زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

حتى لا تذهب الجزائر “في كيل الزيت”

القراءة من المصدر
حتى لا تذهب الجزائر “في كيل الزيت” ح.م

تكمن أهمية الأمثال الشعبية في اختصارها لذاكرة قرون، بما تحمله من المعاناة والألم، أو التفاؤل والأمل، وتوصل للخلف بعبارات موجزة حصيلة تجربة أسلافهم، اعتبارا بدروس الماضي واتقاء للعثرات التي يمكن أن تُولّدها قلة التجربة وانعدام الخبرة.

البوصلة الحقيقية التي على الإنسان أن يتبعها هي تلك التي تقوده إلى الإنسان نفسه، كرامة وعدالة وحرية، وأن كل العباءات التي تتدثر بها المواقف السياسية أو الأيديولوجيات الإسلامية والتنويرية لن تكون ذات قيمة، ما لم تجعل الإنسان نفسه قبلتها الأولى، احتراما وتقديسا..

كما تُعدّ حكمة الأسلاف المودعة في قوالب الأمثال بمثابة “دليل استخدام” يستفيد منه الإنسان، وهو من خير ما يورثه السلف للخلف، ولا يحتاج الإنسان لأن يكون “مثقفا” أو “عالما” حتى يستفيد من هذا “التراث” الذي يتناقله الناس شفاها، ولهذا نجد أمام كل عثرة مثلا أو أمثالا تكشف لنا سبب السقوط وكيفية تلافيه، حتى لا نُلدغ من جحره مرة أخرى.

لكن كيف عسانا نصف ما وصلنا إليه في الجزائر نتيجة سوء التسيير وغياب الثقة بين الشعب والنظام، ونتيجة “إفساد ممنهج” تنتهجه طوائف تختلف في توجهاتها ودوافعها، لكنها تتفق على أن عيش البلد في ظل الاستقرار لا يخدم مصالحها وأهدافها، أو مصالح وأهداف من وظفوهم. وهل تنفع حكمة السلف في تجنب سقوط الخلف؟

تجنّبتُ مرارا وتكرارا التعليق على أحداث سياسية وثقافية واجتماعية متعلقة ببلدي، لأسباب لعل أبرزها أن ما نراه من استقطاب سياسي واجتماعي وثقافي سبق وأن حدث مرات من قبل تحت عباءات مختلفة، يحدث الآن تحت عباءة الحراك، وأدرك أن أي خارطة طريق تشرّح الواقع تستلزم إحاطة شبه كاملة بما يحدث، إحاطة عليم، لا إحاطة كاهن “يضرب خطّ الرمل”، تُبنى على معطيات ووقائع، لا على خيالات وأمانٍ.

ثم إن ميادين السياسة والثقافة تتماهى فيها الألوان جميعها، وندر أن يُمسك فيها الإنسان بخيط شديد البياض أو شديد السواد، لأنها مزيج غير متجانس يضم حُسن النية إلى سوئها، والإخلاص إلى المصلحة، والعلم إلى الجهل، والنضال إلى الكبت أو التنفيس، والمنطق إلى “التاغنانت” وحكاية “معزة ولو طارت”.

في وسط هذه الأهواء المتصارعة، كنت، ولا أزال، أوقن أن البوصلة الحقيقية التي على الإنسان أن يتبعها هي تلك التي تقوده إلى الإنسان نفسه، كرامة وعدالة وحرية، وأن كل العباءات التي تتدثر بها المواقف السياسية أو الأيديولوجيات الإسلامية والتنويرية لن تكون ذات قيمة، ما لم تجعل الإنسان نفسه قبلتها الأولى، احتراما وتقديسا.

خاض الخائضون في الحراك وتخندق كثيرون مع النظام الذي لم يُفلح في تغيير جلده، بهاجس البحث عن الاستقرار والأمن، أو بهاجس الانتفاع من دورة “الريع” الجديدة، فيما اختار آخرون صف المعارضة ورفع سقف “اللاءات”، حتى التبس لدى بعضهم مفهوما الدولة والنظام، وتماهيا إلى درجة جعلت البعض لا يجد حرجا من الدعوة لإسقاط النظام، ولو على جثة الدولة.

في غمرة حرب الاستقطاب العمياء، تعرض مجاهدون وطنيون للتخوين، وفرح آخرون لاعتقال مناضلين وصحفيين، وبارك آخرون اللجوء إلى العنف لمنع المصوّتين، أو لطرد أشخاص ينتمون لفصيل سياسي أو فكري مخالف…

في معركة التمسك بالسلطة أو إسقاطها، كان الاستقطاب الأعمى سيّد الموقف بامتياز، واتفق كثيرون -من هذا الموقع أو ذاك- على نبذ تعدد الآراء، واستبدلوا الخلاف السياسي المبني على خلاف في التقدير ووجهات النظر إلى خلاف عقائدي، فصار المناهض للنظام في عيون الموالين “خائنا”، وصار الذي يختار الاستقرار ويرفض منطق المعارضة الأعمى “بو صبع الأزرق”، وكأنه مجرد بيدق من أبناء “وي وي” في زمن الاستعمار.

تراشق الجمعان، بل تلك الجموع، تراشقا افتراضيا في وسائل التواصل الاجتماعي، وتبادلوا أوصاف الوطنية والخيانة، وسلبوهما ممن شاءوا، ومنحوهما لمن شاءوا، جهلا أو اتباعا للهوى السياسي أو جريا وراء مصلحة ما أو إسهاما في إبقاء التنور مشتعلا لتحترق الطبخة ولا يأكلها أحد.

