قراءة متمعنة ومقارنة لمضمون بعض الكتابات والتصريحات منذ أول مقابلة للفريق الوطني لكرة القدم في مونديال جنوب افريقيا إلى يومنا هذا، مع كل ما يصاحبها من 'هجوم' أو 'تهجم' و'اتهامات' ضد الناخب رابح سعدان ومساعديه، تعيد إلى الواجهة إشكالية تكاد تتحول إلى قاعدة تحكم فئات عريضة من المجتمع الجزائري، إنها ثقافة الإقصاء ونكران الجميل.
يشعر المرء بالإحباط كل ما فتح يوميا مواقع الصحف لقراءة بعض الكتابات والتصريحات التي يطلقها أشخاص لا يرسون على بر واحد.. وإلا كيف نفسر ما يكتب في بعض المنابر أقل ما يقال عنه: يبدو أن أصحابه ‘يكتبون تحت الطلب’، أو ‘لديهم أوامر يتلقونها’، او يكتبون لأجل ‘تصفيات حسابات مجهولة’.. وفي أحسن الأحوال: ربما يكتبون لإرضاء أصدقائهم وتلميع أشخاص على حساب آخرين!
ما أقصر ذاكرة البعض حينما تولى سعدان العارضة الفنية، يوم كان المنتخب الوطني شبيها بـ ‘الجرب’ الذي يعافه الكل، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع مجرد لعب الأدوار الأولى في كأس افريقيا، وحينما بدأ الخضر يقتربون من المونديال، وجدنا البعض يلوحون بسلاح التهديد: لا نقبل من سعدان أقل من التأهل للمونديال.
سريعا إذا..ارتفعت الطموحات، وعاش المجتمع في أحلام متواصلة لا يريد الاستيقاظ منها، حتى سمعنا البعض يراهن على أن الجزائر ستصل إلى نهائي مونديال جنوب افريقيا، وبلغت ‘الهيستريا’ لدى البعض إلى الجزم بأن الجزائر قادرة على التتويج بكأس العالم، وقهر البرازيل ومنتخبات عريقة، النجاح لديها ثقافة، وتخطيط، وعمل.. لا أحلام وضربات حظ.
هكذا هي طبيعة المجتمعات التي لا تعيش إلا على الأحلام.. أما تلك التي تخطط، فإن كل شيء عندها مدروس على أمد طويل، وهامش الخطأ والإخفاق لديهم قليل جدا.. بعد توفيق الله طبعا.
لا ضرر في أن نحلم.. لكن هل من حقنا أن نشتم من حقق لنا انجازات لم نكن نراها في الأحلام؟
بعد مباراة سلوفينيا انهالت الانتقادات على سعدان، وانبرت أقلام وأصوات، وخرج علينا بعض اللاعبين والفنيين، ممن لم يسجل لهم التاريخ أي انتصار أو إضافة أو تتويج يذكره لهم الشعب الجزائري، وكرة القدم الجزائرية، بل إنهم أخفقوا على مستوى الأندية.. هؤلاء تحولوا إلى ‘سحرة’ يملكون شيفرة الحل وبات الكل يفتي من موقعه، حتى أن بعضهم جزموا أن الإخفاق كتب علينا منذ استغنى سعدان عن لاعب ناديه الكروي.
لكن سرعان ما خفتت أصوات هؤلاء، حينما نجح الخضر في تحقيق تعادل تاريخي مع المنتخب الانجليزي، اعترف به الخصوم و’الأعداء’ قبل الأصدقاء..وإثرها، خفتت أصوات المنتقدين وتراجعت اتهاماتهم ضد سعدان، لكن لفترة قصيرة، ذلك أن الخروج ‘المنطقي’ من المونديال، جعلهم يخرجون سيوفهم بعد أن أوشكوا على إخفائها، وانبرت تلك الأقلام مجددا ضد الرجل، وسمعنا أصواتا وأقلاما لم تتوقف عن المطالبة برأس من كان بالأمس ‘منقذا للخضر’، وتحول اليوم إلى شخص ‘أناني’ لا تهمه سوى مصلحته.. ولم يتحرج بعضهم من القول: إن سعدان لا يهمه سوى 200 مليون سنتيم، وهم يدركون جيدا أن سعدان يمكنه أن يحقق أضعاف ذلك المبلغ لو قبل بالعروض الكثيرة التي تنهال عليه.
الكل يفتي
ليس دفاعا عن سعدان.. وأقسم أنني لم ألتقه يوما.. حتى لا يقول البعض إنني ‘قلم مأجور’ أو أي اتهامات أخرى.. ولست ضد المنتقدين تماما، فلدي رأي مشاهد بسيط أحب أن أقوله، رغم أنني لا أملك شهادة تسمح لي بأن أتحول إلى مدرب وتقني محترف، رغم أن شهادة ‘الإفتاء في الخطط التدريبية’ باتت في متناول 35 مليونا تحولوا كلهم إلى مدربين، على رأي سعدان.
طبيعي أن يطالب كل الجزائريين بتقييم المرحلة الماضية، ومن حق المختصين (أقول المختصين) أن ينتقدوا إنجازات سعدان ويطالبوا بتغييره، أو تغيير بعض من طاقمه، ومن واجب المدرب أن يستمع للانتقادات ويتقبلها، ويقبل بالحلول التي تحظى بالإجماع، وتكون في صالح الخضر، وليس في صالح أشخاص وزمر ولوبيات معينة.
