زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

العربية بين: بوبڤرة والعربي ولد خليفة وحفيظ دراجي

بوابة الشروق القراءة من المصدر
العربية بين: بوبڤرة والعربي ولد خليفة وحفيظ دراجي

أشعر بنوع من الإشمئزاز يصل حد القرف اللساني حين أحضر بعض اللقاءات ذات الطابع الفكري أو الأدبي فأجد مجموعة من المتحدثين وهم غالبا من النخبة الثقافية أو الجامعية، أجدهم وهم يتحدثون في إشكاليات معرفية أو إبداعية أو فكرية أو حتى سياسية مصابين بفيروس مرض لغة "الراي" أو لغة أغاني "الفرانكو- أراب" أو لغة اليومي الاستهلاكي المتهالك المتمثلة في "لغة الانترنيت والأسميس" الفقيرة.

قد أبدو أمامكم من خلال هذا الحديث “محافظا” وتقليديا، وربما هو كذلك، لأنني وأنا الذي يكتب بلغتين العربية والفرنسية لا أريد أن ينزل الخطاب العالم المحمل والحامل لمشكلات كبرى، خطاب تنتجه الطبقة المثقفة، ينزل إلى مستويات الهجانة والتلوث اللغوي الذي يقتل “سحر” اللغة، مهما كانت اللغة. وأشعر مرة أخرى أن المثقف المعرب هو الذي يحاول أن يشوه لغته من خلال حشوها بلغة فرنسية معطوبة، وكأنه بذاك الحشو التزويقي يريد أن يشعر المستمع بأنه هو أيضا في “المقدمة” و”التقدم”، في حين أشعر بأن المثقف المفرنس يسعى قدر الإمكان أن يحافظ على لغة الخطاب لغة فرنسية سليمة. شخصيا أريد من المثقف أن يكون نموذجا ورمزا في إنشاء الخطاب، فإما أن يكون الحديث بهذه اللغة أو تلك ولكن بسياق متكامل ونظيف . إن الفكر الجيد والحداثي لا يكمن في اللغة، بل في الفكر الذي يحمل خطاب هذه اللغة أو تلك

 

صحيح إنه لا توجد لغة “صافية”، “نقية الدم” و”العرق” في منظومة اللغات جميعها، فكل لغة إلا وتحمل في طياتها وفي خفاياها جانبا من “اللصوصية” تجعلها تضع يدها في جيب غيرها، أي أنها تأخذ ما هو لغيرها، أي بلغة مبسطة فهي تسرق “أشياء” من متون وحيوات لغات أخرى، وهي سرقة مشروعة أوصى بها عمرو بن بحر الجاحظ ومارسها، ويبدو أنها سرقة مسموح بها في شريعة اللغات والكتابة، جميع اللغات وكافة تجليات الكتابة الإبداعية أو الفكرية، ومن خلال هذه “اللصوصية” الإبداعية تتطور اللغات، فالكاتب أو المبدع أو اللغوي يقوم بمراقبة المجال اللغوي في تجلياته الاجتماعية، أي في ممارسة العامة والخاصة للغة ما، ثم من خلال هذه المراقبة يتسلل إن عفويا أو قصدا قاموس جديد ببنية جديدة إلى “نحو” و”صرف” و”تركيب” اللغة. وفي كل لغة أيضا هناك ما أسميه بحس “الضيافة”، فاللغات خاصة تلك التي تعرف وتعيش حركة ترجمة كبيرة، منها إلى لغات أخرى أو من لغات أخرى إليها، وأيضا من خلال عيشها داخل ميكانزمات ثورة الإعلام الجديد الذي قضى نهائيا على الجغرافيا الترابية واللغوية بحدودها الكلاسيكية وبذلك فإيقاع التكنولوجيا المهول والذي حول العالم الملموس إلى عالم افتراضي مؤسس على الرموز  بدلا  عن  الأشياء،  هذا  الواقع  المذهل  فرض  نوعا  من  الضيافة  اللغوية،  وهي  ضيافة  تعرفها  كل  اللغات اليوم .

 

لكن ما يزعجني ويثير اشمئزازي وتقززي في بعض الأحاديث التي يقولها المثقفون والتي فيها يخلطون، وهنا أتحدث عن حال الجزائر، بين اللغات هو أن استعمالهم أو استنجادهم بلغة ثانية هو من باب: فسر الماء بالماء، إذ أن هذا الانتقال إلى اللغة الثانية أو “الاستنجاد” بها لا يقوم على أساس عجز في اللغة العربية، خاصة حين يكون الحديث عن أشياء بسيطة وإنسانية أو إخبارية، بل هو نتاج “تبجح” أو “مرض ثقافي” يعاني منه المثقف المعرب، أنا لا أتحدث عن منظومة المصطلحات العلمية الجديدة التي ربما تحتاج إلى “التنبيه” إليها في لغتها الأصلية، لغة الابتكار  أو  لغة  التبني .

 

هذه الخواطر والأفكار جمعتها وأنا أتابع لغة خطاب الصحفيين الجزائريين المعلقين على مباريات كرة القدم في مونديال إفريقيا الجنوبية، فالصحفيون الرياضيون الشفويون (أي الذي ينتجون خطابا شفويا) كما هو خطاب حفيظ دراجي أو المدرب محيي الدين خالف أو غيرهما (أسوق هذين الإسمين كنموذج فقط وأن لا استثناء في ذلك فجميعهم ينتمون لمدرسة واحدة بدرجات في التفوق من حيث الثقافة والتجربة والذكاء والإحاطة)، هذا الخطاب بقدر ما يحمل إبداعية لغوية معاصرة فإنه لا يخون المعنى ولا يقع في قطيعة مع المستمع (المستقبِل).

