زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

عن مبادرة التنسيق الانتخابي بين حركتي “حمس” و”البناء”

عن مبادرة التنسيق الانتخابي بين حركتي “حمس” و”البناء” ح.م

عبد القادر بن قرينة وعبد العالي حساني رئيسا حركتي "البناء" و"حمس"..

عناوين فرعية

  • بين الاستحقاق الظرفي وضرورة المراجعة البنيوية

مقدمة: تسعى هذه الورقة التحليلية إلى كشف طبيعة واتجاهات الرأي العام، في جزء من الفضاء السياسي الإسلامي، إثر دعوة أطلقها بعض النشطاء على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك، بضرورة التنسيق الانتخابي في انتخابات الثاني من جويلية 2026 التشريعية، بين حركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم، على خلفية إقصاء قائمتيهما الانتخابيتين من سباق الترشح، في كل من ولايتي الجزائر وسطيف على الترتيب.

ومن ثم فالورقة تستهدف تفكيك مواقف عينة من النخبة والقاعدة الشعبية تجاه هذه المبادرة، واستشراف ما إذا كانت الاستجابة لهذه الدعوة تعبيرا عن أزمة إقصاء انتخابي طارئة، أم أن ردود الفعل اتجاهها يمكن أن تشكل حالة استقرار بنيوي تتجاوز أزمة الانشقاق التاريخي بين الحركتين.

إلى أي مدى يمثل مقترح التنسيق الانتخابي بين حركتي مجتمع السلم والبناء الوطني تعبيراً عن تحول استراتيجي في وعي القواعد الحزبية لتجاوز إرث الانشقاق، وما هي محددات نجاح أو فشل هذا التنسيق في ظل التباين في التموضع السياسي للحركتين تجاه السلطة؟”

غني عن البيان أن الحركتين السياسيتين مجتمع السلم والبناء الوطني، تنحدران من مدرسة واحدة هي مدرسة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، التي تعيش حالة من الانقسام السياسي البنيوي منذ 2008، والذي بدا في بدايته أنه مجرد اختلاف سياسي على مستوى القيادة ليتحول بعد ذلك إلى اختلاف في الرؤى والسياسات والتكتيكات..

وما لبث أن أصبح يعبر عن نفسه ضمن هوية تنظيمية متباينة، تحمل رؤى مغايرة حول الممارسة السياسية وتقديرات تكاد تكون متباينة حول معادلة التموضع بين السلطة والمعارضة، وربما وصولا إلى اختلافات يصعب تقدير حجمها-لعدم طرحها وتناولها بالنقاش- حول التقديرات الاستراتيجية لمستقبل العمل الإسلامي في الجزائر.

وفي خضم هذا الاستقطاب السياسي المزمن بين الحركتين، وفي ظلال الانتخابات التشريعية في 2 جويلية 2026 وإثر إقصاء قائمة حركة البناء الوطني في ولاية الجزائر وإقصاء قائمة حركة مجتمع السلم في ولاية سطيف، برزت في فضاء التواصل الاجتماعي دعوات بضرورة التنسيق الانتخابين بين الحركتين في ولايتي سطيف والجزائر العاصمة، في شكل من أشكال التخادم السياسي، بحيث تكون الدعوة إلى تصويت القاعدة الانتخابية لكل حركة على قائمة الأخرى، على أمل أن يشكل ذلك زيادة في منسوب أمل النجاح في هذه الانتخابات.

1. الإشكالية والفرضيات والحدود:

إن بروز مثل هذه المبادرة وفي هذا التوقيت بالذات، يكتسي أهمية بالغة على مستوى التحليل السياسي، ويثير تساؤلات جوهرية، يتعلق جزأ منها بطبيعة هذه الدعوة وجزأ آخر يتعلق بآثارها ودلالاتها السياسية، فهل يمكن أن تكون هذه الدعوة مجرد تكتيك تحت حد الضرورة، فرضته قوانين اللعبة الانتخابية وإكراهاتها للخروج من مأزق الإقصاء الانتخابي؟

