زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

عصافير عياش يحياوي

فيسبوك القراءة من المصدر
عصافير عياش يحياوي ح.م

عياش يحياوي رحمه الله

ما أقسى أن تغادر العصافير الجميلة أوكارها، فلا زقزقة تبقى لرجع صداها، ولا ألوان تطير مع قوس قزح.

بوفاة الكاتب والشاعر الكبير عياش يحياوي، تكون العصافير التي هاجرت قبل حوالي ربع قرن من الجزائر، نحو آفاق مختلفة، قد قررت ألا تعود أبدا، أذكر وقتها كيف جاء عياش الى العاصمة من وهران، ليكون رئيس تحرير الشروق العربي، وكيف كنا نجلس في ليالي موريتي الحالمة، نرتشف فناجين الإبداع وحضارة المعنى.. كان عياش فنانا في شكله وكلامه وشربه لفناجين القهوة والشاي، وفنانا في لعبة الشطرنج والدومينو، لكنه كان فنانا أكثر في اصطياد معاني الحب من عيون الجميلات، وهي تتراقص من حولنا جيئة وإيابا.

في أول اجتماع حضره مع هيئة تحرير الشروق العربي، مع الراحل علي فضيل، تحدث علي فضيل عن “خبزة نقتسمها معا”، وعن حلم جميل يساورنا لاعتلاء عرش القمة في الصحافة العربية، ولأن الحديث كان مفعما بالحلم الكبير، نطق عياش في لحظة صدق ليعيدنا الى الأرض، مشيرا إلى حذاء ممزق يلبسه أحدنا.. وهو يتمتم عندما نتمكن من ترميم ذاك الحذاء الممزق يمكننا حينها أن نتحدث عن الأمور الكبيرة..

من لا يعرف عياش، ومن لم يعش معه على الأقل يوما وليلة، فلا يمكنه أن يتخيل عظمة الشاعر الذي بداخله، كان معتدا بنفسه كثيرا لأنه أدرك حجم الجهالات التي تخنق تطور الوطن، في أول اجتماع حضره مع هيئة تحرير الشروق العربي، مع الراحل علي فضيل، تحدث علي فضيل عن “خبزة نقتسمها معا”، وعن حلم جميل يساورنا لاعتلاء عرش القمة في الصحافة العربية، ولأن الحديث كان مفعما بالحلم الكبير، نطق عياش في لحظة صدق ليعيدنا الى الأرض، مشيرا إلى حذاء ممزق يلبسه أحدنا.. وهو يتمتم عندما نتمكن من ترميم ذاك الحذاء الممزق يمكننا حينها أن نتحدث عن الأمور الكبيرة.

طبعا، كان وقع كلمات عياش عميقا في أعماق الجميع، فقد كنت أنا، على الأقل، أراه درويشا لا ينطق عن الهوى، بحسب كمية الصدق الرهيبة التي يمتلئ بها، في كل كلمة أو ابتسامة.

وإذ أذكر، فلا أذكر أكثر من عصافيره التي جاء بها من بيته بوهران، ليضعها على شرفة مكتبه الجديد بدار الصحافة بالقبة، لقد كان الرجل لا يستجلب الإلهام إلا بسماع صوت العندليب.. طريقته في تدليل تلك العصافير كانت مثار استغراب من الجميع، لكن لم يكن يحتاج المرء لكثير ذكاء ليدرك أنه أمام شاعر من طينة أخرى، مرهف الإحساس إلى درجة الزقزقة .

لكن الرجل/ العصفور، بعد صراع مرير داخل القفص قرر أن يغادر الوكر فجأة، لم نعلم ما الذي حدث في ليلتها السابقة، حين أفاق عياش على قرار الرحيل والهجرة خارج الوطن، فقد جاء إلى مكتبه صبحا، حمل أغراضه وأغلق الباب بالمفتاح وترك العصافير التي يعشقها ورحل.

لم يودع أحدا، ولم يسلّم على أحد، كان هكذا قرارا فاجأ حتى العصافير الجميلة التي ظل يطعمها بيديه ويحدثها أحاديث السفر الممتع، فاجأ المدير والبواب، وفاجأ الزقزقات على شرفة المكتب.

وتطلب الأمر حينها، أن يتم كسر قفل باب المكتب، لإنقاذ العصافير، التي وجدناها تبكي رحيلا عظيما.

لقد رحل عياش.. ولا ندري أين ذهب.. ترى ما الذي ألم به، هذا الشاعر المجنون ؟ وكيف أمكنه ترك عصافيره الصغيرة في قفص داخل قفص؟ تالله إن عياش هذا لمن الغاوين .

من لا يعرف عياش، ومن لم يعش معه على الأقل يوما وليلة، فلا يمكنه أن يتخيل عظمة الشاعر الذي بداخله، كان معتدا بنفسه كثيرا لأنه أدرك حجم الجهالات التي تخنق تطور الوطن..

أترى تلك الطريقة في الوداع هي التي تتكرر اليوم، اليوم بعد ربع قرن منذ هاجر عياش عصافيره، يقرر أن يهجر الدنيا بما فيها؟ ومرة أخرى دون وداع ولا قبلة أو عناق.
رحمك الله يا عياش يا أبا العصافير اليتمية، كم تركت بعدك من عنادل وسنونوات، كم تركت من جميلات قتلتهن بسحرك وشعرك، كم تركت من قصائد شواهد، ومن أصدقاء وخلان..

كلهم بعدك يا عياش أيتام، كلهم عصافير بلا أجنحة تطير ولا تطير..

ألا ما أقسى وداعك ككل مرة يا “لقبش الزين”.. وهل ستغني العصافير بعدك، أغنية الحنين؟

تالله إنك يا عياش قد أفجعتنا بغياب أول، وبغياب أخير طويل، لكن حسبنا أن نراك عند الله يا عياش من المكرمين.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.