سعيد مرامي شاب ثلاثيني يفكر منذ مدة في تغيير سيارته القديمة والتي صارت تكلفه الكثير بسبب الأعطاب التي تصيبها غير أنه لم يجد لذلك سبيلا بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، مما دفعه للمشاركة في حملة# خليها _تصدي بمعنى "أتركها تصدأ" التي أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي كدعوة عامة إلى مقاطعة شراء السيارات المركبة محليا والتابعة لعلامات تجارية عالمية بعدما كشفت الحكومة الجزائرية عن الأسعار الأولية التي صرح بها الوكلاء.
سعيد كغيره من المواطنين يرى أن امتلاك سيارة جديدة صار حلما بعيد المنال في ظل انخفاض القدرة الشرائية بسبب إجراءات “التقشف” المتضمنة قوانين المالية للسنوات الثلاث الأخيرة والتي عرفت ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات والضرائب.
ويؤكد سعيد أن هناك تلاعبا كبيرا بالأسعار وسيطرة السماسرة على سوق السيارات في غياب الرقابة والقوانين الردعية وعليه فتوسيع دائرة التجاوب مع المقاطعة وكسب أكبر عدد من المؤيدين سيكون حلا ناجعا للحد من ظاهرة الغلاء والاستغلال الذي تعتمده الشركات المصنعة.
ارتفاع أسعار السيارات مع بداية 2018
كان سعيد ينتظر حلول سنة 2018 لعله يحظى بسيارة جديدة تبعا لتطمينات المسؤولين الحكوميين بتنظيم سوق السيارات فضلا عن الوعود بخفض الأسعار حسب تصريح سابق للرئيس الأسبق لجمعية وكلاء السيارات وصاحب مصنع “إيفيكو” للشاحنات محمد بايري الذي أكد انخفاض أسعار السيارات بما يصل إلى 20 بالمائة خلال سنة 2018، بناء على الإجراءات الأخيرة التي تبنتها الحكومة وكذا التزام مصانع المركبات برفع حجم الإنتاج ومضاعفة كوطتها فضلا عن الإفراج عن موديلات وأصناف جديدة وهذا كبادرة لحل أزمة السيارات في السوق الوطنية وعودة الأمور إلى نصابها لأن الجزائريين سيركبون هذه المرة سيارات صنعت في الجزائر.
ولكن عكس كل التوقعات والتصريحات الإستباقية فقد عرفت أسعار السيارات سواء الجديدة أو المستعملة ارتفاعا كبيرا على المستوى الوطني بحلول العام الجديد، ليكتفي الزبائن بمشاهدة العروض دون الإقدام على الطلب.
فمثلا سيارة رينو- سانديرو- “ستيب واي” من فئة محرك 1.5 ديازل بلغ سعرها 2.200.000 دينار جزائري أي ما يعادل 15633 يورو، أما ثمنها الأصلي عند الوكالة الرسمية فيقارب 1.800.000 دينار أي 12791 يورو حيث كان ثمنها سنة 2016 يقدر بـ 1.220.000 دينار أي 8669 يورو.. أما ثمن سيارة كيا “بيكانتو”بمحرك 1.2 بنزين فهو 2.200.000 دينار أي 15633 يورو.
وأمام هذه الأسعار الخيالية للسيارات الجديدة مقارنة بالأجر القاعدي المقدر بـ 18000 دينار جزائري أي ما يوافق 128 يورو يضطر المواطنون للجوء إلى البديل وهو أسواق السيارات المستعملة علهم يجدون ضالتهم.
حتى السيارات المستعملة ليست متاحة
سيارات بلوحات ترقيم سنة 2007 ومن علامات متواضعة تعرض بـ 1.000.000 دينار أي 7106 يورو وهذا لأن السماسرة والمضاربين يسيطرون تماما على سوق السيارات المستعملة باستغلالهم عامل الندرة وآجال التسليم البعيدة بتواطؤ مع وكلاء السيارات الجديدة حسب تصريحات خبراء اقتصاديين، خاصة بعد قيام الحكومة بتجميد الاستيراد الذي صاحبه ارتفاع كبير في الطلب خلال السنوات الأخيرة فكان من الأولى اتخاذ إجراءات جديدة حسب ما يراه بعض الخبراء، ومنها ضرورة تسقيف هامش الربح لوكلاء السيارات وضرورة إعادة فتح استيراد السيارات الأقل من ثلاث سنوات في إطار دفتر شروط خاص ومنع إعادة بيع السيارات الجديدة لفترة لا تقل عن ستة أشهر، وأن يستورد الفرد سيارة واحدة كل 10 سنوات.
