زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

السعودية وسلفيّوها والقرن الأمريكي

السعودية وسلفيّوها والقرن الأمريكي ح.م

تثير شخصية الوريث المرتقب للسلطة في المملكة السعودية محمد بن سلمان وزياراته موجة من الجدل، بين تيّار مؤيّد تتقدمه جماعات سلفية، مازالت ترى في النظام السعودي حاميا للنهج السلفي، وما يحدث في نظرها هو مؤامرة وتحريض على بلد الحرمين الشريفين!!!، في مقابل فريق واسع رافض لزياراته لحدّ المطالبة بمقاطعته وطرده!!!..

والحقيقة أنّ العالم العربي، مع كل كوارثه وواقعه المضطرب، له هامش محدود لمزيد من التواصل للخروج من حالة الاصطفاف السياسي العدواني، لتحديد موقع سياسي مشترك وإستراتيجي لخدمة مصلحة العالم العربي أو التقليل من مآلات الكراهية..

المفارقة في ذلك التحالف الغريب الأقرب إلى زواج مُتعة، بين نظام ملكي استبدادي وقَبَلي، وفقه ديني تقليدي متشدّد، وهيمنة أمريكية حاميّة للمشروع الصهيوني، وهذا التحالف على غرابته، فهو في الحقيقة تحالف بين منظومات مركّبة، فالولايات المتحدة التي جمعت بين الديمقراطية والصهيونية!

وقد يكون الموقف الجزائري وغيره من البلدان التي مازالت قادرة على إدارة حوار مع جميع الدول العربية والإسلامية لمحاولة إنقاذ الأطراف المتصارعة من الارتماء في مشاريع سياسية دولية لا تخدم سوى أعداء أمّتنا، وتوقيف نزيف الأرواح والقدرات وتوقيف نزيف ابتزاز الثروات العربية أوّلها النفط، هو الموقف المعتدل والضروري، على الأقل لبلد مثل الجزائر، ويجب أن يتفهمه من يُعادي السعودية اليوم، في سياق ترك مخارج ومعالجات للوضع العربي، دون أن يعتقد أحد أنّ استقبال قيادات سعودية مثلا هو اصطفاف سياسي، كما لا يعتقد أحد أنّه حفاظ على رمز ديني، فهذا كلام ساذج، ولكن اتّخاذ موقف عام معاد للسعودية قد لا يُفيد الأمل في الوصول إلى مخارج سياسية لأزمات العالم العربي، وربما دَفَع بالسعودية وتوابعها للاستسلام للابتزاز الأمريكي ومشاريعه، على إثر مقتل الكاتب جَمال خاشقجي.

ومع ذلك يجب أن نقول إن مشكلة مقتل خاشقجي في الحقيقة كانت فقط القطرة التي أفاضت الكأس السعودي، والقشّة التي قصمت ظهر البعير العربي، وورقة التوت التي عرّت، للمرّة الألف، النظام الرسمي العربي، والسعودي خصوصا، الذي تأسّس وعاش على صورة رمزيته الدينية، والتي أخفت دوره الضليع في مشروع أمريكي طويل وعريض، كان أداته المالية والدينية المدمّرة خلال قرن من الزمان، ولا أعتقد أنّه سيتجاوز القرن، منذ قيام الدولة السعودية على أنقاض حروب قَبَلية روت رمال الحجاز بالدماء، وقضت على بقايا إمبراطورية عثمانية مهلهلة، في حُضن نفوذ ووجود بريطاني بدأ ينحصر لصالح هيمنة أمريكية متصاعدة.

المفارقة في ذلك التحالف الغريب الأقرب إلى زواج مُتعة، بين نظام ملكي استبدادي وقَبَلي، وفقه ديني تقليدي متشدّد، وهيمنة أمريكية حاميّة للمشروع الصهيوني، وهذا التحالف على غرابته، فهو في الحقيقة تحالف بين منظومات مركّبة، فالولايات المتحدة التي جمعت بين الديمقراطية والصهيونية!!، مثل السعودية التي جمعت بين الشريعة والاستبداد الملكي!!، والفقه الديني الذي جمع بين التوحيد والتكفير للمسلمين!! في مقابل الشرك السياسي والولاء الأمريكي!!، فتحوّلت أمريكا مع الوقت إلى صنم سياسي واقتصادي، كما جمع هذا التحالف بين البداوة الاجتماعية التي حرمت مثلا النساء من قيادة السيارة لعقود، والحداثة الاستهلاكية للحياة والثقافة الأمريكية، فهذا البلد نفسه الوصي على قنوات وفتاوى التكفير هو نفسه الوصي على قنوات الابتذال الثقافي في العالم العربي مثلا!!!.

