مع مرور عامين على انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر، عادت موجة التظاهرات السلمية الأسبوعية إلى توهجها في الأسبوع الماضي ما يوحي بوجود رغبة كبيرة لدى قطاعات واسعة عند الشعب لاستمرار بمطالب التغيير، وفقا لما يرى مراقبين ومحللين سياسيين.
وكان الحراك في موجته الأولى قد نجح في إجبار الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفلقية على التنحي والاستقالة بعد أن حكم البلاد لنحو عقدين، بالإضافة إلى محاكمة عدد من رموز النظام السابق الذي كان لهم نفوذ كبير على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.
ولكن مع عبد المجيد تبون رئيسا للبلاد قبل أكثر من عام واجراء استفتاء جديد على الدستور، وحل البرلمان تهميدا لانتخابات تشريعية مبكرة، فإن “النظام السياسي القديم” ما زال يمسك بمفاصل الحكم في البلاد، وفقا لنشطاء معارضون، وبالتالي فإن حدوث إصلاحات حقيقية وجذرية تفضي إلى أجواء ديمقراطية شفافة وعدالة اجتماعية تضمن حرية التعبير والانتقاد مسالة لا تزال بعيدة المنال.
وفي هذ الصدد ترى الباحثة والأكاديمية، ناديا حني مولاي في مقال نشرته بموقع “أفريكا ريبورت” أن الحراك يجاهد في الوقت الحالي لإعادة إنتاج نفسه مستشهدة بتصريحات للناشط البارز كريم طابو الذي قضى في السجن سنة جراء نشاطات الحقوقية.
وكان طابو قد أكد خلال مقابلة تلفزيونية الشهر المنصرم مع التلفزيون الفرنسي أن “النظام القمعي في البلاد أدخل البلاد في أزمة””، مشددا إلى على أن “الحركة الشعبية التي تشهدها البلاد لم تصل إلى طريق مسدود” وأن الوضع الحالي ناجم عن وجود حكومة تفتقر للكفاءة، تدفع الجزائريين إلى الإصرار على مطالبهم”.
وتشير مولاي إلى أن الاحتجاجات لم تمت وإن خمدت، لافتة إلى أن تصريحات طابو هي من تقاليد المقاومة الشعبية في البلاد التي بلغت ذورتها بالاستقلال عن الاستعمار الفرنسي في العام 1962، وأن حراك فبراير من العام 2019 جسد “حركة اللاوعي الجمعي” عند شعب اعتاد مقاومة المظالم في العديد من مفاصل تاريخه الحديث تماما عندما بدأ في مقاومة الاستعمار منذ العام 1830 ووصولا إلى الاستقلال وبعد احتجاجات 1989 التي أدت إلى إقرار نوع التعددية السياسية في البلاد، وإلى الصمود في وجه الإرهاب خلال “العشرية السوداء”.
“لا مناص من الاستمرار”
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي الجزائري، علي بوخلاف، أنه وبعد مرور عامين على حركة الاحتجاجات الشعبية لم يتغير شيء في البلاد قائلا إن “النظام السياسي الحاكم قد بدأ يعيد إنتاج نفسه”.
وأضاف: ” وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم لم يغير في الأمور في الأمور شيئا بل أن مستوى الحريات العامة قد تدهور أكثر ودخل العديد من الصحفيين والحقوقيين السجن وتعرضوا للمحاكمة والمساءلة”.
الكاتب الصحفي الجزائري، علي بوخلاف: “وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم لم يغير في الأمور في الأمور شيئا بل أن مستوى الحريات العامة قد تدهور أكثر ودخل العديد من الصحفيين والحقوقيين السجن وتعرضوا للمحاكمة والمساءلة”.
ونوه بوخلاف إلى أن “بعض تشكيلات النظام السابق الموجود في الحكم لا تريد الذهاب إلى أجواء ديمقراطية حقيقية، لأن ذلك سيعني خروجها من المشهد السياسي واختفائها تماما وخسارتها لكل الامتيازات الاقتصادية والمادية التي حصلت عليها عبر عقود من الفساد وسوء الإدارة”.