@ طالع أيضا: تغيرات وتحولات مرتقبة في المشهد السياسي بعد الانتخابات؟

وبالتالي لا تعدو أن تكون مجرد حدث عابر ستطويه نتائج صناديق الاقتراع؟ أم أنها يمكن أن تمثل طليعة مراجعات وجدانية داخل القاعدة النضالية للحركتين، التي باتت تستشعر وطأة الانقسام السياسي الذي أنهك القوة السياسية التنافسية للمدرسة الإسلامية النحناحية، وقوض رصيدها السياسي التاريخي؟

وهو ما يعكس تحولاً عميقاً في الوعي الجمعي لمناضلي هذا التيار الإسلامي، الذين باتوا ينظرون إلى الانقسام بوصفه عبئاً استراتيجياً يعيق أداءهم السياسي، ويحرمهم من استثمار ثقلهم السياسي الموحد.ومن جانب آخر هل يمكن أن تمثل هذه الدعوة بداية الطريق نحو “ترميم الذاكرة السياسية” المشتركة، أم أن هوة الانقسام بين الحركتين قد تعمقت لدرجة يصعب معها الحديث عن مجرد تنسيق انتخابي عابر في ظل تباينات تكتيكية واستراتيجية حول التموضع السياسي.

في ضوء هذه التساؤلات المختلفة، تحاول هذه الورقة التحليلية التقاط هذه الفرصة السانحة برصد ردود الفعل على هذه الدعوةالفيسبوكية، ومحاولة الإمساك بنبض القاعدة السياسية المتفاعلة معها، لقياس شدة التوتر وتقدير درجة وقوة النبض اتجاهمسألة التنسيق الانتخابي بين الحركتين، ضمن تساؤل إشكالي، يلحظ التناقض بين الرغبة القاعدية في التنسيق والواقع السياسي المتمثل في الانقسام البنيوي، والحسابات القيادية الدقيقة للتموضع السياسي.

فإلى أي مدى يمثل مقترح التنسيق الانتخابي بين حركتي مجتمع السلم والبناء الوطني تعبيراً عن تحول استراتيجي في وعي القواعد الحزبية لتجاوز إرث الانشقاق، وما هي محددات نجاح أو فشل هذا التنسيق في ظل التباين في التموضع السياسي للحركتين تجاه السلطة؟”

لتحليل هذه الإشكالية، تنطلق هذه الورقة من فرضية محورية ترى أن القاعدة النضالية للحركتين تعاني من حالة اغتراب سياسي مزمن، ناتج عن استمرار الانقسام السياسي البنيوي، مما يجعلها أكثر استجابة واندفاعاً نحو ضرورات التنسيق والوحدة مقارنة بالنخب القيادية التي ترتبط مصالحها بالهياكل التنظيمية القائمة وباستراتيجيات التموضع في لعبة سياسية لا تحكمها قواعد مستقرة.

تستند هذه الورقة التحليلية لعينة قصدية، قوامها الاستجابات المعتبرة لمختلف ردود الفعل على دعوة صريحة للتنسيق الانتخابي بين حركتي مجتمع السلم والبناء الوطني، في كل من ولايتي سطيف والجزائر العاصمة، وبالتالي فهي لا تدعي بأي حال من الأحوال، أنها تعبير عن استطلاع علمي للرأي العام داخل الحركتين حول هذه المسألة الجوهرية، بقدر ما تسعى لرصد مؤشرات متوفرة لاتجاهات النقاش حول هذه المسألة داخل هذه العينة.

ترصد هذه الورقة عينة قصدية بحجم 200 تعليق ورد فعل، التقطت لحظة بداية كتابة هذه الورقة، موزعة على 140 تعليق ورد فعل معتبر على الدعوة التي أطلقها الأستاذ سالم حسين في صفحته على الفيسبوك، و60 تعليق ورد فعل معتبر على ذات الدعوة التي أطلقها الأستاذ محمد غيت في صفحته على الفيسبوك.

