لا شك أننا نعيش اليوم في كنف عالم ضيق الصدر متسارع الأنفاس، لا تكاد أحداثه العظام تتوقف.
بالأمس كنا نتابع على الشاشات حرب أوكرانيا، ليخطف منها الفرقاء السودانيين الأضواء مجسدين مقولة سفير بريطاني سابق في بيروت عام 1992 حين سئل: هل سيقسم السودان إلى دولتين، فأجاب: للأسف يمكن تقسيمه إلى أربعة. لهذا يبدو أن المتناحرين السودانيين جاؤوا ليكملوا المهمة بعد أن انشطر السودان منذ سنوات إلى دولتين شمال وجنوب.
قائمة طويلة من الحقوق أصبحت تشكل وسائل ضغط على الأنظمة المارقة من منظور الغرب، الذي يسخر جمعيات ومنظمات تحت السيطرة لتكثر الضجيج العالمي حول هذه المسائل حتى أصبحت سيادة الدولة بالمعنى الحقيقي غير موجودة فعليا، وأصبح معنى السيادة لبلد ما يرتبط بمصلحة دولة كبرى…
@ طالع أيضا: في فلسفة الصراع العربي الإسرائيلي.. الثقة!
وبعد السودان جاءت دول الساحل الإفريقي لتصنع الحدث بسلسلة انقلابات عسكرية وأخرها انقلاب النيجر الذي لولا زلزال المغرب وفيضانات درنة بليبيا، ثم بعدهما انفجار الأوضاع في قطاع غزة وطوفان الأقصى ضد المحتل الغاصب لظل الحديث عن النيجر وظاهرة عدم الاستقرار السياسي في دول الساحل الإفريقي حديث عام 2023.
ومن المؤكد حين تهدأ الأمور على هكذا جبهات، ستعود الأنظار لتنصب من جديد على القارة السمراء، ويعاد طرح الأسئلة من جديد، من قبيل:
لماذا لم يتعامل العالم مع انقلاب النيجر كتعامله مع بقية الانقلابات العسكرية التي اجتاحت القارة السمراء إلى درجة أن أصبح ثلث القارة في فترة من الفترات تحت حكم العسكر؟
هل لدولة النيجر خصوصية جيوسياسية أو أهمية اقتصادية أو قوة بشرية لا يمكن تجاهلها؟.وهل لو سبق انقلاب النيجر انقلاب بوركينا فاسو ومالي، أكانت ردود الفعل تكون متماثلة؟.
أم أن انقلابات بوركينا فاسو ومالي وبعدهما النيجر وقد تلحق بهم تشاد والكاميرون والسودان وربما السينغال تؤشر على أمر ما، يجعل من الأهمية وجوب التصدي للظاهرة قبل أن تستفحل؟.
هنا مربط الفرس، فالأمر يبدو كأنه حرب نفوذ عالمية صامتة عنوانها المجال الحيوي.
المجال الحيوي بشكل عام هو المساحة اللازمة لتطور واستمرار الكائن الحي. وتم تطبيق هذا على الدول كنظرية تقول:
أن الدولة مثلها مثل الكائن الحي تحتاج إلى توسع يواكب نموها. وكان أول من فكر بهذه الطريقة هي ألمانيا النازية التي رأت أن تأمين النمو لاقتصادها يلزمها التوسع في أراضي الدول المجاورة لها لتأمين المواد اللازمة لبناء قوة الأمة الألمانية.
وقد انهارت نظرية المجال الحيوي بانهزام النازية باعتبارها نظرية خطيرة تتيح ممارسة النفوذ بالغزو المسلح للأقاليم والدول الأخرى التي اعتبرتها ألمانيا مجالها الحيوي.
لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتورع عن إحياء النظرية النازية وتطبيقها كلما أملت مصالحها القومية ذلك.
كانت الأمور ستسير وفق المشيئة الأمريكية لولا وصول رجل إسمه فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 1999، والذي قام بمراجعة سياسة بلاده الخارجية من خلال التركيز على المجال الحيوي واسترجاع مكانة روسيا الدولية، ووضع القدم الروسية إلى جانب القدم الأمريكية حيثما تطلبت المصلحة الروسية وحيثما أدركت روسيا أن مجالها الحيوي يتطلب ذلك، ولو أدى الأمر إلى الصدام المباشر.
@ طالع أيضا: الحرب حيث اللاحرب..!
