زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

العربية.. بين تقصير المستبدين وواجب المثقفين

فيسبوك القراءة من المصدر
العربية.. بين تقصير المستبدين وواجب المثقفين ح.م

بمناسبة حلول اليوم العالمي للاحتفاء باللغة العربية، شعرت برغبة ملحّة في نشر هذه الخاطرة النابعة من القلب.

إذا كانت اللغة الأمازيغية هي لغة أمومتي، فإن اللغة العربية كانت بالنسبة لجيلي وأجيال عديدة سابقة، هي لغة التعلّم عندنا لدى كُتّاب قريتنا ذات النسب الشريف(مرابطون)، ولم أشعر أبدا بالصراع بين اللغتين، اللتين كانتا تسريان في عروقي سريان الدّم فيها..

لقد غاضني احتفاء الرّسميين عندنا بهذا اليوم السعيد، بطرائق تنضح نفاقا ورياء ومصانعة، لترضية سادة القوم الذين تسببوا في إهانة اللغة العربية.

كما آلمني الخطاب التنطعيّ المغالي في الدفاع عن اللغة العربية بمخالب جارحة، يسيء إلى العربية أكثر ممّا يخدمها، ويخرجها عن “رحابة القرآن” الذي يعتبر تعدّد الألسن ظاهرة طبيعية في المعمورة، سار على هداها السلف الصالح وأخصّ بالذكر علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وكرّم وجهه) الذي دعا إلى تعلّم اللغات بقوله: <تعلموا الألسن، فإن كلّ لسان بإنسان>.

وعليه لا يمكن للعربية أن تزدهر إلاّ في سياق احترام لغات الناس المتنوّعة، وفي سياق المثاقفة والمقابسة، كما أنه لا يمكن أن تسترجع العربية مكانتها المغتصبة من طرف اللغات الأجنبية في العالم العربيّ، إلاّ في جوّ الديمقراطية الذي سيقضي على المستبدين أتباع الغرب الجاثمين على صدور الشعوب العربية، الرافضين لترقية العربية في سياق الحداثة.

إذا كانت اللغة الأمازيغية هي لغة أمومتي، فإن اللغة العربية كانت بالنسبة لجيلي وأجيال عديدة سابقة، هي لغة التعلّم عندنا لدى كُتّاب قريتنا ذات النسب الشريف(مرابطون)، ولم أشعر أبدا بالصراع بين اللغتين، اللتين كانتا تسريان في عروقي سريان الدّم فيها.

كنّا نستعين في تعلّمنا لمبادىء اللغة العربية على ألواح خشبية، باللسان الأمازيغي، وللعلم فقد رفض أجدادي قبول فتح مدرسة فرنسية في القرية رغم المحاولات الفرنسية العديدة لتحقيق ذلك منذ أواخر القرن 19م.
وفي هذا السياق تناهى إلى علمي أن أعيان قريتنا قد اضطروا أمام إلحاح الفرنسيين لبناء مدرستهم عندنا، إلى إخراج طلبة الكُتّاب بألواحهم، معلنين للمسؤول الفرنسي أنّهم غير مستعدّين للتضحية بالتعليم العربي الذي ورثوه عن أجدادهم.

الأمازيغية لم تكن في ماضيها خصما للعربية، ولا يمكن أن تكون كذلك في الحاضر إن أسند أمرها لأهل العلم والنهى، وحرصا على اقتفاء آثار الأجداد الذين أوصلوا إلينا اللغتين الأمازيغية والعربية في إطار تكامليّ جمعهما حبل الله المتين، فإنه من العبث أن نغيّر هذه العلاقة التكاملية، بعلاقة تنافرية / تصادمية بينهما..!

لقد أنجب المجتمع الأمازيغي أقلاما وألسنة للغة العربية -دون التضحية بالأمازيغية-، أذكر منهم في العهود القديمة على سبيل المثال، ابن مُعْطي الزواوي (ق.13م) صاحب الألفية السابقة على ألفية ابن مالك، والشاعر البوصيري صاحب البردة، وأبا روح عيسى المنڤلاتي، الذي ناظر الشيخ ابن تيمية في مسألة الطلاق، والشيخ الطاهر الجزائري الوغليسيّ أحد رواد النهضة العربية في الشام، وغيرهم من علماء تلمسان وبجاية وقسنطينة ووهران والصحراء.