ومع الحدود التي تعترض هذه العينة وقدرتها على تقديم قراءة موضوعية، في كونها لا تمثل كل المناضلين، أوأنها خاضعة لتأثير خوارزمية الفيسبوك بالضرورة، إذ قد تعكس التوجهات العامة للاستجابة ميلا قد يكون معتبرا لهذه الحركة أو تلك أو لهذه الفكرة أو تلك، ممثلة في جمهور صاحب المنشور والدعوة وطبيعته وتوجهاته، مما يجعلها عينة غير ممثلة بشكل علمي، فإن هذه الورقة التحليلية لا تعدو أن تكون محاولة لرصد الاتجاهات الغالبة على هذه الدعوة ضمن هذه العينة وضمن الحدود المختلفة التي تفرضها، على أمل أن تكون هناك قراءات أخرى، قد لا تقف في وجهها مثل هذه المحددات.

ومع هذا الإقرار الصريح، فإن هذه القراءة التحليلية لها أهميتها ودلاتها في كونها تسعى لتقديم قراءة علمية، ضمن حدود ما توفر من معطيات، ولذلك وصفت بأنها التقاط لفرصة سانحة، يمكنها أن تكون بداية لمحاولة تفكيك اتجاهات الرأي العام، بدلا من الحالة الضبايبة التي تعيشها قواعد الحركتين اتجاه هذه المسألة المغيبة، بما يسمح لنا، بتصنيف وتحليل اتجاهات القاعدة النضالية (المؤيدة، المشروطة، الرافضة، المحايدة والمتشائمة)..

هل يمكن أن تكون هذه الدعوة مجرد تكتيك تحت حد الضرورة، فرضته قوانين اللعبة الانتخابية وإكراهاتها للخروج من مأزق الإقصاء الانتخابي؟ وبالتالي لا تعدو أن تكون مجرد حدث عابر ستطويه نتائج صناديق الاقتراع؟ أم أنها يمكن أن تمثل طليعة مراجعات وجدانية داخل القاعدة النضالية للحركتين…

وبالتالي فهم الدوافع الكامنة أو المعلنة خلف كل اتجاه. وقد تسمح لنا هذه القراءة بتحديد عمق الأزمة والانشقاق، وبيانما إذا كان ذلكيعبر في نظر القواعد عن خلاف فكري جوهري امتدت آثاره وترسخت داخل القواعد، أم خلاف تكتيكي فوقيعجزت القيادات القائمة عن احتوائه وتجاوزه. كما من شأن هذه القراءة أن تكشف عن محددات الثقة بين الحركتين، وفهم طبيعة الشكوك المرتبطة بهذا الجانب، مع محاولة استشراف المسارات الممكنة، وهل هي مستقرة أو طارئة.

2. المشهد العام: النتائج الكيفية والكمية لتحليل العينة

بناءا على العينة المدروسة، وبناءًا على التحليل الكمي والنوعي، فقد تم تصنيف التعليقات وردود الفعل المختلفة، وفقا للجدول التالي:

جدول رقم (01): يمثل تصنيف الاتجاهات الكيفية لدى أفراد العينة
الفئة (الترميز) معناها / مؤشراتها الدلالية

مؤيد صريح يساند التنسيق مباشرة، ويعتبره فكرة جيدة، أو واجباً شرعيا، أو خطوة ذكية.
مؤيد مشروط/متحفظ يوافق على المبدأ لكن يشترط: توفر النية الحسنة، قبول القواعد، صدور قرار قيادي، وضوح البرنامج، أو تجاوز الحسابات الظرفية.

معارض/رافض يرفض التنسيق أو يشكك فيه بسبب: الخلافات العميقة، فقدان الثقة، اختلاف الخط السياسي، أو رفض منطق “تبادل الأصوات”.

محايد/ساخر/غير محدد يتضمن: الدعاء (بالتوفيق أو غيره)، السخرية العامة، تعليقات خارج سياق التنسيق، أو مواقف غامضة غير قابلة للحسم.

