زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

سعدي .. بومدين: أكاذيب وتخاريف آخر سنوات العمر

سعدي .. بومدين: أكاذيب وتخاريف آخر سنوات العمر ح.م

هواري بومدين ويعيد سعدي

منذ خمس سنوات تقريبا، ولكي أكون دقيقا أكثر، أقول في العاشر من شهر ماي 2015، تفضلت أسرة تحرير هذه الجريدة (الخبر)، مشكورة، بنشر مقال لي تحت عنوان "عميروش الموتة الثالثة.. سعيد سعدي من البؤس السياسي إلى العبث بالتاريخ".

وقد كتبت المقال بعد أن شاهدته وسمعته في حصة “كْرِتيكا” على قناة “الكابي س”، حيث استضافه الأستاذ ناصر جابي ليتحدث عن كتابه “عميروش، حياة، موتتان ووصية”، يقول وبالحرف “لست هنا لأصفي حسابات.. راني هنا باش أنضوي تاريخ الجزائر بالفترات الإيجابية وبالغلطات أنتاعهم”!

وقد قلت و قتها رأيي في الكتاب وفي الكاتب وقد كنت صريحا ومباشرا.. سعدي لم يأت “باش ايضوي” (ينير) تاريخ الجزائر كما زعم وإنما جاء ليزيده عتمة على قتامة ويظلمه أكثر مما هو مظلم! وقد كتبت أقول بأن سعدي كان “انتقائيا” و”إقصائيا” و “منحازا” بل و”مزورا” أيضا، لأنه كتب كتابه بقلم “السياسي المحترف” و”الأيديولوجي المتعصب”، لا بقلم المؤرخ الموضوعي والباحث الجاد.

وعاد سعدي لممارسة التضليل.. فعدنا..

وها هو سعدي يعود إلى “ساحة الجدل” من جديد ويضطرنا للعودة معه لأن ما “كتبه” وما “قاله” خلال الشهرين الماضيين لا يمكن للمرء أن يتظاهر أمامهما بالطرش أو الخرس أو العمى.

شخصيا لن أحشر أنفي في هذا “الصراع” و”التخلاط” الأيديولوجي والسياسوي الدائر بينه وبين “بقايا” الحزب المنحل، ولا في “النقاش” والكلام الكثير المثار حول مساحة قطعة الأرض التي اشتراها في الأبيار، ولا كيف تحصل عليها ولا عدد طوابق “الفيلا” التي بناها وعدد غرفها وعدد مطابخها وعدد حماماتها وعدد مراحيضها ولا عدد المساكن وعدد الشركات التي يملكها في مارسيليا وسجلها باسم زوجته وأبناءه.. لأن مثل هذه أمور والقضايا تحتاج إلى الأدلة المادية القاطعة وأنا لا أملكها، لذلك سأكتفي بالحديث عن ما “أعرف” وبما “أملك”.

مما زاد في دهشتي وحيرتي هو هذا الصمت المريب تجاه هذا “الكلام الخطير”، فلا رئاسة الجمهورية، باعتبار بومدين رئيسا سابقا، ردت على كلام سعدي! ولا وزارة الدفاع، باعتبار الرجل مؤسس الجيش الوطني الشعبي، طلبت توضيحا من المعني!

والموضوع الذي أريد أن أتحدث فيه موضوع لا علاقة له بالسياسة ولا بالإيديولوجيا ولا بالفلوس ولا بالمخابرات ولا بالعسكر، إنه موضوع، من وجهة نظري الخاصة طبعا، أكبر وأهم من كل ذلك ومن كل هؤلاء جميعا، لأنه موضوع يتعلق بـ”وحدة” الجزائر شعبا ووطنا.

لا أدّعي بأنني مؤرخ ولا باحث ولا حتى صحفي سابق عمل في هذه الجريدة (الخبر) منذ عشرين سنة، لكن اهتمامي بتاريخ الثورة وتاريخ الجزائر بعد الاستقلال لم ينقطع وظل يشغل حيزا كبيرا من تفكيري واهتماماتي، لذلك فملاحظاتي على كلام سعدي هي ملاحظات مواطن مهت ، يحاول أن يكون “موضوعيا” و”محايدا” ما استطاع، هي ملاحظات و”معلومات” مواطن يريد أن يبقى بعيدا عن “القطيع” إلى الأبد و”خارج التصنيف” ما أمكن.