ما ليس طبيعيا وغير مقبول، أن تسود مرة أخرى ثقافة نكران الجميل وتحكم مواقفنا وتفكيرنا،.. فالواجب الأخلاقي يقول إنه ينبغي لكل الجزائريين أن يعترفوا للمدرب القدير رابح سعدان بأنه سيظل مفخرة لكل الجزائريين، ويكفيه فخرا وانجازا أن ما حققه للفريق الجزائري لكرة القدم، وقبل ذلك، ما حققه للوطن في أهم محفل عالمي يشد انتباه العالم لم يحققه غيره، يكفي أنه المدرب الوحيد الذي قاد أو ساهم في قيادة الخضر في ثلاثة مونديالات.. وينبغي أن نعترف بأن ‘الشيخ’ أعاد الجزائر من بعيد، وأخرج الكرة من ‘المستنقع’، في وقت كان الخضر أشبه بالداء الذي ينفر منه الكثير من المدربين!
الرجل المنزه
إن كان من واجب سعدان أن يقبل ويتقبل الانتقادات.. ومن حق الفيدرالية أن تحاسبه.. بالمقابل، وجب التأكيد أن المسؤولية جماعية، لا يسلم منها حتى رئيس الاتحادية محمد روراوة نفسه، لأن توفير الأموال والإمكانات ليس كافيا ليقول روراوة ان لا أحد من حقه أن يحاسبه بعد انتهاء المونديال.. ومن دون أن ننكر للرجل جهوده وخدماته لأجل الوطن، إلا أن ذلك لا يمنعنا من القول: إن أي رئيس اتحادية سابق أو قادم كان سيكون ‘محظوظا’ و’سعيدا’ لو نال ما ناله روراوة من ‘ضوء أخضر’ ليصرف كيفما يشاء ويوفر ما يطلبه الخضر، لأجل غاية تستفيد منها السلطة ايضا.. لأن الواقع أثبت أن كرة القدم هي الوحيدة القادرة على تحقيق الأفراح في الجزائر، ونيل صمت الشعب، والوحيدة القادرة على أن تنسيه مشاكله اليومية ومآسيه ولو مؤقتا.
ما أحوجنا إلى وعي يجعل المجتمع، ولا سيما النخبة، ممثلة في الاختصاصيين والإعلاميين يتصرفون بمنطق النقد البناء الذي يقف على السلبيات ولا ينكر الايجابيات، ولا يتنصل من إنجازات الآخرين.. فليس من حق البعض أن يحولوا سعدان اليوم إلى ‘أناني’ و’مرتزق’ و’مدرب فاشل’.. بعدما كان بالأمس ‘منقذا لكرة القدم الجزائرية’، وأخرج لوحده الملايين إلى الشوارع فرحا بالإنجاز الذي أعادنا إلى الواجهة، وأنسى الجزائريين نسبيا مآسيهم وأحزانهم!
ماجر وروراوة.. والذاكرة القصيرة
ما يتعرض له سعدان ليس وليد اليوم.. فمنذ الاستقلال، وما بعده.. تسود ثقافة الإقصاء وإنكار الآخر.. ألم نسمع سياسيين حولوا مجاهدين وشهداء إلى خونة؟ ألم نسمع مسؤولين ينكرون من سبقهم؟ ألم يقل أحدهم للشعب ان لا شيء تحقق في الجزائر قبل مجيئنا إلى السلطة؟ أو قولهم: إن كل من سبقوني لم يفعلوا شيئا، بل هم سبب الأزمة والبلوة؟
ولأن ذاكرة البعض قصيرة، فهل تناسى هؤلاء أن ماجر ـ على سبيل المثال لا الحصرـ الذي يطالب به البعض اليوم بإلحاح كان بالأمس عدوا وأخرج ثلاث مرات من الباب الضيق، تماما مثل سعدان، الذي شُتم وحورب بعد مونديال مكسيكو 1986، ثم عدنا نطالب به بإلحاح بعد أن بلغت كرتنا الحضيض ونفر الكثيرون من تدريب الخضر، واليوم يحاول البعض طرده بأعنف الطرق وقبلهما روراوة نفسه وصف بأبشع الأوصاف وحمل كل مآسي الكرة، واليوم تحول الرجل المسنود من أعلى مستوى إلى مسؤول منزه من الانتقاد، فلم نسمع ولم نقرأ سطرا واحدا ضده بعد الخروج من المونديال.. لكن لا شيء يضمن أنه لن يكون في فم المدفع مستقبلا..وقس على هذا المنوال، ما يحدث مع لاعبين ومسؤولين نمدحهم اليوم ولما يخفقون كحال كل البشر نحولهم إلى شياطين وسبب البلوى.. من بولمرقة، إلى منصوري، و.. و..و بينما تحول مدربون أجانب ‘مغمورون’ لم يحققوا شيئا للخضر إلى خبراء تفتح لهم المنابر ليقولوا كلمتهم في سعدان.
زبدة القول: سنتقدم حتما وسنعرف الاستمرارية والاستدامة في الانجازات حينما يتعلم أولوا الأمر، ومن بينهم أصحاب القرار، ومن يملكون الكلمة والمنبر، أن إنكار الآخر، وتجاهل انجازاته لن يفيد الجزائر في شيء.. لأن سعدان لم يكن أول من تنكر انجازاته من لدن البعض، ولا يبدو انه سيكون الأخير…ومادام الأمر كذلك: سيتردد الكثيرون في التضحية وتحمل المسؤولية حينما ينفر منها الآخرون، لأنهم يدركون أن الذاكرة قصيرة.. ولسان حالهم يقول: لا تقلق، سينسونك، وسيشتمونك سريعا ولو علقوا لك اليوم أعلى النياشين والأوسمة.
(*) كااتب وصحافي جزائري
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.