@ طالع للكاتب: حركة “حمس”.. جدل الممارسة السياسية والانتقال القيادي؟

تعكس مختلف التوجهات الكيفية المعبر عنها في الجدول السابق لدى أفراد العينة، دلالة كمية مهمة، يمكن التعبير عنها في الجدول التالي:

جدول رقم (02): يمثل التعبير الكمي للاتجاهات الكلية في العينة
الاتجاه العدد النسبة المئوية (%)
مؤيد صريح 77 38.5%
مؤيد مشروط/متحفظ 42 21.0%
معارض/رافض 64 32.0%
محايد/غير محدد 17 8.5%
المجموع 200 100%

3. القراءة التحليلية للاتجاهات العامة والموقف من التنسيق الانتخابي:

تمدنا المعطيات الكمية والكيفية السابقة، والمعبر عنها في الجدولين السابقين، بكثير من النتائج الأولية، ومن أهمها ما يلي:

– يكشف التحليل على غلبة اتجاه التنسيق الانتخابي، وهو الاتجاه المؤيد صراحة بنسبة 38.5% من حجم العينة، وهو الاتجاه الذي يعبر عن دلالة وجدانية وسياسية إيجابية بشكل مطلق، والذي قد يتجاوز في تصريحاته وردود فعله مسألة التنسيق الانتخابي، إلى طرح مسألة استعادة الوحدة التاريخية بين الحركتين، ومن مؤشراته الدلالية أنه يساند التنسيق بشكل مباشر، ويعتبر فكرة جيدة وخطوة ذكية وواجبا وطنيا وشرعيا..

وإذا أضفنا إلى ذلك، التأييد المشروط، الذي يميل في جوهره لعدم المعارضة، والمعبر عنه بنسبة 21.0% من حجم العينة، والذي يعبر عن دلالة وجدانية إيجابية مع إبداء تحفظات وتشترط عنصر الثقة في العملية، ومن مؤشراته الدلالية أنه يوافق على التنسيق لكن بشرط توفر النية الحسنة، وقبول القواعد، وصدور قرار قيادي بذلك، ووضوح البرنامج، وتجاوز الحسابات الظرفية، فإننا نكون أما اتجاه غالب مؤيد بنسبة 59.5% من حجم العينة.

– كما يكشف التحليل على نسبة رفض صريحة معتبرة بنسبة تقدر 32.0% من حجم العينة، وهو اتجاه يحمل دلالة سياسية ووجدانية سلبية بشكل مطلق ويمثل قطيعة مع التوجه نحو هذه التجربة، ومن مؤشراته الدلالية أنه يرفض التنسيق أو يشكك فيه بسبب، الخلافات العميقة وفقدان الثقة بين الجانبين، واختلاف الخط السياسي للحركتين، أو رفض منطق تبادل الأصوات.

إما المبادرة بإعادة هندسة المشروع السياسي للحركتين ضمن مبادئه ومنطلقاته، ومرجعيته الأساسية، ووفق المعطيات الواقعية ومتطلباتها، أو ترقب بروز جيل جديد من القواعد النضالية يرى أن الكيانات القائمة صارت لا تعبر عن جوهر المشروع السياسي والمدرسة الإصلاحية التي تبلور في إطارها.

وإذا أضفنا إلى هذا الاتجاه نسبة الاتجاه المحايد والمشكك والمتشائم على اعتبار أنه لا يبدي في الأصل ميولا إيجابية نحو مسألة التنسيق أو غيرها والذي يمثل نسبة 8.5% من حجم العينة والذي يعبر عن دلالة وجدانية وسياسية سلبية نظريا ومتشائمة ومشككة عمليا، والذي من مؤشراته الدلالية، السخرية العامة خارج سياق التنسيق وإبداء مواقف غامضة وبدون أية ملامح. فإننا نكون أمام اتجاه معتبر بنسبة تقدر 40.5%من حجم العينة.