همه الأول والوحيد هو الاقتراب من الحقيقة وتفاصيلها قدر الإمكان من أجل “تفحص” ملامحها مهما كانت بشعة، مؤلمة ومخيفة.

عندما اتهم بومدين القبائل بأنهم.. “انفصاليين” و”عنصريين”!

في السادس عشر من شهر أوت الماضي وبمناسبة صدور الجزء الأول من مذكراته أجرت يومية “El watan” حوارا مطولا مع الكاتب ورئيس حزب “الأرسيدي” السابق سعيد سعدي، تحدث فيه سعدي عن طفولته وأسرته ودراسته وعدد من الأحداث التي عاشها وعايشها من 1947-1967، وقد كان سعدي في طروحاته كما عهدناه دائما.. “انتقائيا”، “إقصائيا” و”منحازا” و”مشوها” و”متجنّيا”، لكن في الأول والأخير هو حر، فهذه مذكراته وهذه حياته وهذه آراؤه وانطباعاته وقناعاته، لكن عندما يثير سعدي أحداثا تاريخية هامة ومفصلية ويتعرض لمسار شخصيات وطنية ولمواضيع خطيرة ك”الاغتيالات” و”العنصرية” و”الانفصال” بلا دليل ولا برهان وبتبسيط واستخفاف خطيرين، هنا وعند هذا الحد يصبح السكوت تواطؤا وخيانة بل جريمة.

أثار سعدي في حواره عددا من القضايا من بينها قضية انتظرتُ أن يعود إليها بالتفصيل في مذكراته ولكنه لم يفعل، واعتقدت بأنه سيستدرك الأمر في الحصة التي خصصت لعرض مذكراته على قناة “باربار تي في” ولكن سعدي تحدث كثيرا عن “الآخرين” أكثر مما تحدث عن مذكراته وذكرياته.

يبدو أن سعدي وهو في آخر سنوات العمر، لم يتوقف أبدا، عن ممارسة هذه الهواية وهذه اللعبة.. هواية ولعبة “التضخيم” و”التمديد” و”التطويل” و”الحكي” في”قالب سنيمائي” وكذا “الزيادة” و”التطعيم” بـ”تفاصيل جديدة” والاستعانة بـ”الإلهام الشخصي” بالإضافة إلى”القسم والحلفان” بأن القصة “مستقاة من المصدر”!

في حواره ذاك قال سعدي بالحرف “parlant des kabyle , boumediene avaient dit devant ses hommes que ses derniers étaient des séparatistes et des racistes ” ما معناه “متحدثا عن القبائل، بومدين قال أمام رجاله بأن القبائل انفصاليين وعنصريين”.

لقد صعقني كلام سعدي وصعقني أكثر المستوى الذي نزل إليه الكاتب والمثقف والمترشح مرتين لمنصب رئيس الجمهورية!

ومما زاد في دهشتي وحيرتي هو هذا الصمت المريب تجاه هذا “الكلام الخطير”، فلا رئاسة الجمهورية، باعتبار بومدين رئيسا سابقا، ردت على كلام سعدي! ولا وزارة الدفاع، باعتبار الرجل مؤسس الجيش الوطني الشعبي، طلبت توضيحا من المعني! ولا وزارة المجاهدين، باعتبار الرئيس السابق كان مجاهدا وعقيدا في جيش التحرير، تحركت لرفع اللبس، ولا أرملة المرحوم وأهله ورفاقه أدانوا التصريح! ولا باحث ولا مؤرخ ولا صحفي تحرك ليبحث في الموضوع! إن “صمت المقابر” هذا جعلني أشعر وكأنني الجزائري الوحيد الذي قرأ حوار وكلام سعدي في ذلك اليوم؟!

