفا متفرجا على المشهد السياسي والإعلامي بصفة خاصة…

كان أبو اليقظان كلما أغلقت له سلطات الاحتلال الفرنسية جريدة سرعان ما يبعث جريدة جديدة، بشير حمادي يشبهه كثيرا، لكنه استكان هذه المرة لماذا هل هو الاستسلام وانسداد كل الآفاق، أم أن هناك محاولات في طريقها إلى الولوج؟

بشير حمادي: هذا السؤال طرح علي في حوار مع أسبوعية المحقق، وقد قلت أنني لست “أبو اليقظان” فالرجل ترك ما يقارب الستين مؤلفا مابين رسالة وكتاب، فهو صحفي، وشاعر، ومؤرخ، وعالم بالشريعة، لهذا أقول أنه المثل أو النموذج بالنسبة لي ولست مثله. أحب فيه أيمانه بالصحافة الذي لا يتزعزع، وتضحيته في سبيلها، وإرادته في تحقيق نفوذها.

لقد منعت السلطات الإستعمارية أول صحيفة لأبي اليقظان من الصدور، وهو ما حدث لي، ولم تكتف بمنعها من الصدور، بل إنها أصدرت الأوامر بمنعه من الكتابة مدة تزيد عن السنة، وهو ما حدث لي كذلك. وكلما أوقفوا له صحيفة أصدر أخرى، فقد صادر له الإستعمار خلال ثلاثة عشرة سنة ثماني جرائد هي:

(وادي ميزاب ـ ميزاب ـ المغرب ـ النور ـ البستان ـ النبراس ـ الأمة ـ الفرقان)، وهو القائل:

إن الصحافة للشعوب حياة .:. والشعب من غير اللسان موات

وهو ما أؤمن به وأسعى جاهدا لتحقيقه.

فبعد صدور الحكم بالبراءة في التعليق الثالث “للجزائر اليوم” وعدم السماح لنا بالصدور مجددا كما حدث في التعليق الأول والثاني، أصدرت مجلة “الشاطر” للأطفال التي لقيت رواجا، خاصة فيما يتعلق بملاحقها الخاصة “ألعاب للأطفال” و”ألوان ومعارف”، وهذا النوع من الإعلام يتناسب مع الوظيفة التي شغلتها قبل الصحافة، أي وظيفة مربي، لكنني أعشق الصحافة السياسية، ولهذا عندما عرضت علي فكرة المشاركة في إصدار يومية وطنية مستقلة قبلتها على الفور، وأسست مع بعض الزملاء يومية “الشروق اليومي” التي تصدر اليوم عن شركة أخرى.

أنا أعشق بلدي عشقا جنونيا، أشعر أن أقدامي مغروسة في ترابه، ورأسي يعانق سحابه، وأشعر براحة البال وأنا أتجول في أسوأ أزقته أكثر مما أحس بالراحة أو المتعة وأنا أتجول في الشانزليزي بمدينة الجن والملائكة.

أنا الآن كما أسلفت القول مسير دار الحقائق للطباعة النشر التوزيع والإشهار، وهذه المؤسسة من حقها إصدار نشريات، وقد أصدرت أسبوعية الحقائق، وكنت مدير تحريرها، وقد توقفت عن الصدور بعد تحولها إلى يومية، ستصدر عند توفر الظروف المناسبة والشروط الموضوعية، كما أسلفت القول.

لماذا لم تفكر في تجربة خارج البلد أم لم تعرض عليك فرصة؟

بشير حمادي: قدمت لي عروض عديدة منذ مطلع الثمانينيات، ولكن لم يخطر ببالي أبدا مغادرة الجزائر، وقضاء سنوات في الغربة، فقد عشت الغربة في وطني منذ كنت طفلا، ولا أريد أن أكون غريبا في أوطان أخرى. وحتى لا أضعف أمام إغراءات وضغط الأحداث، لم أجدد جواز سفري الذي انتهت صلاحيته قبل أحداث أكتوبر 1988 إلا بعد إصدارنا لجريدة الشروق اليومي، ومع الزميلين سعد بوعقبة وعبد الله قطاف.

أنا أعشق بلدي عشقا جنونيا، أشعر أن أقدامي مغروسة في ترابه، ورأسي يعانق سحابه، وأشعر براحة البال وأنا أتجول في أسوأ أزقته أكثر مما أحس بالراحة أو المتعة وأنا أتجول في الشانزليزي بمدينة الجن والملائكة.