4. القراءة التحليلية لمضمون الاتجاهات:

للتعمق في التحليل وإعطاء قراءة متوازنة لحجم التوجهات المختلفة، فإنه من الأهمية بمكان الكشف عن مضمون هذه الاتجاهات وما تحمله من دلالات معينة، حيث يمكن التعبير عن ذلك في الجدول التالي:

جدول رقم (03): يمثل مضمون الاتجاهات المعبر عنها

الدلالة الأساسية في التعليقات (مضمون التعليق) العدد النسبة % الاتجاه المرتبط بها
وحدة المدرسة/المشروع/إرث الشيخ نحناح 43 21.5% مؤيد

حساب انتخابي، تعويض الإقصاء، تبادل المنفعة 34 17.0% مؤيد براجماتي
قبول مشروط (النية، القيادة، القواعد، البرنامج) 42 21.0% مؤيد بتحفظ
رفض (اختلاف الخط السياسي، فقدان الثقة، آثار الانشقاق) 39 19.5% معارض
رفض منطق “منح الأصوات” (اتهام بتجارة انتخابية) 25 12.5% معارض
محايد / غير واضح 17 8.5% غير محدد
المجموع 200 100% —

الملاحظة العامة لمضمون التعليقات المصنفة كميا في الجدول، تؤكد أن هذا الجدول يبرز توازنا نسبيا في الخطاب، والآراء المعتبرة المعبرة عنها من حجم العينة، حيث أن فكرة التنسيق الانتخابي تستمد شرعيتها وفقا لهذا المضمون من المرجعية التاريخية والوحدوية لحركتي مجتمع السلم والبناء الوطني، أي من الرصيد السياسي التاريخي للحركة الأم، حركة مجتمع السلم ما قبل الانشقاق، وذلك بنسبة معتبر تقدر بـ: (21.5%).

@ مقال سابق للكاتب:
التيارات السياسية في الجزائر وسؤال الفشل؟

ومن جانب آخر فإن فكرة التنسيق وفق مضمون التعليقات وردود الفعل في العينة المرصودة تواجه تحديات بنيوية مهمة تتعلق أساسا بأزمة الثقة وآثار الانشقاقات السابقة، بنسبة مهمة تقدر بـ: (19.5%)، هذا إضافة إلى الشكوك والتحفظات المتعلقة بأخلاقية العملية الانتخابية والمعبر عنها برفض منح الأصوات والاتهام بالتجارة الانتخابية، والمقدرة بـ:(12.5%).ليبقى منطق التشكيك غير الواضح والمحايد حالة هامشية لم تتجاوز نسبة مقدرة بـ (12.5%).

5. الدلالات العامة للاتجاهات المعبر عنها في العينة:

لا شك أن هذه التقدير الكمي للخطاب المعبر عنه في العينة يحمل دلالة عميقة،ومن أهمها:

– أن الاتجاه المشكك يبقى اتجاها هامشيا مقارنة بحجم اتجاه التأييد، وإذا ما تم تقدير أن التوجسات المعبر عنها في أزمة الثقة وتجاوز آثار الانشقاقات السابقة، ضمن المنطق السياسي البراغماتي، فإن مضمون التوجه المؤيد يحتل مكانة مهمة في مضمون التوجهات المعبرة عنها في العينة.

– على الرغم من أن حجم نسبة الرافضون والمتشائمون والناقمون تمثل 40.5% من حجم العينة، فإن مبدأ التنسيق يظل راسخا لدى أفراد العينة، فالمعضلة ليست في المبدأ، بل في قيادات الحركتين، التي يقع عليها تحمل مسؤولية الانخراط في سياسات براغماتية على حساب القيم والمبادئ الجامعة.

– من الصعب تقدير مدى أن تكون الآراء المعبر عنها تعبيرا عن تحول راسخ، غير أن التحليل يشير إلى أن الاتجاهات المتباينة في العينة، هي تعبير عن استقرار في الجوهر، فلايزال الانشقاق والانقسام ومخلفاته يشكل الإطار المرجعي للنقد والمنطلق في تقدير مختلف المواقف والاتجاهات كما بينته العينة المدروسة، وأن التموضع المتباين لدى الحركتين من السلطة، يعتبر حاجزا بنيويا يحول أي تنسيق مفترض إلى تكتيك انتخابي هش.