بمجرّد موجة التحارب الأولى التي تأسست عليها المملكة السعودية والتي ذهب ضحيتها آلاف القتلى، بدأت الصفقات السياسية والاقتصادية التي جعلت من السعودية محمية تحت الجناح الأمريكي، ورأس حربة سياستها المهيمنة، بداية من قيام إسرائيل بدعم وتأييد واعتراف أمريكي أوّل، ومباركة الأنظمة الملكية في السعودية والأردن، ودعم اقتصادي للولايات المتحدة يصل إلى إسرائيل على شكل أسلحة وأموال جعل العصابات الصهيونية تغرز أظافرها في فلسطين وتمدّ جذورها فيها، وكان البترول أحد أهمّ الأسلحة فتكا في السياسة الأمريكية ومازال، على حساب مصالح الدول العربية، باستثناء حالة توقيف النفط في السبعينيات، زمن الملك فيصل المغتال!!!

بدأت الآلة الفقهية لدعوة المسلمين للجهاد في أفغانستان وليس في فلسطين، بتمويل سعودي أمريكي، والشباب الإسلامي كعادته المتحمّس لكل دعوة جهاد!!، ترك فلسطين وذهب إلى أفغانستان، في ذروة العمل الفدائي الفلسطيني؟

جاءت قضية أفغانستان لتُعيد للتحالف السعودي الأمريكي بريقه الدولي، في أكبر تحالف عسكري ودعائي لمواجهة الإتحاد السوفيتي لفرض هيمنة أمريكية مطلقة، ومن ثمّ استقواء إسرائيلي إقليمي، وبدأت الآلة الفقهية لدعوة المسلمين للجهاد في أفغانستان وليس في فلسطين، بتمويل سعودي أمريكي، والشباب الإسلامي كعادته المتحمّس لكل دعوة جهاد!!، ترك فلسطين وذهب إلى أفغانستان، في ذروة العمل الفدائي الفلسطيني؟ كما يحدث لاحقا في دول أخرى، مع أن الأفغان أنفسهم كانوا يصيحون بأنّهم بحاجة إلى أموال تذاكر تنقل المقاتلين العرب قبل أشخاصهم!!! وانتهت تلك الحرب بإعادة أفغانستان إلى العصر الحَجَري، وإلى حرب أهلية بين جماعات دينية تشبّعت بثقافة التكفير!!! وآلاف مؤلفة من المعطوبين واليتامى والمدن المدمّرة !!! ومازال المجتمع الأفغاني يُعاني من تلك الحروب العبثية، وثقافة التكفير… بينما تراجع العمل الفدائي الفلسطيني لصالح فلسفة التطبيع.

وانتقل التحريض نحو العراق بعد تحريضه ودعمه في حربه ضدّ إيران، في حرب كلفت العالم الإسلامي مليون قتيل!!! ثم انقلبوا عليه نتيجة الخلاف حول السياسات البترولية أوّلا، التي أضرّت بالجار العراقي العربي، لمصلحة التغوّل الغربي والأمريكي، في حربين متتالين وحصار أودى بالآلاف المؤلفة من أطفال العراق، قبل أن يذهب بنظام العراق لمصلحة حماية أمريكية وديمقراطية طائفية ساهمت في نشر الثقافة الطائفية الجاهلية، وبعد أن زرعوا النظام الطائفي في لبنان زرعوه في العراق، بقيادة أمريكية سعودية، قبل أن يكتشفوا خطأ ما ارتكبوه إستراتيجيا، لأنّ المستفيد كان إسرائيل والطائفية (والنفوذ الإيراني).

تحوّلت البوصلة السعودية/الأمريكية إلى سوريا، وبدأت أسطوانة التحريض الديني البغيض، وجيّشت الجماعات الهوجاء في حرب مقدّسة أخرى، ومرّة أخرى بعيدا عن فلسطين، مع أن المسافة بين سوريا وفلسطين هي مجرّد أمتار، وبدل أن تواجه هذه الجماعات ومعها الأنظمة الكيان الصهيوني كانت تضعه خلفها، وفعلت بسوريا ما فعلت بأفغانستان على أصوات تكبيرات الجماعات المسلحة بالسلاح الأمريكي والتمويل السعودي، وتناغمت الدعاية السعودية والأمريكية والصهيونية في تسوية سوريا بالأرض، بين نظام استبدادي وجماعات تكفيرية، ومخلفات من آلاف القتلى والمدن المدمّرة أمام تهليل إسرائيلي لعالم عربي غارق في القتل لأذنيه وسط شعارات التكفير..