وفي انتظار إصدار القرارات واتخاذ التدابير اللازمة لمحاولة تنظيم واستحداث سوق رسمية للسيارات المستعملة يبقى المواطن ضحية الفوضى والتجاوزات التي ترفضها الجهات الممثلة للمجتمع المدني.
تدخل منظمة حماية المستهلك
طالبت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك – أبوس – بفتح تحقيق مع وكلاء السيارات، حول الأسعار التي قدموها لوزارة الصناعة وتم نشرها حيث يشتبه حسب بيان المنظمة أن تكون الأرقام المذكورة مضخمة، كما أكدت على ضرورة التحقيق في تعاملات وكلاء مع سماسرة ببيعهم لعدد هائل من السيارات.
وفي السياق نفسه أوردت المنظمة أنه يتعين التذكير في بادئ الأمر أن الأسعار المشهرة تمثل تكلفة الإنتاج المصرح بها من قبل شركات التركيب نفسها، وهي بالتالي غير محقق فيها من مختلف المصالح المختصة التابعة لوزارة الصناعة أو وزارة التجارة أو حتى وزارة المالية، إذ أن الأسعار المشهرة تمثل تكلفة السيارة عند خروجها من المصنع، وعليه فإنها لا تتضمن هوامش الربح في السلسلة التجارية والتي تحتسبها كل من الشركة المصنعة والوكيل المعتمد والموزع المعتمد ومعيد البيع والسماسرة سواء المعتمدين أو غير المعتمدين”.
وحسب “حماية المستهلك” فقد “كشفت أسعار التركيب المعلنة عن هوامش ربح خيالية منها ما يصل إلى مبلغ مليون دينار جزائري في السيارة الواحدة في علامات معينة وعن هوامش تبدو معقولة في علامات أخرى إذا ما تمت المقارنة بين التكلفة المصرح بها وسعر البيع النهائي لدى الوكلاء المعتمدين”.
وثمنت المنظمة خطوة وزارة الصناعة بكشفها للمستهلك لأسعار الخروج من المصنع ووصفتها بالجريئة غير أنها طالبت بأن تتبع الوزارة هذه الخطوة بالعمل على التحقيق في صحة الأسعار التي تبقى مجرد تصريحات من الشركات المصنعة، خصوصا وأنها تبقى بعيدة كل البعد عن الأسعار المطبقة في الدول الأخرى، وذلك من خلال التقنيات المعمول بها قانونا في مجال أسعار التحويل التي تكشف عن أسعار التحويلات بين الشركة الأم ومختلف فروعها في كل أنحاء العالم”.
وقالت “حماية المستهلك” إن هذه الوضعية أصبحت تؤرق المستهلك الجزائري منذ سنوات، وحرمت الكثيرين من حقهم في سيارة أصبحت اليوم ضرورة ملحة لكل رب عائلة، كما دعت المنظمة أيضا شركات التركيب المحلية إلى ضرورة مراعاة قواعد النوعية والسلامة، خصوصا مع تكاثر الشكاوي حول سوء نوعية التركيب سواء في القطع أو الملاحق من خلال تدعيم آليات مراقبة النوعية قبل تسليمها للزبون، وكذا التسريع في إجراءات الضمان القانوني.
وفي الأخير، طالبت المنظمة شركات التصنيع والوكلاء المعتمدين بإعادة النظر في تسعيرة منتوجاتهم، باعتماد أسعار مدروسة ومعقولة وحذرتهم من التمادي في استغلال الاضطراب الحالي لسوق السيارات الجديدة”.
كما أشارت أنها لن تتوانى عن إطلاق حملة عبر الوطن للتبليغ عن كل حالات التواطؤ مع السماسرة أمام المركز الوطني لمكافحة الفساد وتبييض الأموال في حالة استمرار الوضع على حاله.
وكانت هذه دعوة من منظمة حماية المستهلك للمواطنين للمشاركة في محاربة الفساد بعدما حققوه من نجاح في حملة “خليها تصدي”.