وصفك الكاتب علي رحالية في المواجهة الإعلامية الأولى مع هذا الموقع، بأنك أحسن رئيس تحرير في الجزائر، هل تعتقد أن هذه مجاملة أم حقيقية، وما هي مواصفات رئيس التحرير المثالي من وجهة نظرك ؟

بشير حمادي: عندما يأتي الوصف من صحفي يكتب بالمشرط قد لا يكون مجاملة، بقدر ما هو تقدير مبالغ فيه لشخصي لا أستحقه.

فهناك رؤساء تحرير أسبق وأحسن مني بكثير في الصحف المعربة والمفرنسة على حد سواء، وربما لأن الأخ علي رحايلية لم يشتغل معهم، فكانت المفاضلة بين العدد القليل من رؤساء التحرير الذين تعامل معهم.
أما فيما يتعلق بالشطر الثاني من السؤال فأعتقد أنه ليس هناك رئيس تحرير مثالي، لأن مهنة المتاعب هي مهنة احتكاك يومي بين مجموعة من الصحافيين متعددي الإختصاصات، والمنطلقات، والقناعات، والأهداف، وحتى الوسائل.

وهو مطالب أولا وقبل كل شيء بالعمل على أن لا يتحول هذا الإحتكاك اليومي إلى صدام بين الصحافيين بما يؤثر سلبا على بعضهم، وفيما بينه وبينهم، حتى يوفر الجو المحفز على الأداء الجيد لكل واحد منهم، والتنافس الشريف بينهم، ويحرس على ضمان جرعة كافية من الحرية غير المستبدة التي تنال حتى مما هو مقدس في المجتمع، حتى لا تهتز مصداقية الجريدة عند القارئ…الخ.

باختصار رئيس التحرير الجيد هو الذي يجمع بين الكفاءة والصرامة ومحبة الفريق الذي يشتغل معه واحترام القارئ الذي تتوجه إليه صحيفته.

رئيس التحرير الجيد ولا أقول المثالي، هو الذي له القدرة على الإستماع الدائم لهؤلاء وأولئك، وعلى التوظيف الجيد لكل عنصر من عناصر مهنة المتاعب بما يمكنه من تقديمه إعلام جيد وموضوعي للقارئ يحترم عقله حتى وإن كان محدود التعليم والثقافة ويقرأ الجريدة بصعوبة.

وحتى يكون جيدا لابد أن يتقن لغة الصحيفة التي يشرف عليها، ولغة الإدارة على الأقل، وأن تكون له ثقافة واسعة بحيث تمكنه من القراءة الجيدة والتقييم الصحيح لكل ما يقدم له من هيئة التحرير أو من خارجها، وأن تكون له القدرة على مناقشة الصحافيين فيما يكتبون، وعلى الإقناع بما يراه صحيحا، والإقتناع بما يراه عندهم صائبا فكرا وممارسة، وأن يحسن الإستماع والتحاور مع ذوي الإختصاص للإستفادة منهم وتوسيع مداركه، مهما كانت درجة اختلافهم معه.

باختصار رئيس التحرير الجيد هو الذي يجمع بين الكفاءة والصرامة ومحبة الفريق الذي يشتغل معه واحترام القارئ الذي تتوجه إليه صحيفته.

ومن ناحيتي، ومنذ أن توليت مسؤولية الإشراف على فريق من الصحافيين، بدءا برئيس القسم الوطني في جريدة الشعب إلى رئيس التحرير أو مسؤول النشر في عناوين أخرى، عاملت الشباب بنفس المعاملة التي عوملت بها عند ولوجي عالم الصحافة، فباب رئيس التحرير لا يغلق أبدا، وقد اعتمدت في جريدة الجزائر اليوم أو في الشروق اليومي عليهم، لأنني أؤمن أن لكل زمن رجاله وفرسانه، وأن النجاح في هذا المجال يتطلب الجمع بين خبرة الشيوخ وجديد الشباب.