إن ما قاله سعدي في حواره لم يكن مجرد رأي أو”وجهة نظر” أو “تحليل” أو حتى “استنتاج” بل كلام يتعلق بـ”واقعة” تاريخية محددة، لم يقدم بشأنها أي دليل يثبت صحة وقوعها، سعدي لم يقدم لا التاريخ الذي قال فيه بومدين مثل هذا الكلام “العنصري” ولم يحدد المكان الذي أدلى فيه بكلامه ذاك ولا المناسبة التي قيل فيها ولا ذكَر اسم شاهد واحد من الذين سمعوا تصريح بومدين الخطير؟ كل ما هنالك أن بومدين قال أمام رجاله و كفى! لكن متى؟ وأين؟ وبمناسبة ماذا؟ ومن كان شاهدا؟ الإجابة وبالمختصر المفيد “ما فيش”!

فيديو.. مونتاج.. تزوير.. حقد.. ودناءة!

شخصيا، أتمنى أن لا يكون الفيديو المتداول على اليوتوب هو الدليل الذي سيقدمه سعدي كبرهان على صدق كلامه، لأنه لو يفعل ذلك سيكون قد نزل إلى نفس مستوى “النائبة المسحورة” نعيمة صالحي أي إلى مستوى “الاستعباط” و”الاستحمار”.

لأن مقطع الفيديو الذي يستعمله ويوضّفه “العنصريون” و”المتطرفون” في الجهتين، والذي لا تزيد مدته على دقائق، هو فيديو “ممنتج”، يعني تم “اللعب فيه” لأغراض “سياسوية” قذرة ودنيئة، فالشخص أو الجماعة أو الجهة أو الجهاز الذي رفع مقطع الفيديو لم يرفع إلا الخمسة عشر ثانية التي تفوه فيها بومدين بعبارة “أنّ عمالة (ولاية) القبائل هي على كل حال تختلف عن عمالة الجزائر وأن الناس والمواطنين في هذه الجهة هم على كل حال ناس عنصريين.. وهم ناس على كل حال.. ناس.. انفصاليين”، وللزيادة في الحبكة والدراما، أضاف رافعوا الفيديو على اليوتوب موسيقى حزينة وعناوين مثيرة مثل “سبب كره بومدين للقبائل” وتعاليق محرضة مثل “حتى لا ننسى” وهي تعاليق تذكر بأيام الاحتلال والاستعمار!

وها هو سعدي يعود إلى “ساحة الجدل” من جديد ويضطرنا للعودة معه لأن ما “كتبه” وما “قاله” خلال الشهرين الماضيين لا يمكن للمرء أن يتظاهر أمامهما بالطرش أو الخرس أو العمى

إذا كان هذا هو دليل سعدي الذي سيقدمه أو سيتحجج به أمام العدالة والجزائريين، فأنا أنصحه من الآن أن يبحث لنفسه عن دليل وحجة أخرى، لأن الكلام الذي قاله بومدين قد جاء في خطاب مباشر وعلى الهواء وأمام الآلاف من المواطنين وفي منطقة القبائل؟! فهل يعقل أن يذهب رئيس الدولة إلى منطقة القبائل ويخاطب جزءا من شعبه ونصف رجال نظامه وحكومته من نفس الجهة، متهما إياهم بـ”العنصرية” و”الانفصالية” ولا يثور أهل المنطقة ولا يتمرد رجال حكمه؟

شخصيا، أعتقد أن سعدي يعرف هذا لذلك استعمل في حواره عبارة : قال بومدين أمام “رجاله”(ses hommes) للتضليل والتمويه، لأنه لا ولن يستطيع أبدا أن يقول بأن بومدين تفوّه بكلماته تلك أمام سكان منطقة القبائل! وأين؟ في تيزي وزو بالذات!

عندما نقلب ونفتش في الأرشيف الورقي والسمعي- البصري الذي تركه بومدين، سنجد بأنه لم يستعمل ولم يتلفظ بكلمتي “عنصريين” و”انفصاليين” وفي نفس الفقرة إلا مرة واحدة فقط طوال حياته، وقد كان ذلك في 24 أكتوبر 1968بولاية تيزي وزو، والأمر لا يحتاج إلى الاستعانة بملفات المخابرات ليتأكد سعدي من ذلك، إذ يكفيه الرجوع إلى جريدة المجاهد أو الشعب ليومي 25 و26 أكتوبر 1968 أو العودة إلى المجلد الثاني من خطب الرئيس بومدين الصفحة191، الفقرة الخامسة، السطر 19 في النسخة الفرنسية أو الصفحة 337، الفقرة الرابعة، السطر 17 في النسخة العربية.