خبراء اقتصاديون يؤكدون فعالية الحملة
صرح الخبير الاقتصادي فرحات علي لوسائل إعلام محلية وأجنبية أن مثل هذه الحملات على الرغم من أنها لا تتسم بالرسمية، إلا أن ذلك لا يلغي أهميتها، لأن الزبون في كل بلدان العالم هو الذي يتحكم في السوق، وما دام يتمتع بوعي استهلاكي يمنعه من الرضوخ للمتعاملين الاقتصاديين، فبإمكانه التحكم بقانون العرض والطلب، وعليه التحكم بطريقة غير مباشرة ببورصة الأسعار”.
كما أكد الخبير الاقتصادي وجود مبالغة كبيرة في أسعار السيارات المجمعة محلياً، “والتي أصبحت أغلى حتى من أسعارها في بلد العلامة الأصلي ،حتى غدا الأمر يشبه إلى حد كبير شبكات تتاجر بالسيارات وتحتكرها وتتحكم كما تشاء بهامش الربح دون أي رقابة حكومية، وهو ما يدخل في خانة النصب والاحتيال، وبلجوء المستهلك للمقاطعة سيؤثر على السوق وسيجبر الشركات على خفض الأسعار، مع أن المستهلك يتقاسم مسؤولية الغلاء الفاحش الذي أصبحت تعرفه أسعار السيارات”.
و من جهته شرح الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول بأن غلاء الأسعار راجع إلى أن الجزائر لحد الآن لم تصنع ولا سيارة واكتفت بالتركيب فقط ما يكلف ميزانية الدولة مبالغ طائلة، داعيا إلى الأخذ بعين الاعتبار أن السوق يخضع لقانون العرض والطلب، حيث نجد أن الجزائر سنويا تسجل 150 ألف معاملة شراء سيارة، موضحا أن انخفاض القدرة الشرائية للمواطن وراء عزوفه عن الشراء، وهذا العزوف اصبح نوعا من المقاطعة خاصة بعد نشر أسعار السيارات فور خروجها من المصنع.
مغتربون يعلنون تضامنهم
من جانب آخر توسعت رقعة حملة المقاطعة وتعدت الحدود الجغرافية عبر الفضاء الأزرق لتصل إلى جميع أنحاء العالم ،فبعدما أطلق رواد بمواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر حملة “خليها تصدي”، لمقاطعة شراء السيارات، بسبب الارتفاع الجنوني في أسعارها المتواصل منذ أكثر من سنتين رغم تركيب العديد من العلامات في الجزائر، دون إحداث أثر في السعر مقارنة بسعر الاستيراد أعلن المغتربون الجزائريون من عدة دول تضامنهم بإرسال صور لهم رافعين شعار الحملة “خليها تصدي” مع تدوين الأسماء ومكان الإقامة وإضافة بعض التعليقات المساندة بجانب معالم دولية شرقية وغربية مثل برج إيفل من باريس، أو أمام الحرم المكي..
وتتواصل الحملة بمطالب جديدة
إن الهدف الأول من حملة “خليها_ تصدي” هو الوصول إلى سعر عادل للسيارات المركبة محليا، والتحرر من السماسرة الذين غزوا الأسواق بطرق ملتوية واستولوا على الحصة الأكبر من السيارات بأسعار المصنع وقاموا باحتكارها ليدهم وعرضها للبيع بأسعار تزيد عن أسعار مصانع التركيب بنسب عالية على حساب جيوب المواطنين.
ومازالت مواقع التواصل الاجتماعي لحد الساعة تواصل نشاطها بمنشورات تدعو للمقاطعة فضلا عن إجراء مقارنات بين أسعار السيارات في الجارتين تونس والمغرب، وكذا فرنسا مقارنة مع أسعارها في الجزائر، حيث ضربوا أمثلة عن الكثير من الطرازات التي تقل أسعارها في هذه البلدان عما هو عليه محليا، ونظرا لنجاح الجملة وتجاوب عدد كبير مع صفحاتها الخاصة، فقد أضيفت مطالب جديدة أين تم تداول فيديوهات ونشر صور توضح عيوبا تقنية تحملها السيارات المركبة محليا منها ما يشكل خطرا حقيقيا قد يعرض مستعمليها للموت مثل انشطار السيارات إلى نصفين، حيث أكد المشاركون على ضرورة مطابقة السيارات المركبة محليا لمعايير السلامة والأمن والمعايير المعمول بها دوليا.






تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.