يفترض أن نظام القذافي سقط ، ويفترض أن زمن الاستبدادية والدكتاتورية قد مضى، ويفترض أن الكتاب الأخضر قد أصبح مجرد ذكرى وعبرة لكل كتاب اخضر، لكن ماذا بعد هذا الافتراض ؟
ماذا بعد ؟.
على وقع الأحداث الليبية في الساعات الأخيرة ، وما يخيم على ديارها لا يمكن إلا أن نضعه ضمن المشهد التاريخي في سجل ليبيا التي أراد شعبها أن ينفض الغبار عن نفسه بعد أكثر من أربعين عاما ، ليفجر لحظة هامة في المسار السياسي للجماهيرية الليبية .
العالم الذي يتابع بإهتمام متزايد للشأن الليبي وتطوراته من شتى المصادر الإعلامية و بإختلاف أطيافها ، اشتركت رؤاهم لما يحدث على الصعيد الليبي ، رؤى خلقت بدورها اتجاهات متضاربة وأخرى غامضة حول مصير القذافي وعائلته وحاشيته ومستقبل ليبيا .
انهيار نظام القذافي تبعتها فرحة شعبية عارمة ، فرحة كانت بإزدواجية الروح ، ففي حين خرج الغالبية فرحا واحتفاءا بإنتصار الثورة وبسقوط النظام الطاغي كما سموه ، راح البعض إلى الخوف و القلق من ان شبح الاستبدادية مازال قائما وأن القذافي لم يسقط و إنما اختفاءه لا يعدو ان يكون مجرد سيناريو من سيناريوهاته الغريبة و الخارجة عن المألوف التي لا طالما عرفه بها الليبيون وحتى العالم كله .
إذن هكذا هي فرحة الشعب الليبي بالحدث ، فرحة عارمة مجنونة ، وفرحة عاقلة حذرة تتربص لما هو قادم .
نعم لما هو قادم ، وهنا مربط الفرس والحديث كله وكل الحديث عن ماهو قادم .
اذن سقط النظام .. ماذا بعد ؟
الثورة الليبية التي انطلقت بثنائية المسعى لاغنا عنهما ،أولها إسقاط النظام، وثانيها ليبيا جديدة تحقق معاني الدولة الحقة ونظام بكامل الشرعية يكفل ارساء السياسة السليمة لليبيا عظمى. فإذا كان المسعى الأول للثورة تحقق فعليا بإنهيار عرش القذافي الذي خلّد لأكثر من أربعة عقود من الزمن، فماذا عن المسعى الثاني، هل نحن اليوم على مشارف ليبيا التي ينشدها الشعب الليبي وعلى اجلها أقام الدنيا ولم يقعدها، هل الظروف الآنية و الأوضاع الراهنة تجعلنا نقف عند حدود التفاؤل بغد مشرق يحل على ليبيا. أم انه تفكير البعض الذي راح ينعى الزمن الليبي الجميل وأيامها الملاح، ويرى ان ليبيا على بعد خطوات من سيناريو مشابه لما حدث قبل ثمانية سنوات للعراق، سيناريو لازال الشعب العراقي يدفع ضريبته غاليا لحد الساعة، الخوف أيضا من فتنة داخلية تضع ليبيا أمام حرب أهلية وصراع طائفي وانقسام قد يحصل على مستوى البنية المجتمعية الليبية، كل هذه الحسابات يسجلها دفتر الأحداث الراهنة والمتواترة بشدة في ليبيا بعد سقوط القذافي.
الحسابات الاخرى نجدها في الطرف الاخر، عند ما يسمى بالناتو الذي يعد العدة بل أعدها ويستعد لإرساء قواعده من اجل أهدافه السامية التي جاء من اجلها على حد تعبيره، فإذا كان دخوله للأراضي الليبية تحت ذريعة تخليص ليبيا من شر القذافي، فماذا يفعل الآن والقذافي قد انتهى.
اذن المشاهد الجديدة في المسلسل الليبي لن يصنعها القذافي أو أتباعه بعد الآن، لأنه دور حلف الشمال الأطلسي ليأخذ مكانه في اللعبة التي خلق من اجلها. الناتو الذي لن يغادر الأراضي الليبية حتى يحقق مكاسب إستراتيجية وسياسية واقتصادية، ومن هذه اللحظة سنكون أمام خطط جديدة وذرائع رهيبة سيحكيها مجلس الأمن لإعطاء الشرعية للناتو كي يعمر طويلا في ليبيا ويأكل منها الأخضر واليابس.
إذن رهان الثورة لم يتحقق بالكامل بعد في ظل هذه المعطيات، لأن الثورة الليبية صحيح أسقطت رأس الأفعى، لكنها الآن أمام أفعى جديدة وبسم أشد فتكا، فعلى الثورة الليبية أن تتجاوز كل ذلك إلى بناء عهد جديد وربيع مشرق يحل على ربوع البلاد من أقصاها إلى أقصاها حتى لا يكون القادم أدهى وأمر.
صحفي جزائري
Zakoo-87@hotmail.com
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.