ما السر وراء اللحية التي تُطلقها، هل هي لحية الشيوعيين أم الإسلاميين،أم لحية الأفلانيين؟

بشير حمادي: فيما يتعلق باللحية فقد طرح علي سؤال بشأنها سنة 1994 في حوار مع يومية السلام، وقلت حينها: “أن اللحية بالنسبة لي ليست عنوانا سياسيا، ولا اتجاها دينيا، ومعظم الفلاسفة ملتحون باختلاف أفكارهم ومعتقداتهم، فالنظر إلى اللحية على أنها رمز للإنتماء السياسي ينم عن تفكير مسطح، وهذا التفكير ليس وليد المرحلة الحالية. فقد كانت اللحية تهمة في حرب التحرير، واعتبر الملتحون أتباعا لمصالي، وكانت بعد الإستقلال تهمة مرة ثانية، واعتبر الملتحون شيوعيون، واليوم تهمة توجه للإسلاميين رغم أن الملتحين عندنا هم من ماسينيسا إلى الأمير عبد القادر وبن باديس… الخ

وهي مع الشوارب رمز لرجولة الجزائريين التي يريد بعض المسطحين خصيها.

وقد استهجن الجزائريون حلق الرئيس الشاذلي بن جديد شواربه، وهم كانوا يسمون الرئيس الراحل هواري بومدين “الموسطاش”.

لحيتي موجودة منذ أن أنهيت واجب الخدمة الوطنية في مطلع السبعينيات. وهي تميزني عن زملائي، وتشكل جزءا من شخصيتي في الوسط الإعلامي، ولا علاقة لها بهذا التيار أو ذاك..

اللحية يا أخي هي سمة كل الشعوب والأمم، وهي شيء مشترك بين نخب المعمورة باختلاف أجناسهم وأديانهم وأفكارهم، وباختلاف مراتبهم. فليس المسلم وحده الملتحي، بل المسيحي واليهودي والبودي والملحد كذلك. وليس العالم أو المفكر أو الزعيم المسلم وحد الملتحي، بل علماء ومفكرون وزعماء من ديانات أخرى، وخارج الديانات المتعارف عليها ملتحين.

وهذا الأمر لا يعد مشكلة في البلدان الأخرى، بما في ذلك البلد الذي تعيش فيه.

تسألني عن السر وراء اللحية التي أطلقها، فأجزم أنني لست أنا الذي أطلقتها، فإطلاق اللحية ليس فعلا إراديا، فهي تنبت وتطول رغما عنا، وقصها أو حلقها هو الفعل الإرادي وليس العكس.

ولهذا فأنا من المقتنعين أن اللحية فعل بيولوجي وليس فعلا سياسيا، والتصرف فيها بشكل من الأشكال هو الذي يمكن إدراجه ضمن الأفعال السياسية أو الثقافية أو الظاهرة الإجتماعية، وينطبق ذلك على شعر الرأس، والطريقة التي يتم بها التصرف فيه، مثلما فعل بعض اللاعبين في الفريق الوطني لكرة القدم في كأس العالم أثناء تواجدهم في جنوب إفريقيا. وقد استهجنت وسائل إعلام التسريحات التي ظهروا بها.

لحيتي موجودة منذ أن أنهيت واجب الخدمة الوطنية في مطلع السبعينيات. وهي تميزني عن زملائي، وتشكل جزءا من شخصيتي في الوسط الإعلامي، ولا علاقة لها بهذا التيار أو ذاك..

كيف يشعر الصحافي وكيف يعيش يومياته وهو محروم من الكتابة حيث يشاء أو من تأسيس صحيفته؟

بشير حمادي: إذا كان عاشقا لمهنته مثلي، فإنه يشعر باليتم والظلم والإختناق، خاصة عندما تضغط عليه أحداث، فيمسك بقلمه، أو يفتح حاسوبه ويمنح لنفسه حرية الكتابة والتعبير وإبداء الرأي في تلك الأحداث، لكن مقاله لا يجد طريقه للنشر لأنه يفتقد جريدة.

عندما كانت غزة عرضة للهمجية الإسرائيلية كدت أختنق، فكتبت موضوعا وأرسلته إلى يومية الجزائر نيوز، وهاتفت الأستاذ حميدة العياشي المدير مسؤول النشر لأعلمه بذلك، فرحب بي ونشر مقدمته في الصفحة الأولى وهو ماشجعني على كتابة مجموعة من المقالات في تلك الصحيفة أيام جرائم إسرائيل في غزة.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.