الحاصل أن الأمازيغية لم تكن في ماضيها خصما للعربية، ولا يمكن أن تكون كذلك في الحاضر إن أسند أمرها لأهل العلم والنهى، وحرصا على اقتفاء آثار الأجداد الذين أوصلوا إلينا اللغتين الأمازيغية والعربية في إطار تكامليّ جمعهما حبل الله المتين، فإنه من العبث أن نغيّر هذه العلاقة التكاملية، بعلاقة تنافرية / تصادمية بينهما.

إن العربية التي تعلمتها في كُتّاب قريتي ليس لها أنياب، فهي عربية متسامحة مع أمازيغيتي، ودرجتُ على هذا المنوال أيضا بعد انتقالي إلى العاصمة في السّن الحادية عشرة من عمري، فنهلت العربية من الكتب المدرسية اللبنانية التي حملت في نصوصها الحداثة والعقلانية واحترام اللغات الأخرى، بدليل أن كتب المطالعة كانت تتضمن نصوصا باللغتين الانجليزية والفرنسية، وكان يُطلب منّا ترجمتُها، لذا رضعنا منها الانفتاح والتسامح.. تعلمتُ لغة عربية جميلة كتبَ نصوصَها مسلمون ومسيحيون، تجعل المتعلمَ يحترم الأديان.

والجدير بالذكر أن فضل الكتب اللبنانية المتنوّرة قد طال الثقافة الأمازيغية، فما زلت أتذكّر أنني قرأت لأوّل مرّة إبداع الشاعر الأمازيغي سي مُحَندْ اُومْحَندْ باللغة العربية بفضل كتاب الدكتورة سعاد خضر الخاص بـ “الأدب الجزائري المعاصر” الصادر سنة 1967م، أما في مجال الدين فما زلتُ أملك في مكتبتي ذلك الكتيب الموسوم: “المسلم الصغير” الذي تعلمتُ منه الصلاة بالسّدل لا بالقبض كما الآن.

كان من باب أولى أن نطرح على أنفسنا ونحن في غمرة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، إشكالية تراجع اللغة العربية في العالم العربي إلى الخطوط الخلفية، أمام زحف اللغات الأجنبية واعتدائها على سيادة الشعوب العربية، في الوقت الذي استطاعت فيه شعوب أقلّ عددا وأقل رصيدا حضاريا من العرب، من الخروج من دائرة التخلف بلغاتها الوطنية؟ صدق الأديب إبراهيم اليازجي في قوله: “اللغة بأهلها تشبّ بشبابهم وتهرم بهرمهم”.
لا شك أن الأسباب تتمثل في فساد الأنظمة السياسية الشمولية، التي يملؤها الشعور بعقدة النّقص إزاء لغات المستعمرين، وفي خضوع حكامنا لإملاءات دول غربية هادفة إلى توطين لغاتها في العالم العربي، كما يحدث عندنا باسم الإصلاح التربوي.

عملا بالمثل القائل: <لا يستقيم الظل والعود أعوج>، أقول إن وضع اللغة العربية لن يستقيم في ظل تغييب إرادة الشعوب العربية، وفي ظل الأنظمة الشمولية القطرية التي تخطّط دوما من أجل الحفاظ على مصالحها الضيّقة بالتحالف مع أعداء الأمس..

وعملا بالمثل القائل: <لا يستقيم الظل والعود أعوج>، أقول إن وضع اللغة العربية لن يستقيم في ظل تغييب إرادة الشعوب العربية، وفي ظل الأنظمة الشمولية القطرية التي تخطّط دوما من أجل الحفاظ على مصالحها الضيّقة بالتحالف مع أعداء الأمس.

هذا ولا شك أن هذه الأنظمة الفاسدة لا تخدمها جهود “الحداثة” الرامية إلى ترقية العربية في سياق العقلانية والمنطق والفكر النقدي والعِلْمَوية، لأن هذا السياق الصحيح سيقضي على ذهنية “القابلية للإستبداد” التي يُرَوَّج لها بفتاوى نابعة من الفهم السقيم للدين، وباسم الشرعية الثورية المنتهية، وما إلى ذلك من شعارات براقة مخادعة، ظاهرها خير وباطنها شرّ.

أحبلي يا أمة الضاد لعل “ابن منظور” جديد سيولد، فيغوص في محيط العربية بحثا عن دُررها!

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.