كان يمكن أن نعتبر ذلك نتيجة لنزوة شباب فتحوا أعينهم على واقع جديد لا يتحكم كثيرون بأدواته المعرفية والسياسية والنضالية، لكن انجرار “صُنّاع رأي” من مثقفين وصحفيين إلى حمأة هذه المعارك كشف عن إفلاس عميق يعاني منه المجتمع الذي يبدو أنه يحمل في جيناته قابلية الانفجار والتدمير الذاتي.

في غمرة حرب الاستقطاب العمياء، تعرض مجاهدون وطنيون للتخوين، وفرح آخرون لاعتقال مناضلين وصحفيين، وبارك آخرون اللجوء إلى العنف لمنع المصوّتين، أو لطرد أشخاص ينتمون لفصيل سياسي أو فكري مخالف.

وفي كل مرة، كانت الإدانة أو الدعم والمؤازرة توزّعان حسب الهوى السياسي أو الأيديولوجي، وليس حسب المبدأ الذي ينبغي ألا يختلف الناس حوله. تشفّى البعض في اعتقال زملاء لهم، وسكت آخرون عن تخوين الوطنيين، ونددوا بطرد من يوافق أهواءهم في نفس المكان الذي باركوا فيه طرد -والاعتداء- على من يخالفهم.

وبعدما كان الحراك “على قلب رجل واحد” في مطالبه الأساسية المشروعة، تجاذبته الاختلافات السياسية والفكرية (مع الإسلاميين أو ضدهم، مع العلمانية أو ضدها، مع مطالب الحركات النسوية أو ضدها، الخ).

كل ذلك كان في تقديري فصلا من فصول المأساة، بُعجره وبُجره، وبما فيه وما عليه، فيما تعتبر “أزمة الزيت” فصلا قائما بذاته، يكشف -على بساطته- سوء التسيير الذي تقع فيه الحكومة، و”تخلاط” المضاربين ومن يهمهم إبقاء البلد في حال اللاستقرار، وغياب ثقافة “الرشد الاستهلاكي” لدى الناس.

قارورة زيت فقط، في بلد يُنتج ما يفوق حاجة سكانه، كانت كفيلة بتعرية الواقع المزري الذي تعيشه الجزائر، وتصب دلو ماء على كل المساحيق التجميلية التي كانت تُغطي ما أفسده سوء التسيير وسوء التقدير والتدبير، من الحكومة إلى الشعب…

قارورة زيت فقط، في بلد يُنتج ما يفوق حاجة سكانه، كانت كفيلة بتعرية الواقع المزري الذي تعيشه الجزائر، وتصب دلو ماء على كل المساحيق التجميلية التي كانت تُغطي ما أفسده سوء التسيير وسوء التقدير والتدبير، من الحكومة إلى الشعب

علينا أن نعترف أولا وقبل كل شيء بأن هناك خللا كبيرا الشرطُ الأول في إصلاحه هو “إبداء حسن النية” لاسترجاع الثقة المفقودة بين السلطة ورعاياها، ثم تغيير آليات التسيير البائدة، والانطلاق من قاعدة أساسية مفادها أن ذهاب “الوطن” يعني حكم الإعدام للسلطة والشعب، في نفس الوقت، لأنه لا يمكن أن توجد سلطة من غير شعب، ولا شعب من غير نظام أو سلطة.

لم يعد مُقنعا لأحد التغني بـ”جزائر جديدة” تسير في نفس الطريق التي قادتنا إلى مآزق سياسية واحتراب مجتمعي، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من تغيير السلوكيات السابقة (في التسيير والإعلام والتواصل).

علينا أن نعترف أولا وقبل كل شيء بأن هناك خللا كبيرا الشرطُ الأول في إصلاحه هو “إبداء حسن النية” لاسترجاع الثقة المفقودة بين السلطة ورعاياها، ثم تغيير آليات التسيير البائدة، والانطلاق من قاعدة أساسية مفادها أن ذهاب “الوطن” يعني حكم الإعدام للسلطة والشعب، في نفس الوقت، لأنه لا يمكن أن توجد سلطة من غير شعب، ولا شعب من غير نظام أو سلطة.

حتى لا تذهب الجزائر في “كيل الزيت”، علينا أن نكون واعين بأن الحفاظ على الوطن ليس مسؤولية النظام فقط، وإن كان هو خط الدفاع الأول وعليه تحمل العبء الأثقل، ولكنه مسؤوليتنا جميعا، وأنه علينا كمواطنين الإيمان بأن قوة الوطن تنبع من الإيمان بكرامة المواطن واحترام حقوقه، مهما بدا رأيه مختلفا ومتناقضا مع آرائنا، من باب أن “زيتنا في دقيقنا”، وشرط ذلك الأول أن نكون أمة تحرص على إنتاج زيتها ودقيقها كما تحرص على حماية حدودها.

لا شيء يجعل الشعب قويّا مثل وحدة أهدافه.. ولا شيء يجعل السلطة قوية مثل احترام المواطن واعتباره رأسمالها الأول.. ولا شيء يجعل الوطن قويّا مثل الثقة الموجودة بين مواطن حر وكريم وسلطة مخلصة ونزيهة.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.