– أما الطابع الظرفي فهو مرتبط بحدث انتخابي خاص، إقصاء حمس في سطيف وإقصاء البناء في العاصمة، فالتنسيق المطروح يبدو عند كثيرين حلا ظرفيا لتقليل الخسائر الانتخابية،غير أن النقاش المكظوم الذي تفجر عبر هذه الدعوة، يحمل دلالة أعمق كونه لا يملك في حد ذاته القدرة على إعادة هندسة العلاقة بين الحركتين، في حدودها الدنيا المتعلقة بمجرد تنسيق سياسي، اقتضته ظرفية سياسية عابرة، فكيف يمكن أن يكون الحال إزاء دعوة صريحة لاستعادة الوحدة التنظيمية الموءودة؟

غير أن العينة في المقابل، تكشف عن وجود خطاب أعمق يستدعي المدرسة الواحدة والمشروع السياسي الإصلاحي وإرث الشيخ نحناح رحمه الله، وهذا يكشف عن وجود قاعدة رمزية مهمة، على مستوى الحركتين، يمكن أن تتحول إلى اتجاه مستقر إذا ما تبلورت أمامه دعوة صريحة وقيادة جادة ومبادرة غير ظرفية، لتحويل الرغبة الكامنة إلى اتفاق مؤسسي راسخ.

6. خاتمة: نحو استراتيجية واعية للمراجعة

بشكل عام يمكن القول إن مطلب التنسيق الانتخابي، والذي جاء في شكل دعوة للتخادم الانتخابي بين الحركتين، وعلى الرغم من ظرفيته السياسية، فإن دراسة العينة بينت، أنه يعبر عن رغبة وحدوية كامنة لدى جزء من المتفاعلين، ضمن حسابات ظرفية، فرضتها حادثة إقصاء القائمتين، لكنه يواجه بأزمة ثقة بين قواعد الحركتين، ويحول دونه تباين تصور الموقع السياسي والموقف من السلطة، على الرغم من رسوخه ضمن معطيات قوية لا تزال تغذي حلم استعادة الوحدة.

وتأسيساً على الدراسة المعمقة للبيانات المستقاة من العينة المدروسة، فإن التحليل يقدم إجابات مهمة مختلفة ظهرت في ثنايا العرض السابق، ولعل أهمها ما تعلق بالإشكاليةالمطروحة، فقد تبين أن “التنسيق الانتخابي”ليس مجرد صفقة تكتيكية ممكنة بين كيانين، استدعتها حد الضرورة الطارئة، بقدر ما هو مرآة عاكسة لأزمة هوية سياسية قائمة بين الحركتين، اللتان لم تتمكنا من تجاوز إرث الانشقاق على مستوى القواعد النضالية، حيث تظل القواعد النضالية تحتفظ بمنسوب وعي مهم، ليس فقط اتجاه مسألة التنسيق الانتخابي الظرفي، بل نحو استعادة وحدة الحركتين، غير أن الطبيعة الظرفية لهذه الدعوة لا تجعل ذلك تعبيرا عن تحول استراتيجي بشأن هذه المسألة الجوهرية.

تؤكد هذه الورقة أن هذه الدعوة، قد لا يكون لها صدى عميق وحاسمة على مستوى النتائج الانتخابية، وقد تبقى مجرد نقاش افتراضي، لا يترجم إلى أصوات انتخابية، لكن تداعيتها تشكل جرس إنذار مهم للقيادات على مستوى الحركتين، بضرورة الاستجابة لتطلعات القاعدة..

وفي ضوء هذه الإجابة الصريحةتؤكد الدراسة صحة الفرضية التي استند إليها التحليل، فقد كشفت النتائج عن وجود فجوة عميقة بين المزاج العام على مستوى القواعد النضالية، وبين الجمود القيادي الظاهر اتجاه مسألة الوحدة، مما يبرر حالة الاغتراب السياسي التي تعيشها القواعد النضالية، والتي قد تتسع دائرتها مع منطق الهروب إلى الأمام من القيادة وتجاوز رغبة القواعد في التنسيق والوحدة، والغرق في لعبة التموضع السياسي.

