زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

رؤية سوسيولوجية لظاهرة الغش

رؤية سوسيولوجية لظاهرة الغش ح.م

لا يكاد يخلو مجال من المجالات في المجتمع الجزائري من ظاهرة الغش، الدولة إسلامية شريعة ودستورا، أكثر من عشرين ألف مسجد يصدح أئمته في خطب الجمعة والدروس مرهبِّين من أفعال الغش، ومرغبِّين في الصلاح والاستقامة.
القرآن ينهى عن الغش وكذا الأحاديث النبوية، الكتب المدرسية تقوم بالدور نفسه من تحذير ونهي عن هذا السلوك المرضي. على الرغم من كل هذا إلا أن ظاهرة الغش تستشري في المجتمع وتتفاقم نتائجها أكثر فأكثر، فما هو السبب يا ترى؟.

إذا حاولنا أن ننظر للظاهرة من زوايا مغايرة أدركنا أن هذا الفعل يمثل سلوكا انتقاميا يصدر من الفاعل بشكل لا واعي في معظم الأحيان، ينتقم المعلم أو الأستاذ، ليس الكل بطبيعة الحال، من مديره الذي تحصل على منصبه بالمحاباة أو الولاء الحزبي، أو التحيز القبلي والجهوي، لا بالكفاءة المهنية..

الغش سلوك منبوذ في عمومه، إلا أن الغش في الامتحانات المدرسية هو أخطر أنواع الغش، في اعتقادي، فقد يموت ألوف البشر على يد طبيب نجح بالغش، وقد تنهار البنايات على رؤوس ساكنيها بسبب مهندس معماري نجح بالغش، وقد تُفلس الشركات والمؤسسات على أيدي مسيرين نجحوا بالغش، وقد يفسد الدين وينتشر التطرف على يد أئمة نجحوا بالغش، كما تفسد العدالة على يد قضاة ومحامين نجحوا بالغش، وتنهار الأمة بأكملها على يد معلمين نجحوا بالغش.
الشيء الملاحظ هو أنه كلما شددّت المؤسسات التعليمية في إجراءات المراقبة للتحكّم في ظاهرة الغش، كلما طور التلاميذ والطلبة أساليب مضادة لتحقيق مآربهم، إلا أن الغريب في الأمر والصادم أحيانا هو حين نجد الحراس، معلمين وأساتذة، يساعدون التلاميذ والطلبة على الغش، ظنا منهم، في غالب الأحيان، أنهم يقدمون لهم يد العون، فينظرون إلى التلميذ أو الطالب نظرة الغريق الذي يستنجد من حوله كي ينقذوه من موت محقق.
قد يبدو لنا في الوهلة الأولى أن سلوك هذا الشخص الذي يقدم المساعدة موجّه بالعاطفة، لكننا إذا حاولنا أن ننظر للظاهرة من زوايا مغايرة أدركنا أن هذا الفعل يمثل سلوكا انتقاميا يصدر من الفاعل بشكل لا واعي في معظم الأحيان، ينتقم المعلم أو الأستاذ، ليس الكل بطبيعة الحال، من مديره الذي تحصل على منصبه بالمحاباة أو الولاء الحزبي، أو التحيز القبلي والجهوي، لا بالكفاءة المهنية، من مسؤوليه الذين لا يحسنون معاملته، من المؤسسة التي لم تٌنصفه وقصّرت في جميع حقوقه، من المجتمع الذي جعل مكانته ودوره في المجتمع أقل شأنا وأضعف مرتبة، من النظام الذي ساوى بينه وبين عاملة نظافة لدى شركة اقتصادية في الراتب، من زملائه في الذين كان يتفوق عليهم في الدراسة وفجأة وجدهم أصحاب مال وجاه وسلطة يقررون في قضايا المجتمع وشؤون البلاد.
السلوك الانتقامي هذا لا نجده عند هذه الفئة فقط، بل هو سلوك يتمظهر في شكل ردود أفعال من قبل غالبية الفئات التي تشعر بالتهميش والاقصاء والظلم الاجتماعي، فتتحين الفرص لكي تنتقم من المجتمع وتتمرد على قوانينه التي تعتقد أنها تفتقد للعدالة والمساواة وترسخ ثقافة المحسوبية والمحاباة.

