زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

حتى لا يتحول التاريخ إلى بلقنة الجزائر المستقلة

الخبر القراءة من المصدر
حتى لا يتحول التاريخ إلى بلقنة الجزائر المستقلة

محمد سعيدي

استراتيجية بلقنة الجزائر كسياسة حربية ومدنية ذات طابع استيطاني إبادي عنصري قمعي، بدأت مباشرة بعد الاحتلال الاستعماري الفرنسي لبلادنا ولم تتوقف إلا بتحرير الجزائر وإلحاق الهزيمة بذلك الاستعمار البغيض. ولولا التصميم المستميت للشعب الجزائري على المقاومة والتمسك الشديد بوحدته الوطنية وبهويته ومقوماته الذاتية واستعصائه على التفكك والذوبان في المستعمر، لتلاشي وتفسخ وانسلخ وانقرض واختفى من الوجود.

بدأت بلقنة الاستعمار لبلادنا عندما عمل على فصل مقاومة الشعب الجزائري في الشرق بقيادة البطل (أحمد باي) عن مقاومة غرب ووسط الجزائر بقيادة بطل المقاومة الوطنية (الأمير عبد القادر). وحين تمكن من التغلغل داخل الجزائر واستمالة بعض الأعراش والقبائل أخذ يبلقن الجزائر من الداخل بإشعال الفتن والحروب بين الجهات والأعراش والقبائل مما أنهك المقاومة الشعبية الوطنية، مستغلا تفوق قواته المادية والعسكرية. عمل المستعمر على ترسيخ هذه البلقنة الداخلية وإعطائها الطابع العلمي والموضوعي بتعبئة الحرب النفسية والدعائية وتجنيد مجموعة من الباحثين الاجتماعيين والأتنوغرافيين ليتفننوا، تحت عباءة الموضوعية والروح العلمية في تفتيت وتقسيم المجتمع الجزائري الموحد والمتنوع اختلاق أساطير وهمية منافية للعلم والموضوعية. فراحوا يدرسون جماجم الجزائريين ليبرهنوا بزعمهم على أن جماجم الشاوية تختلف عن جماجم القبائل. والاثنان يختلفان عن الجماجم العربية. واستمرارا لهذا البهتان المبلقن راحت تقسم الجزائر الموحدة إلى جزائر رومانية وجزائر بربرية وأخرى تركية غازية وأخيرا الجزائر الفرنسية التي جاءت لتربط فرنسا الكاثوليكية الأوروبية بروما الغازية المعمرة. إلغاء الجزائر الأمازيغية العربية الإفريقية المسلمة وترسيخ الجزائر الفرنسية الأوروبية. البهتان التاريخي والسياسي لا يتوقف. إنكار أمة بكاملها، بكيانها وتاريخها جغرافية وحضارية.
إمعانا في هذا البهتان والإنكار عندما أعلنت ثورة أول نوفمبر المجيدة لتعبر عن بقاء الجزائر الوطنية الأصيلة الحرة وإلغاء الجزائر الفرنسية الاستعمارية ونسفها من الوجود، أخذت فرنسا الاستعمارية المرعوبة من الجزائر الوطنية المقاومة في إرباك واضح تتهم الثوار، تصفهم بالخروج عن القانون، ووصفهم بالفلافة والقتلة وقطاع الطرق.
عندما اشتد عود الثورة ونمت قوتها، وترسخت جذورها داخل الوطن وخارجه، وفشل القوات العسكرية في إخمادها، لجأت مرة أخرى إلى إستراتيجية البلقنة، فجاءت بالقانون الإطاري المعروف الذي يقسم الجزائر إلى القسم الشمالي الغني وإعطائه إلى المعمرين الأوروبيين ودفع الجزائريين وحصرهم في الهضاب العليا وبقاء الصحراء أرضا فرنسية.
الأبطال الذين قادوا الثورة إلى النصر بفضل التفاف الشعب حولهم، يتهمهم البعض اليوم في الجزائر المستقلة ممن لم تتحرر أفكارهم وضمائرهم والذين لم يستطيعوا الفكاك من استراتيجية البلقنة، يتهم هذا البعض أولئك الأبطال بالغدر وضمنيا بالخيانة والدكتاتورية والتسلط واغتصاب السلطة وممارسة التعذيب. كل ذلك باسم المصالحة مع تاريخنا، وكأننا في خصام مع هذا التاريخ البطولي الوطني وليس مع تاريخنا المتصادم مع الاستعمار الفرنسي الذي يريد فرض رؤيته لهذا التاريخ الصدامي. يريد هذا البعض أن يصرفنا عن فكرة بأن تاريخ الثورة وبعده مخاض الاستقلال الوطني العسير والظروف التي ولد فيها، يتجاهل ذلك الصراع المرير الذي خضناه من أجل تأكيد استقلالنا الذي مايزال مستمرا إلى الآن. يريد البعض من هؤلاء تصفية حسابات مع الثورة عن طريق الطعن في قادتها. في نظر هؤلاء فإن الثورة هي سلسلة من المؤامرات وتصفية الحسابات الشخصية. وأن الاستقلال هو مجرد سلسلة من الانقلابات والدكتاتوريات والعنف والإقصاء، وأن العنف والإرهاب هو نتيجة لتسلسل هذا التاريخ بزعمهم. إننا نعرف جيدا المشاكل والإشكالات الصعبة التي صاحبت الثورة ومرحلة الاستقلال إلى اليوم. وندرك أن التاريخ الوطني الحديث هو ساحة مفتوحة بيننا وبين فرنسا الاستعمارية، وأن هذا التاريخ لم يتحرر من الاستعمار. لقد كان المفكر محمد الشريف ساحلي محقا عندما طرح  استراتيجية تحرير التاريخ الوطني من الهيمنة الاستعمارية.

التاريخ الوطني الحديث تحتاج كتابته إلى شروط معينة لم تتوفر بعد. يحتاج إلى علماء مختصين وتوثيق صحيح. يحتاج إلى استقرار. الجزائر ماتزال في حالة تحول كبرى، فمايزال مشروع بناء الدولة الوطنية المركزية. ماتزال قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان قائمة، مانزال في حاجة إلى استقرار أمني اجتماعي اقتصادي ثقافي. لا نستطيع أن نحل هذه القضايا التي هي قضايا وطنية، قضايا الأمة كلها وليست قضايا جهة معينة أو فئة معزولة. قضايا يحتاج حلها إلى المزيد من تماسك الأمة ووحدتها واستقرارها وليس إلى زرع الفتنة وإحداث شروخ البلقنة. التاريخ الوطني الحديث الذي جاء باستقلال الأمة واسترجاع الدولة الوطنية هو الذي يربطنا ويحدد مسارنا المستقبلي. خاصة تاريخ الثورة ومراحل الاستقلال العسيرة. مرحلة الاستقلال ماتزال في حاجة إلى البناء، البناء المتين والقوي الذي يحقق التقدم والاستقرار الطبيعي وليس الاستقرار المصطنع والمغشوش، المبني على الحسابات والأطماع الخاصة وليس على حسابات الأمة التي تبقى هي الهدف الأسمى.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.