وعن مستقبل الاحتجاجات الجماهيرية، قال بوخلاف: “رأينا في الجمعة الماضية عودة الزخم إلى الحراك في العاصمة ومدن جزائرية أخرى، واعتقد أنه تلك الحركة التي انطلقت قبل عامين ستستمر طالما أن الشعب الجزائري لم يحقق حتى الآن مطالبه التي خرج من أجلها”.
وأضاف: “لا زلت متفائلا بمستقبل الحراك رغم حدوث تشققات واختلافات وأيدلوجية بين مكوناته، ورغم وجود دعوات متطرفة على وسائل الاجتماعي من قبل نشطاء في الحراك”.
وفيما إذ كان يتفق مع رأي الباحثة ناديا حني- مولاي بأن النظام سيعطي الأولوية حاليا للملفات الخارجية مثل ملف الصحراء الغربية وتطبيع المغرب مع إسرائيل، أجاب: “لا أظن أن هناك صلة بين القضايا الخارجية والأزمة الداخلية، وتزامنها لا يعني إهمال مطالب الشعب وتحقيق مصالحه”.
“الشارع لم يعد حلا”
أما أستاذ العلوم السياسية، زهير بوعمامة، فيرى أن الشارع هو فضاء لتعبير الناس عن آرائهم، ولكنه لم يعد الحل لإحداث تغيير عميق والانتقال إلى مستويات أكبر من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية التعبير والانتقاد.
أستاذ العلوم السياسية، زهير بوعمامة: “هؤلاء الذين يحاولون ركوب موجة الشارع هم ثلاثة أصناف إن صح التعبير، والصنف الأول منهم هم بقايا النظام السابق الذي يسعون إلى حدوث صدامات ومواجهات بين مؤسسات الدولة والشعب على أمل استعادة نفوذهم المفقود ومصالحهم التي خسروها في السابق”.
وأوضح بوعمامة في حديثه إلى موقع الحرة أن ثمة من يحاول ركوب الموجة الجديدة من الاحتجاجات الشعبية بغرض تحقيق مصالح ذاتية وآنية، موضحا: “هؤلاء الذين يحاولون ركوب موجة الشارع هم ثلاثة أصناف إن صح التعبير، والصنف الأول منهم هم بقايا النظام السابق الذي يسعون إلى حدوث صدامات ومواجهات بين مؤسسات الدولة والشعب على أمل استعادة نفوذهم المفقود ومصالحهم التي خسروها في السابق”.
وزاد: “أما الصنف الثاني فهو الفريق الذي يعلم يقينا أن لا حظ له في صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية القادمة لمعرفته بمحدودية شعبيته وجماهيرته بين الناس، وأما الفريق الثالث فهو الذي يريد حدوث صدامات بهدف تفكيك الدولة وليس تغيير النظام مستهدفا على الأخص مؤسستي الرئاسة والجيش”.
ولفت بوعمامة إلى أن الحراك قد استطاع التحقيق من النتائج الهامة برأيه، مثل إسقاط العهدة الخامسة لبوتفليقة، والتعديلات الدستورية، والاتجاه إلى إطلاق انتخابات برلمانية من المأمول أن تفضي إلى حكومة تعبر عن مطالب الشعب بعد التأكد من توفر شروط النزاهة في قانون الانتخابات القادم.
وشدد الأكاديمي الجزائري على الحراك في نسخته الأولى كان أشد تماسكا ووضوحا في أهدافه، متابعا: “باعتبار أن مكونات هذه الحركة تضم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين فقد بدأت تظهر الانشقاقات والاختلاقات بينها مما أفقده الكثير الزخم”.
وأكد بوعلامة أن الشارع لن يفضي إلى حدوث تغييرات عميقة وأن المطلوب منه الانتقال إلى العمل السياسي داخل مؤسسات الدولة، لاسيما البرلمان، عبر اختيار نخب سياسية تعبر عنه وقادرة على تحقيق تغييرات عميقة.
وشدد على آفاق حل الأزمة في الجزائر لن تكون واعدة في حال لم يطور الحراك من أسالبيه، خاتما بالقول إن “الشارع يبقى فضاء للتعبير عن مطالب ومنفذا من منافذ حرية الرأي، ولكن التغيير الحقيقي يجب يحدث ضمن عمليات سياسية داخل مؤسسات الدولة بعيدا عن الفوضى والعنف والوقوع في محاذير أصابت دولا عربية أخرى في المنطقة”.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.