وبناءا على ما تقدم يمكن الخروج بجملة من النتائج المهمة، ومن أهمها:

1. تثبت دراسة العينة أن شرعية الانقسام التنظيمي، تتآكل أمام الوجدان الجمعي للقاعدة التواقة لمسألة التنسيق والوحدة، وأن هذا الانقسام يمكن النظر إليه كعبء استراتيجي يمنع التيار الإسلامي من مدرسة الشيخ محفوظ نحناح، من تحقيق نتائج سياسية مهمة.

2. تفتح نتائج الدراسة المجال على ضرورة احداث مراجعات جادة، وأن الدعوة إلى التنسيق الانتخابي على أهميتها، تبقى مجرد دعوة هامشيةمتعلقة بالأوزان الانتخابية، والتيمن الصعب تقدير قدرتها على الحسم الانتخابي لهذه الحركة أو تلك، لكن المراجعات الواجبة على سبيل استعادة وحدة الحركتين، من شأنها أن تعزز القيمة التنافسية للمشروع، وتفتح المجال على خيارات أوسع وأرحب.

3. تعد أزمة الثقة التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يحول دون إمكانية قيام أيتنسيق، وأن النجاح في التنسيق على أي مستوى انتخابي أو غيره، يعتبر محطة مهمة على سبيل استعادة الوحدة بين الحركتين.

4. أهمية المبادرة والدعوة في حد ذاتها، يمكن أن تفتح المجال للعمل على استعادة وحدة الحركة، أساسها القواعد النضالية وليس بالضرورة النخبة القيادية في الحركتين، خاصة إذا ما تجاوزت مثل هذه المبادرة الطابع الظرفي الطارئ، واستندت إلى تأطير نخبوي واعي، وحظيت بدعم معنوي ومادي مناسب.

وختاما تؤكد هذه الورقة أن هذه الدعوة، قد لا يكون لها صدى عميق وحاسمة على مستوى النتائج الانتخابية، وقد تبقى مجرد نقاش افتراضي، لا يترجم إلى أصوات انتخابية، لكن تداعيتها تشكل جرس إنذار مهم للقيادات على مستوى الحركتين، بضرورة الاستجابة لتطلعات القاعدة..

فإما المبادرة بإعادة هندسة المشروع السياسي للحركتين ضمن مبادئه ومنطلقاته، ومرجعيته الأساسية، ووفق المعطيات الواقعية ومتطلباتها، أو ترقب بروز جيل جديد من القواعد النضالية يرى أن الكيانات القائمة صارت لا تعبر عن جوهر المشروع السياسي والمدرسة الإصلاحية التي تبلور في إطارها.

✍️ بقلم: أ‌. سالمي العيفة
كلية العلوم السياسية جامعة الجزائر 3.

zoom

@ طالع للكاتب:

“الانتخابات التشريعية في الجزائر:
بين منطق ‘الضبط المؤسساتي’ ومأزق التجديد السياسي”

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

1 تعليق

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 11638

    مداح الحبيب

    دكتور سالمي لم يعد موضوع الورقة جذابا و لا آنيا. مجرد خاطرة أو أمنية لدى أحد أو بعض العاطفيين من الصفين، يبدو أن الموضوع تجاوزه النقاش العميق الجاد المجدي إلى حالة من الجمود الحزبي تراجع معه الأداء الميداني و النوعي إلى سباق متفاوت نحو التبعية و الجمود الذي هو طابع مميز للنظام السياسي الجزائري. نتجاوز سؤال الإندماج و عواطف و النوايا الطيبة لنقول مثلا الإلتقاء و الإندماج ثم ماذا؟ هل يلتقي الفصيلان على نتائج و تجربة الطرف الأول أم الثاني؟ أيهما أكثر نجاحا و أداء خلال المدة الماضية منذ نقطة 2008؟ أم يكون الإلتقاء على طريق ثالث جديد؟ هل مطلوب تجاوز الطبقة القيادية الحالية و كيف يكون ذلك مادام أنها لم تنجح و لم تطرح الإلتقاء حسب الورقة الحالية؟ كيف تقيم ما تسميه القواعد المتطلعة بحسن نية و طيبة قلب تعامل القيادات الحزبية مع نتائج عبث المادة 200؟ …

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.