ذلك من خلال انتهازها لفرصة انهيار الاتحاد السوفياتي وقيامها بتمديد مجالها الحيوي إلى دول أوروبا الشرقية لتصبح تابعة لها سياسيا بضمها إلى حلف الناتو وإقامة شبكة من الصواريخ الاستراتيجية البعيدة المدى تحاصر بها الروس. الأمر الذي أتاح للولايات المتحدة أن تصبح قــوة عالمية لامنافس لها وفي مختلف المجالات وعلى كافة المستويات العالمية والإقليمية.
لقد قام النظام الدولي الجديد على رؤى وتصورات أميركية تعبـر عن طروحات الدولة المنتصرة. وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن تصورات هتلر الذي حاربته البشرية جمعاء.
فقد جاء صموئيل هنتغتون بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بنظرية صدام الحضارات، التي أتاحت لساسة البيت الأبيض إظهار الحضارات الأخرى وكأنها حضارات معادية للحضارة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
وجاء فوكوياما بنظرية نهاية التاريخ التي بشرت بأن الديمقراطية الليبرالية تمثل المرحلة النهائية للتطور الايديولوجي للجنس البشري، والشكل النهائي لحكم الانسان.
فكانت الفرصة التاريخية التي مهدت إلى تعزيز المجال الحيوي الاميركي ليشمل مختلف مناطق العالم. بل وأعطت للولايات المتحدة شرعية زائفة للسيطرة على العالم.
وقد تعزز هذا التوجه بعد أحداث 11 سبتمبر2001 وما شكلتـه من تحديات استراتيجية للولايات المتحدة. حيث أخذت فكــرة المجال الحيوي الأميركـي أبعــادا مختلفـة وخطيرة.
إذ انتقل نطاق المجال الحيوي من الحيز الجغرافي القاري إلى فضاءات أخرى تمثلت بدايتها في الفضاءات الاقتصادية ثم إلى عالمية المبادئ مثل حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ثم إلى الافتراض الوهمي بحماية الأمن القومي الأمريكي. كلها أصبحت تشكل خريطة تحديد الجيوــ استراتيجية العالمية.
واليوم تطور مفهوم نظرية المجال الحيوي بتطور أدوات التنفيذ؛ حيث برزت أدوات جديدة للسيطرة يظهر فيها بشكل زائف وجه الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأطفال وحقوق النساء وحقوق السجناء وقائمة طويلة من الحقوق أصبحت تشكل وسائل ضغط على الأنظمة المارقة من منظور الغرب، الذي يسخر جمعيات ومنظمات تحت السيطرة لتكثر الضجيج العالمي حول هذه المسائل حتى أصبحت سيادة الدولة بالمعنى الحقيقي غير موجودة فعليا، وأصبح معنى السيادة لبلد ما يرتبط بمصلحة دولة كبرى.
كل هذا كان ممكنا لأمريكا نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك دوله وغياب روسيا الاتحادية عن الساحة الدولية لعقد من الزمن، نتيجة انكفائها على ذاتها وترتيبها لشؤونها الداخلية، وهو ما سمح للولايات المتحدة الأمريكية بتعزيز نفوذها وريادتها العالمية.
الأمر الذي جعل روسيا تتدارك الأمر وتسارع بوضع قدمها في سوريا المجاورة واعتبارها مجالا حيويا روسيا تطلب منها التدخل العسكري في الأزمة السورية وهي لن تخرج من سوريا ما دامت أمريكا في العراق.
@ طالع أيضا: سيناريو عالم ما بعد حرب أوكرانيا
كانت الأمور ستسير وفق المشيئة الأمريكية لولا وصول رجل إسمه فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 1999، والذي قام بمراجعة سياسة بلاده الخارجية من خلال التركيز على المجال الحيوي واسترجاع مكانة روسيا الدولية، ووضع القدم الروسية إلى جانب القدم الأمريكية حيثما تطلبت المصلحة الروسية وحيثما أدركت روسيا أن مجالها الحيوي يتطلب ذلك، ولو أدى الأمر إلى الصدام المباشر.
فقد قالها يوما بأن التهديدات التي تواجهها روسيا تهديدات وجودية. ما دفعه للاهتمام بأوكرانيا بشكل حصري نظرا لموقعها الجيوسياسي ومركزيتها لدى الغرب وروسيا معا. وروسيا اليوم تخوض فيها معركة وجودية لا يجب أن تخسرها.