وما إن بدأت الحرب على سوريا تهدأ حتى وجدنا أنفسنا مع حرب مقدّسة أخرى وجهاد جاهلي آخر على اليمن، وسط تبريكات فقهاء المملكة، من وسط الحرمين الشريفين!!!، وجاءت مشاهد أخرى للدمار والضحايا من نساء وأطفال اليمن تدمى لها القلوب المؤمنة والإنسانية، وسقط اليمن السعيد، في نكبة الجهاد الأمريكي، والطائفية السياسية.

وخاتمة الخاتمات حادثة اغتيال الصحفي والكاتب جَمال خاشقجي، مع أنّ الرجل كان مجرّد كاتب مقالات وآراء يدعو إلى إصلاحات حقيقية، وهو يرى أن إصلاحات الأمير الشاب في مجرّد فتح قاعات ألعاب الورق ومهرجانات الترفيه والغناء بما فيها أغاني الراي!!!، ليس بالإصلاح السياسي الحقيقي، بل هو نوع من التملق المبالغ فيه للغرب وخداعه، وكانت طريقة الاغتيال بالغرابة والوحشية ما يؤشر أن صاحبه لا يحمل عقلا سياسيا بقدر ما يحمل غرائز للشر، فصدمت الجريمة العالم، على طرافة محاولة إخفائها.

فالنظام السعودي، خلال سيرة قرن، مع كل المواقف والإيجابيات التي يُحصيها له البعض، وهي موجودة بلا شك، فهو من الناحية الإستراتيجية كان أحد أدوات المشروع الأمريكي في الهيمنة وتنفيذ مؤامراته على الأمّة الإسلامية..!

فالنظام السعودي، خلال سيرة قرن، مع كل المواقف والإيجابيات التي يُحصيها له البعض، وهي موجودة بلا شك، فهو من الناحية الإستراتيجية كان أحد أدوات المشروع الأمريكي في الهيمنة وتنفيذ مؤامراته على الأمّة الإسلامية، ولن تفيد تلك الدعاية الدينية الملتبسة والسطحية في القفز على حقائق هذه السيرة التي كانت عناوينها:

أوّلا: السياسة البترولية للمملكة المضرّة بالمصالح العربية والإسلامية، والخادمة للمصالح الأمريكية الداعمة للصهيونية خلال قرن من الزمان.
ثانيا: السياسة المالية المبنية على الخضوع للابتزاز الأمريكي وهو دعم يفيد الكيان الصهيوني في النهاية، واجهتها مليارات الدولارات التي تُصبّ في الاقتصاد الأمريكي كل عام.
ثالثا: قرن من الدعاية لجهاد التكفير الذي دمّر مجتمعات ودول دون أن يصل هذا الجهاد المبارك إلى فلسطين، مع أنّه الجهاد الذي لا يختلف فيه اثنان.
رابعا: الإضرار بالانسجام الاجتماعي للدول بسبب التبشير لمنهج فقهي ولو كان مناسبا للسعودية فهو ليس بالضرورة مناسبا لغيرها، ويختزل الإسلام بتنوّع مدارسه الفقهية إلى دليل فقهي تقليدي.
خامسا: الحرب المباشرة على اليمن وحصار قطر واستعداء الإقليم العربي والإسلامي جعل السعودية تنعزل عن محيطها الحضاري.

ونتيجة هذا السرد لحصاد قرن فإنّ النظام السعودي يتجه إلى مصير مجهول وغامض نحو جدار تاريخي، نتيجة ضغوط خارجية وانفجار داخلي عائلي ومجتمعي، يحتاج النظام فيه إلى معجزة للخروج من قفزة الجدار الحتمية نتيجة سياقه التاريخي، فالاستسلام مثل المكابرة تنتهي به إلى نتيجة واحدة… والمعجزة هي أن يتغيّر الفكر السياسي الإستراتيجي للنظام السعودي، بتغيّر تلك العناوين التي ميّزت قرنه الأمريكي، ومصير النظام قد لا يكون له علاقة بمصير السلفية، التي لها فرصة ثمينة في الانبعاث من جديد بالتمايز عن نظامها السياسي، والاستقلال عن وظيفتها في المشروع الأمريكي، وتجدّدها الفقهي المنهجي البعيد عن التكفير وثارات الإفساد في الأرض، فإذا قامت السلفية بمراجعات حقيقية ستكون سلفية جديدة، ضمن إسلام الأمّة وبعيدا عن الفرقة وتديّن العصابات، قريبا من الدين والتوحيد وبعيدا عن الشرك السياسي والولاء الأمريكي، لأنّ الإسلام، ببساطة، لا يمكنه أن يكون في خندق واحد مع الصهيونية.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.