ذلك فملاحظاتي على كلام سعدي هي ملاحظات مواطن مهت ، يحاول أن يكون “موضوعيا” و”محايدا” ما استطاع، هي ملاحظات و”معلومات” مواطن يريد أن يبقى بعيدا عن “القطيع” إلى الأبد و”خارج التصنيف” ما أمكن

ولأن الخطاب تم بالفصحى المخلوطة بالعامية فقد تم التصرف في صياغة الخطاب، لذلك ولكي أكون دقيقا سأقدم كلام بومدين كما “نطقه” بالحرف في تيزي وزو، تحت تصفيقات وزغاريد سكانها “.. اسمحوا لي باش أنكون أمعاكم صريح إلى أبعد الحدود، منذ مدة والأعداء تاع الشعب أنتاعنا، بالخصوص المعمرين، بالخصوص الكولون ألّي أحنا حاوزناهم من بلادنا، بالخصوص أصحاب الأموال ألّي هوما خلاو الفيلات والقصور الشامخة، بالخصوص الناس ألي خلاو المعامل، الناس ألي خلاو الأراضي.. أقول منذ مدة وهم يحاولوا باش ايبيّنوا بأن هذه المنطقة، على كل حال، منطقة تختلف عن المناطق الأخرى في البلاد، حاولوا على كل حال، قبل الاستقلال ومنذ عشرات السنين وحاولوا كذلك أثناء معركة التحرير وابقاو ايحاولوا بواسطة الجرائد أنتاعهم وبواسطة الإذاعات انتاعهم يعني الراديوهات أنتاعهم والتلفزيونات أنتاعهم باش ايبيّنوا أن عمالة (منطقة) القبائل هي على كل حال، تختلف عن عمالة الجزائر وأن الناس والمواطنين في هذه الجهة هم على كل حال ناس عنصريين وهم ناس على كل حال، ناس انفصاليين ، هذه الدعايات المسمومة، لِحاول يخدم بها الاستعمار وتعرفوا المبدأ تاع الاستعمار وسياسة الاستعمار هي فرق تسد. حاول هو و الأتباع انتاعو باش يثبتوا أنه ما فيش شعب جزائري، حاولوا كذلك على مر العصور وعلى مر السنين ومنذ أن احتلوا بلادنا باش ما ايقدموهاش كشعب ولكن عبارة عن قبائل وطوائف وجماعات متفرقة لا يربط بينها أي شيء!” بقية الخطاب سيفرج عليه سعدي كاملا بالأسود والأبيض أمام قاضي التحقيق عندما يطالبه بتقديم الأدلة التي تثبت صحة اتهاماته!

لقد صعقني كلام سعدي وصعقني أكثر المستوى الذي نزل إليه الكاتب والمثقف والمترشح مرتين لمنصب رئيس الجمهورية!

في كتابه عن عميروش كتب سعدي “المثقف” و”المؤرخ” يقول وهويتحدث عن طفولته “.. وكنا بمخيلتنا سرعان ما نضخم (؟!) تلك العمليات (التي يقوم بها عميروش) ونحكيها في قالب سنيمائي (؟!) لرفاقنا، ونحن نقسم (؟!) بأننا استقينا روايتنا من مصدرها (؟!)، ثم يأتي الشاهد التالي متحمسا (؟!) ليعيد نفس الرواية ويطعمها (؟!) بتفاصيل أخرى من إلهامه الشخصي (؟!)”؟!

ويبدو أن سعدي وهو في آخر سنوات العمر، لم يتوقف أبدا، عن ممارسة هذه الهواية وهذه اللعبة.. هواية ولعبة “التضخيم” و”التمديد” و”التطويل” و”الحكي” في”قالب سنيمائي” وكذا “الزيادة” و”التطعيم” بـ”تفاصيل جديدة” والاستعانة بـ”الإلهام الشخصي” بالإضافة إلى”القسم والحلفان” بأن القصة “مستقاة من المصدر”! والاعتراف بأنه كان دائما يمارس هواته ولعبته تلك بنفس البهجة ونفس “الحماس”!!

المصدر: الخبر

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.