لقد تساءلت في موضوع سابق عن الاستراتيجية والاستراتيجية العليا، وأعطيت مثال العراق بالقول بأنه إذا كانت استراتيجية أمريكا في العراق هي إسقاط نظام صدام حسين، فإن الاستراتيجية الأمريكية العليا في العراق تجيبنا على السؤال: ما العمل بالعراق بعد إسقاط نظام صدام حسين؟.
والإجابة على السؤال لم تكن لتخفى على الدب الروسي بوتين. الذي يرى أن التطبيق العسكري الفعلي لنظرية المجال الحيوي بالصيغة الأمريكية تجسد في غزو العراق واحتلاله واعتباره من قبل واشنطن مجالا حيويا لها، بحكم أن العراق يمتلك مخزونا هائلا من النفط تريد أن تقوم بحراسته مباشرة لضمان تدفقه، وذلك من خلال إقامة قواعد عسكرية دائمة بالعراق وفي دول الجوار.
الأمر الذي جعل روسيا تتدارك الأمر وتسارع بوضع قدمها في سوريا المجاورة واعتبارها مجالا حيويا روسيا تطلب منها التدخل العسكري في الأزمة السورية وهي لن تخرج من سوريا ما دامت أمريكا في العراق.
واليوم تلتفت القوتان العظميان ومعهما الصين إلى القارة السمراء وما تحويه من ثروات تجعلها المجال الحيوي لأي من القوى التي تريد الريادة العالمية.
وكان من البديهي أن ينحسر في ظل هذا السباق دور القوى الاستعمارية السابقة مثل فرنسا وبريطانيا غير القادرتين على المزاحمة في حروب المجال الحيوي. ومن البديهي كذلك أن تسارع القوى الثلاثة الكبرى إلى المسرح الإفريقي كل بوسائله المختلفة.
فالصين تريد بسط هيمنتها عبر الحوافز الاقتصادية، والروس يعرضون خدمات فاغنر ممزوجة بأفكار التخلص من هيمنة مستعمر الأمس، والولايات المتحدة تحاول كما دأبت في بقية القارات التحكم في مفاصل القارة عبر القواعد العسكرية.
لهذا لا تخرج صولات وجولات قوات فاغنر الروسية في الرقعة الإفريقية عن مثل هذه المقاربة سواء تعلق الأمر بليبيا أو السودان واليوم منطقة الساحل الإفريقي برمتها من شرقها بالسودان إلى غربها بموريتانيا وما تحويه من ثروات أقلها اليورانيوم والذهب اللذين يسيل لهما لعاب من لا لعاب له.
جاء انقلاب النيجر بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، حين أدرك الغرب أن روسيا صار لها مجال حيوي إفريقي وتتقدم بخطوات ثابتة على حساب فرنسا ومعها القوى الغربية وعلى رأسها طبعا الولايات المتحدة الأمريكية.
@ طالع أيضا: الوجه الآخر لعلاقتنا بأزمة جيراننا في النيجر
لهذا جاء انقلاب النيجر بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، حين أدرك الغرب أن روسيا صار لها مجال حيوي إفريقي وتتقدم بخطوات ثابتة على حساب فرنسا ومعها القوى الغربية وعلى رأسها طبعا الولايات المتحدة الأمريكية.
هتلر النازي الذي لا يجوز أخلاقيا مجاراة أفكاره وسياساته، صار الملهم الأول لأمريكا فيما يتعلق بنظرية المجال الحيوي، لتبرير توسعها على حساب الدول الأخرى لتأمين حاجات شعبها دون النظر إلى حاجات الشعوب في هذه الدول إلا بما يتناسب مع مصلحتها.
وللأسف حدت حذوها الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا لاستنزاف خيرات القارة السمراء، التي أدرك زعماؤها الشباب الجدد وعلى رأسهم إبراهيم تراوري من بوركينا فاسو بأنه ضمن هذه النظرية لا يوجد حدود لأطماع الغرب، التي تتنامى بما يتناسب طرديا مع النمو الاقتصادي والعسكري لدول الغرب.
لهذا فإن ما يحدث في إفريقيا اليوم وآخرها انقلاب النيجر ليس بالضرورة عودة لظاهرة الانقلابات العسكرية التي تميز القارة السمراء عن بقية القارات، بقدر ما هو هذه المرة بداية لحرب عالمية صامتة عنوانها المجال الحيوي.. فلمن ستكون الغلبة والريادة؟
@ طالع أيضا: هل انتهى زمن لعنة الصفر الأمريكي!؟
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.