المشاهد اليومية للصمود المصري في وجه آلة القتل والترهيب المنظم، يحيلنا لاستحضار مقولة الراحل هواري بومدين "اليوم الذي يقبل فيه العرب دفع ثمن الحرية هو اليوم الذي تتحرر فيه فلسطين"، الرجل حسم أمر مستقبل الأمة برمته في هذه الكلمة، فالمعركة بين شعب مصر و الانقلابين معركة الأمة كافة ضد الكيان الصهيوني. إنها معركة الإسلام واليهودية في كل تجلياتها، و لا يكفي فيها فقط قَبول التضحية إذا فرضت على المسلمين في مصر و باقي البلاد الإسلامية، بل تتطلب "الإقبال". إنني هنا مضطر لاستسماح الراحل بومدين بإدخال حركة بسيطة على كلمته و تعديل فتحة ياء "يَقبل" بالضم لتصبح "يُقبل". لا يكفي أن تعرض علينا المعركة و يكون لنا فيها حق الرفض أو القبول، إنما لا بد أن نُقبل عليها و نرخص أرواحنا و أموالنا و أولادنا في سبيلها. إن معركة "السيسي" ضد المصريين (لا أقول ضد الإخوان) معركة الإسلام و المسلمين ضد الكفر و الكفرة مهما تعددت مسمياتهم وانتماءاتهم، فلو كان طرفاها " السيسي" و الإخوان لوجد الإنقلابيون أنفسهم يواجهون بضعة ألاف بلا موجه و لا قائد. لكن الواقع الميداني يفند هذا و يثبت شمولية وعالمية، بل كونية المعركة.
على الرغم من أن بعض دعاة الانقلاب انقلبوا على أعقابهم، وتحولوا بحركة “أكروباتية” إلى مناهضين “للسيسي” الذي راودوه عن نفسه و دفعوه إلى الانقلاب دفعا و زينوا له الجريمة، إلا أنهم فعلوا ذلك أول الأمر بدافع محاربة الإسلام وسيتنكرون اليوم جرائمه نكاية فيه، لأنه لم يمنحهم ما منّوا به أنفسهم لا حبا في الديمقراطية التي يتشدقون بها إنها هي شطحات بائسة لإعادة التموقع، و مناورة صفيقة لإعادة تسويق شخوصهم في البورصة الحقوقية الإنسانية التي تهاوت أسهمهم فيها على وقع جريمتي فض اعتصامي “رابعة” و “النهضة”، فطفقوا الآن تائهي السبل بين الاعتذار للشعب عن إسهامهم في الجريمة و بين التودد لكبار عصابة الانقلاب، طلبا لقليل فتات مناصب و مكاسب.
إنهم يريدون بكل هذه الشطحات و التحول من حال إلى حال أن يرمموا عذرية شرفهم الوطني و الإنساني التي فضها “بلاطجة السيسي” يوم فضوا الإعتصامين بالحديد و النار و الجرافات، فانزلوا أنفسهم منزلة بين منزلتي الشرعية الشعبية و الهمجية الانقلابية. و هؤلاء الناس هم أخطر خطر على ثورة 25 يناير لأنهم عبيد متاع كما وصف “لينين” أمثالهم، لأنهم مجرد انتفاعيين صوليين انتهازيين، يميلون حيث مالت المصلحة أو على الأقل “هم مع الواقف حتى و لو كان حمارا أو “سيسي” – بتعبير أجدادنا الجزائريين- و لهذا يجب على المصريين أن يحذروهم في معركة الحسم هذه، و لا يغرنهم قفزهم من سفينة الانقلاب لأنهم فروا منها كجرذان جرباء قبل غرقها (وستغرق في دماء المصريين إن شاء الله)، و ألا يثقوا فيمن لا عهد له و لا ميثاق من أمثال حركات “6 إبليس” و البرادعي و غيرهم ممن ” قلبوا الفيستة”. فهؤلاء هم العدو و لابد من أخذ الحيطة والحذر منهم، و عليهم كان عليهم حق احترام العدو مع قتاله، فهؤلاء لا حق لهم على المصريين لأنهم خانوا ثم خانوا ثم خانوا حتى هانوا، و حتى لم يسلم من خيانتهم بر (المصريون) ولا فاجر (الانقلابيون)
معركة الإسلام ضد اليهود في مصر تتطلب كما أسلفنا إقبالا، و الإقبال يجب أن يكون بثقة في الله ثم في الشعب، و تضحية ستكون مرة مريرة و لكنها ستكسر شوكة الظلم حينها يكتشف الناس أجمعون ما عناه المفكر “محمد إقبال” في قولته بأن ” المسلم الضعيف يتعلل بالقضاء والقدر، أما المسلم القوي فهو قضاء الله و قدره في الأرض”. اليوم سقطت الأقنعة و تبين خيط الشرعية الوطنية الأبيض من خيط الخيانة الأسود، و عادت الأمور في مصر إلى سيرتها الأولى. مبارك في القصر بين الخدم و الحشم، الإخوان في السجون وجماعتهم تحل بقوة قانون القضاء “الشامخ”، و إعلام الفتنة و العمالة يخوّن “مرسي” ويصدق “السيسي”. لكن رغم ذلك فمن العبث رد عجلة التاريخ إلى الخلف مع أنها قد تتوقف لهنيهة، و مصر كلها في الشارع و على “السيسي” أن يبيد 90 مليون مصري حتى يبقى وحده يحكم “كمشة” من الشواذ و العاهرات الذين أسماهم أحدهم بـ ” شعب” في تسبيحه بحمد “السيسي” و ثنائه عليه. هكذا كان لسان حال الانقلاب كاشفا ما يحدث وما يراد حدوثه على لسان علي الحجار في أغنية ” أنتم شعب (المصريون) ونحن شعب (الحقيقة لا أدري أي شعب يقصد)”
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.