أعترف أنني فقدت صبري أمام إصراره على عدم الرد على "طوفان" الرسائل الالكترونية التي كنت مواظبة على كتابتها كلما شعرت أنه لن يجيب على آخر رسالة وصلته، هذه الرسائل التي كنت أفتحها على أنهار من الأشواق الثكلى الممتدة في دهاليز الروح، ورغبة متحفزة لاقتطاع تأشيرة الحوار، لم يكن يصلني منها إلا ما يزيد قلقي واشتياقي.
أدركت حينها سبب امتناع “مطر” عن التحدث لوسائل الإعلام التي برر تجاهلها بقوله:إنني لم أتجاهل وسائل الإعلام، بل تجاهلت وسائل الإعدام تلك التي تكتب بالممحاة، وتقدم للناس فراغا خاليا محشوا بكمية هائلة من الخواء..
فأدركت حينها أن أحمد مطر، هذا الشاعر الثائر الذي كنس العروش الفاسدة، وأشعل فيها الحرائق بجرة قلم، لابد له من رسائل ثائرة تستفز مشاعره وتحمله على كتابة الرد حتى ولو أعاد الرسالة فارغة، فتلك حتما إشارة على أنه موجود في الضفة الأخرى من البريد الالكتروني، بعد أن كدت أقتنع أنه مجرد شبح يبثنا لافتاته من مكان مجهول.
فكانت أول رسالة بعد أن أعلنت “الطلاق” مع لهجة الاستجداء والاستعطاف تحمل عنوان: “وراك ولو في المريخ”، فرد بلغة شعرية مبصومة ببصمة قلمه المشاكس، قائلا:
“دعيني.. فلست مطر.. ولم يغادر الأرض حتى تلحقي به للمريخ.. وإذا تركت المزاح وهو أشبه بالجد.. فللغموض والإبهام جمال لا يدركه سوى كثير الظهور”. مضيفا: دعيه… فالمطر أجمل في جوف الغيمة…”
وأدركت حينها سبب امتناع “مطر” عن التحدث لوسائل الإعلام التي برر تجاهلها بقوله:
إنني لم أتجاهل وسائل الإعلام، بل تجاهلت وسائل الإعدام
تلك التي تكتب بالممحاة، وتقدم للناس فراغا خاليا محشوا بكمية هائلة من الخواء.
وحفزتني هذه الرسالة، على ما فيها من لغة الصد، على استكمال مشوار “الاستنطاق”، فكنت أكتب خمس رسائل مضغوطة ومشحونة بعبارات تستنهض كتل الجليد القابعة داخله، لأتلقى رسالة واحدة جدباء، قاحلة، ليس فيها نبض حياة، ولكنها بالنسبة لمن يؤمن أن بابا يطرق ثلاث مرات لابد سيفتح، كانت هي الحياة كلها، ومضيت أكتب له في كل رسائلي ما يحمل معنى “وراك والزمن طويل” وظل يرد عليّ بلغة شعرية تحمل الصد والتمنّع، واصفا إياي في إحدى رسائله بأنني “كائن الكتروني” لكثرة ما أغرقته برسائلي الالكترونية التي كنت أتعمد استفزازه فيها ليستسلم وينهي مقاطعته للصحافة، ولكنني لم أنجح، حيث قال في رسالته ما قبل الأخيرة، “الصناعة المطرية” مضروبة كما يقول إخواننا في سوريا أي مغشوشة، لكنه في الرسالة الأخيرة قال لي: “هل طبعة موقعة تفي بالغرض؟ فقط اختاري الديوان”.. مضيفا: “لم أكن قبل هذا متشائما… عبثا استنفذت طاقات تفاؤلي وعدت بما عاد به طيب الذكر حنين.. أهو من السماء إسمك، أم من السّم؟!”.
في الرسالة الأخيرة قال لي: “هل طبعة موقعة تفي بالغرض؟ فقط اختاري الديوان”.. مضيفا: “لم أكن قبل هذا متشائما… عبثا استنفذت طاقات تفاؤلي وعدت بما عاد به طيب الذكر حنين.. أهو من السماء إسمك، أم من السّم؟!”.
وبقدر ما أسعدتني هذه الرسالة التي رأيت فيها “عوضا” على صبري الطويل، لكنني اعتبرت عرضه المتعلق بالديوان الموقع “رشوة” حتى أكف عن مطاردته، فكتبت له: سأحتفظ بالتوقيع وأعيد لك الديوان بعد أن أقرأه لأنني لا أقبل “الرشاوى”.
ومازلت في مطاردة هذا الشاعر الذي امتشق قلمه كالسيف وركبه “بارجة حربية”، “طائرة مقاتلة”، “صاروخا”عابرا “لمخادع” السلاطين الملاعين الذين استعاذ منهم الشيطان في شعره.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.