نجحتُ في الشهور الأخيرة في تحدٍّ صعبٍ لم أكن أعتقد أنني سأنجح فيه، وهو أن أتمكّن من قيادة السيارة وأبقى مع نفسي لأوقات طويلة دون موسيقى أو راديو أو بودكاست أو أي مشتتاتٍ أخرى. أنا والسيارة ونفسي والطريق. كان هذا البقاء مع النفس بمثابة رُهابٍ حقيقي لي، وحتى لغيري.
يخاف الناس من الاختلاء بأنفسهم. لكنني، خلال هذه الأوقات، وجدتُ متعةً في هذا الأمر. لقد ساعدني كثيرًا على التفكير والتأمل وحلِّ بعض الأمور العالقة، ومنحني مساحةً للتفكير الإبداعي. بل وحتى العديد من الأفكار التي جسّدتُها في كتابي “تين شوكي” جاءتني خلال تلك اللحظات.
عندما يُتقن الإنسان فنّ البقاء مع نفسه، سواءً عند قيادة السيارة أو المشي، يصبح أكثر هدوءًا في عالمٍ يعجُّ بالضجيج، وأكثر ميلاً لعزلة تفتح أمامه أبواب التأمل والإبداع.
@ طالع أيضا: معجزة ضوء الفجر الأزرق!
يخاف الناس من الاختلاء بأنفسهم لأن الصمت الداخلي يكشف لهم عن أفكارٍ ومشاعر قد لا يرغبون في مواجهتها.
قد يُحيل الصمت الإنسان إلى ضميره وقد يجعله يلوم نفسه على أخطاء وقرارات، وقد يواجه القلق والمشاعر وحتى الذكريات المكبوتة، كما قد تكون الأفكار هجومية. لذا تجد أغلب الناس يملؤون كل لحظةٍ بالموسيقى أو البرامج أو أي شيءٍ يُشتت انتباههم.
عندما يحين وقت الصلاة، يتحوّل (أخيرا) إلى فرصة للاختلاء بالنفس والتفكير في الأمور العالقة، رغم أنه وقت خشوع لا يفترض بالإنسان أن يذهب بعقله إلي أمور الدنيا ومشاغلها. لم يعد هناك مكان يبقى فيه الإنسان مع ذاته سوى في الصلاة، حتى المراحيض – أكرمكم الله – صرنا ندخلها بهواتفنا.
عندما يُتقن الإنسان فنّ البقاء مع نفسه، سواءً عند قيادة السيارة أو المشي، يصبح أكثر هدوءًا في عالمٍ يعجُّ بالضجيج، وأكثر ميلاً لعزلة تفتح أمامه أبواب التأمل والإبداع.
سيتوقف تدفق المعلومات الهائل عبر مختلف المستقطبات، وسيرتاح العقل أخيرًا، وسيبدأ الإنسان بفهم نفسه. سيتعلم التخطيط والتفكير في المستقبل، ولن يترك الأمور تتراكم أو تتأجل، وسيستفيد كثيرًا في إبطاء سرعته فنحن نركض في مضمار الحياة بسرعة 200 كلم/س مع زيادة التركيز والتقليل من النسيان.
عندما يحين وقت الصلاة، يتحوّل (أخيرا) إلى فرصة للاختلاء بالنفس والتفكير في الأمور العالقة، رغم أنه وقت خشوع لا يفترض بالإنسان أن يذهب بعقله إلي أمور الدنيا ومشاغلها.
@ طالع أيضا: الأب الجزائري.. من يتحدث عن تضحياته؟!
لقد عالجتُ مشكلة النسيان بهذه الطريقة، وأمسِ، خلال رحلةٍ طويلةٍ بالسيارة، تذكرتُ عدة مسائل عالقة؛ تذكرتُ أشخاصًا أدين لهم بالمال، وتذكرتُ فواتير غير مدفوعة، وتذكرتُ الاتصال ببعض الأشخاص والذهاب لتعزية صديق.
حاول أن تبدأ بدقائق تقضيها بعد كل صلاة، لا تفعل فيها شيئا، سيكون الأمر مملا ثم ستتعود عليه.
حاول أن تتعلم العيش بمفردك. ليس من الضروري أن يكون لك مرافقٌ في كل مكانٍ تذهب إليه.
انفرد بنفسك، لقد قيل: أفضل من يمكن أن يكونوا أصدقاءٍ لنا هم الذين لا ينتظرون الكثير من الآخرين، الذين يمكنهم الخروج وحدهم للتمشي وقضاء أحوالهم بمفردهم؛ فسقف توقعاتهم منخفض، كما أنهم يتمعون بالاستقلالية والقدرة على الاعتماد على أنفسهم!
هل أنت من الأشخاص الذين يستطيعون البقاء مع أنفسهم؟
@ طالع أيضا: لا تبع صحتك مقابل راتب شهري!
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.