 

وإذ  أستمع  إلى  اللغة  الشفوية  العربية   للمعلقين  الرياضيين  الجزائريين  أشعر  بأنهم  بصدد  التأسيس  لجزأرة  لغوية  معاصرة . 

 

على العكس من لغة الجزائريين الرياضية التي تسمو إلى الشعرية في بساطتها، فإن لغة المعلقين الرياضيين الخليجيين أو المصريين أو اللبنانيين أو السوريين لغة مدمرة ومريضة، إذ يمارس هؤلاء المعلقون تدميرا “ساديا” للغة العربية، أصدقكم القول، أنني وأنا أتابع تعليقاتهم، جميع من استمعت إليهم دون استثناء، على بعض المباريات، أشعر بهم يدمرون اللغة تدميرا، التدمير المرضي لا التدمير الخلاق، فالمعلق الرياضي “المشرقي” معلق أعجمي اللسان، إنهم “عجم” أو “علوج” لغوية في كل تعليقاتهم من حيث لا يدرون. لغة مخترقة بقاموس إنجليزي نافر موسيقيا  ومعتد  على  فضيلة  الأذن،  وحده  المعلق  الجزائري  استطاع  أن  يخلق  لغة  جزائرية  عربية  رياضية  شعرية،  نظيفة  وراقية  ومفهومة من  الخليج  إلى  المحيط . 

 

وأنا أستمع للمعلقين الجزائريين أتساءل: لو أن لغة السياسة ولغة المسرح ولغة السينما ولغة الأطباء في الجزائر كانت كلغة حفيظ دراجي أو محيي الدين خالف لاستطعنا أن نصنع لغة عربية جزائرية ومغاربية جديدة، تأخذ من اللغات الأخرى ضيافة ولصوصية ولكن بشعرية عالية ودون الوقوع في الاغتراب أو التسطيح أو الاستلاب. ولو كانت لغة الفنون الاستعراضية والفرجوية والعينية تشبه لغة حفيظ دراجي لكان لنا جمهور للسينما والمسرح والمسلسلات التلفزيونية، إن أزمة مقاطعة الجمهور لقاعاتنا ناتج أيضا عن عدم عثور فنانينا على لغة شعرية درامية جديدة  قادرة  على  الإدهاش  كما  هي  لغة  التعليق  الرياضي . 

 

إذا كان من منقذ أخير للعربية من الاندثار الذي يهددها في الوجود الاجتماعي والمعاملاتي والجمالي فلن يكون سوى ذلك البربري الشاوي أو القبائلي أو المزابي الجزائري والمغاربي، أبناء النحوي الكبير ابن جرُوم. هذه ليست شوفينية ثقافية أو لغوية إنما هي مراقبة لواقع وطيفية الخطاب  اللغوي  الرياضي  وجمالياته .

 

انطلاقا من هذا الذي يحدث بين الرياضة واللغة العربية، أطالب بندوة عربية علمية لدراسة ظاهرة اللغة الرياضية الشفوية، التي تستقبلها الملايين، فعلى جميع مجامع اللغة العربية التفكير فيها، لأنها اللغة التي تعيد العربية إلى “الميدان” ومن خلالها تحاور الأحاسيس ونبضات القلب،  وهي  اللغة  ” الوظيفية ”  التي  يفهمها  العرب  وأقلياتهم  في  هذه  المنطقة  من  بربر  وكرد  وسريان  وغيرهم  وهم  دون  شك  يتبنون  هذا  الخطاب المتقدم،  لأنه  مرتبط  بالذات  في  تجلياتها . 

 

كل هذه الأفكار لاحقتني وأنا أفكر من جهة في لغة حفيظ دراجي ورفاقه التي تمارس قطيعة حقيقية مع تلك اللغة التي دافع عنها المرحوم بوبڤرة في السبعينات التي ملأ بها الإذاعة الوطنية من خلال برنامجه “قاموس عمي مسعود” ولسنوات عديدة، والتي علم فيها ربما “الفرنسية” للجزائريين  أكثر  مما  علم  العربية  التي  كان  البرنامج  يهدف  إلى  تعميمها،  حتى  أضحى  البرنامج  لغرابته  وقطيعته  مع  الواقع  نكتة ثقافية  وسياسية  واجتماعية .

 

لكل ذلك، أدعو الدكتور العربي ولد خليفة رئيس المجلس الأعلى للغة العربية أن يعمل، وهو المجتهد والمتفتح دائما، على تغيير استراتيجيته في البحث عن العناصر التي يسعى من خلالها وبها إلى تعميم استعمال اللغة العربية في بلادنا، ولكم هو مشكور مجهوده المتميز والنشط، فليجرب ولو لمرة واحدة الاستنجاد بحفيظ دراجي ومحيي الدين خالف ورفاقهما في الصحافة الرياضة، في تعريب “اللسان المحيط” بنا انطلاقا من لسان الطبقة السياسية الجزائرية مرورا بالطبقة الجامعية التي أصبحت عجماء عرجاء وصولا إلى ركح المسرح وشاشتنا الصغيرة أو الكبيرة.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.