يبدو لي أنه من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، أن نحارب هذا السلوك المرضي من خلا التربية الأسرية، المدرسية والدينية في الوقت الذي أصبح الطريق الوحيد للنجاح الاجتماعي هو الغش والفساد..

وأكثر من ذلك خطرا على المجتمع حين تصبح ظاهرة الغش عملية منظمة يقف وراءها مخططون يهندسون بطرقة منظمة ومتقنة تعبيرا على رفضهم للنظام بشكل خاص وللمنظومة التربوية على العموم. أو شكلا من أشكال التمرد يحمل في طياته أبعاد سياسية وأيديولوجية.
يغش التلميذ أو الطالب بدافع احساس وثوقي نابع من عقله الباطن يبعث في نفسه شعورا يدفعه للاعتقاد أن ما يقوم به هو عمل بطولي، ظنا منه أنه يعيش في عالم يحكمه الفساد، ولن يستطيع أن يشق طريقه ويبلغ مقاصده إلا من خلال الآليات التي حقق بها من سبقه أهدافهم، فالصلاح والاستقامة في السلوك باتت من الأخلاق التقليدية التي لا تؤدي بمن يتمسك بها إلا للفشل والضياع الاجتماعي.
يبدو لي أنه من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، أن نحارب هذا السلوك المرضي من خلا التربية الأسرية، المدرسية والدينية في الوقت الذي أصبح الطريق الوحيد للنجاح الاجتماعي هو الغش والفساد، والغريب في الأمر أنه يزداد في مجتمعنا استفحالا وتفاقما بازدياد المدارس والجامعات والمساجد.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

1 تعليق

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 6757

    عبد الرحمن

    تشكر يا سيادة الكاتب المحترم على إثارة هذا الموضوع الخطير و الخطير جدا جدا ، ألا وهو الغش ، الذي اكتسح جميع مجالات الحياة الاجتماعية ، حيث صار قاعدة متينة ، ارتضاها الناس ،بجميع فئاتهم ومستوياتهم، وما دونها استثناء . فقد صار الغش حقا مكتسبا عند هؤلاء جميعا ، بل صار حقا طبيعيا ، كالماء والهواء والطعام، لايكمن الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال، والويل كل الويل لمن يعترض عليه. وقد تمكن الغش من العقل البطن لكل منا ، وصار محتلا له احتلالا مستحكما لا فكاك منه. وقد شبه أحد المفكرين (العقل الباطن) ببستان ، حيث ينبت فيه كل ما يزرع فيه ، فإن كان خيرا فهو خير ، وإن كان شرا فهو شرّ. فكيف بالذي يزرع في عقله الباطن الغش، وهو شرّ كله ، يتجاوز جميع الشرور الأخرى في الخطورة ، فهو أخطر من جميع الأمراض المزمنة ومن جميع أنواع المخدرات ، و هو أخطر من جميع أنواع الخيانات . فهو أشد من جميع الأسلحة النووية و البيولوجية . فهو مدمر للمجتمعات ومهلكها عن بكرة أبيها ، وجاعلها أثرا بعد عين . فعلى كل عاقل يدرك خطورة الغش و عواقبه الفتاكة ، أن يدق جرس الانذار ، تنبيها لكل غافل أحمق سائر في ركاب الغش ، بأنه في طريق الخطأ والضلال ، وهو بالحرص ينتحر ، وهو لا يشعر، وقد خسر دنياه و أخراه ، وبئس المصير. فالله نسأل أن ينقذنا من شرور الغش و عواقبه، وأن يهدينا سبل الرشاد والصواب . آمـــــيــن.

    • 1

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.