زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الحلف الأنجلوسكسوني الجديد في مواجهة أوروبا

الحلف الأنجلوسكسوني الجديد في مواجهة أوروبا ح.م

يبدو أن مفاعيل مشروع مرشال الأمريكي الذي أعاد رسم الخارطة الجيواستراتيجية للقارة العجوز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، سوف تنتهي في المنظور المستقبلي القريب. فالولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت أوروبا المنهارة والمنهكة اقتصادياً وعسكرياً وبشرياً بعد تدمير معظم مدنها في عهد الغز الألماني لأكثر من نصف مساحتها، والتي وجدت في الحليف الأمريكي المنقذ لمحنتها الكبرى التي كانت تعيشها واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية بفعل تلك الاستراتيجية الاقتصادية والتنموية، أن تكون البلد الأنجلوسكسوني الذي أعاد تلك الدول إلى واجهة الأحداث العالمية، وكانت إحدى أدواته التي وظفها في مواجهة المد الشيوعي في خضم الحرب الباردة التي قسمت العالم وأوروبا إلى قسمين متصارعين.

فالولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس هاري ترومان الذي تقلد منصب الرئيس الثالث والثلاثون في بلد العم سام في الفترة ما بين 12أفريل/نيسان 1945 إلى غاية 20يناير/جانفي 1953م، وهو الذي أعاد فكرة بناء عظمة أمريكا مجدداً مثلما نص على ذلك ميثاق الآباء المؤسسين الأوائل من أمثال توماس جفرسون وجورج واشنطن وفرانكلين روزفلت، وجعل الولايات المتحدة الأمريكية بالتالي المثال الذي يحتذى به، ولا ننسى بأن الكثير من الأمريكان يعتبرون الأوروبيين هم أجدادهم الأوائل وذلك لأسباب تاريخية وثقافية عدّة.

ترى في الحلف الأنجلوسكسوني الجديد بين كل من لندن وواشنطن وكانبيرا دليلاً على نية الإدارة الأمريكية الحالية في التخلي تدريجياً عن حلفائها الأوروبيين التقليديين، هذا الحلف تريد واشنطن أن يكون عبارة عن نادي للناطقين باللغة الإنجليزية والذين يحملون نفس القيم الثقافية الأطلسية…

أرادت أن تكون جيوش تلك الدول الأوروبية التي خرجت منهكة القوى بعد حروب طاحنة خاضتها على مدار 6 سنوات من سنة 1939 إلى غاية 1945م، تحت سلطة عليا يهيمن عليها البنتاغون فأوجدت منظمة حلف شمال الأطلسي التي تعرف اختصاراً بحلف الناتو، والتي كانت عبارة عن منظمة عسكرية أمريكية للهيمنة على أوروبا والمناطق الجغرافية التي ترى فيها واشنطن تهديداً لأمنها القومي، وتكون تلك الجيوش الأوروبية الغربية بمثابة روافد للجيش الأمريكي في كل العمليات العسكرية التي يقوم بتنفيذها دفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية، تحت ذرائع شتىّ والتي من بينها المساهمة في نشر الديمقراطية والحرية وقيم حقوق الإنسان، وكل القيم التي تشترك فيها كل دول المنظومة الغربية مثلما يدعي ذلك ساستهم ومفكريهم، وصناع الرأي والثقافة لديهم.

فهذه المنظمة الأطلسية والتي تضم حالياً 30 دولة، بدأت عند تأسيسها بحوالي 12 دولة ذات سيادة، والتي سكرتيرها العام هو ينيس ستولتبرغ يبدو أنها ستكون بمثابة الشرارة الأولى لبداية الانقسام الأمريكي الأوروبي، بعد أن أبدت دول مؤسسة لها مثل فرنسا ضرورة مراجعة كل الاتفاقيات العسكرية مع أمريكا، ففرنسا التي انسحبت من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو لأكثر من 43 سنة وعادت للانضمام إليها سنة 2009م، وصف رئيسها إيمانويل ماكرون سنة 2019م الناتو بأنه منظمة ميتة سريرياً، مثلما نشر موقع الحرة بتاريخ 21 سبتمبر/أيلول 2021م، في مقال حمل عنوان “صحيفة: فرنسا تفكر في الانسحاب من الناتو”.

الموقف الفرنسي بالتأكيد يحمل دلالات وأبعاد تاريخية أكثر منها سياسية أو عسكرية، باعتبار أن الفرنسيين يرون أنفسهم القائد الشرعي والتاريخي لأوروبا والحضارة الغربية على العموم، ويرون في الثقافة الأمريكية ثقافة هجينة تقوم على العنف والقتل والاستكبار، وهناك توتر دائم بين القيادة السّياسيين في كلا البلدين حتى إبان الحرب العالمية الثانية، بالرغم من أنهما كانا ضمن دول الحلفاء في مواجهة أعداء مشتركين.

وعلى عكس ما ذهب إليه الكثيرون فإن صفقة الغواصات الملغاة مع أستراليا والتي كانت ستعطي دفعاً جديداً للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وكانت فرنسا ستوظف أموال تلك الصفقة التي تقدر ب50 مليار دولار أسترالي(ما يعادل 36.5 مليار دولار أمريكي) عندما توقيعها سنة 2016م، في انعاش الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني من أزمة ركود غير مسبوقة، خاصة بعد موجة فيروس كورونا التي ضربت مختلف دول العالم طوال عامين ونصف، وهذا ما انعكس سلباً على الاقتصاد الفرنسي وأدى إلى تراجعه وخسرت فرنسا بالتالي مئات الآلاف من الوظائف وانهارت القدرة الشرائية للمواطن العادي في بلاد الجنّ والملائكة.

لم تكن السبب في التدهور المفاجئ كما يظن البعض للعلاقات الفرنسية مع كل من أمريكا وإنجلترا وأستراليا بل إن باريس التي ضاقت ذرعاً بالممارسات الأمريكية طوال نصف قرن واعتبارها دول أوروبا الغربية وعلى راسها فرنسا، مجرد دول هامشية وسوق لتصريف المنتجات والبضائع الأمريكية وفقاً لمختلف الاتفاقيات التجارية والاقتصادية الموقعة مع دول الاتحاد الأوروبي في إطار منظمة التجارة العالمية، والتي تعد من أهم أدوات الرأسمالية الأمريكية الإمبريالية للسيطرة على اقتصاديات الشعوب والدول وحتى تلك الحليفة منها.

فأمريكا في عهد ترامب ومن بعده بايدن، قادت باتخاذ سلسلة من الإجراءات العقابية ضدّ دول الاتحاد الأوروبي بعد موافقتها على توقيع اتفاقية (السيل الشمالي-2) مع روسيا سنة 2019م، وهو مشروع يهدف إلى مد أنبوب عبر قاع بحر البلطيق لضخ الغاز من روسيا إلى ألمانيا، وسيتم مدّه بموازاة (السيل الشمالي-1) وهي العقوبات التي شملت شركات حكومية من دول الاتحاد الأوروبي المنفذة للمشروع، وهو ما أدى لانسحاب شركة(سويس ألياس) السويسرية منه فوراً، مثلما ذكر موقع Sputnik بتاريخ 15 مايو/أيار سنة 2020/ بعنوان “كيف سيمر الغاز الروسي إلى أوروبا بعد القرار الألماني بشأن” التيار الشمالي 2“.

من المعروف بأنّ كل من الصين وروسيا أعداء تاريخيين لأمريكا ولهيمنتها المطلقة على العالم. فقررت الأخيرة معاقبة الأوروبيين بإنشاء حلف جديد سيكون بمثابة اليد الحديدية مستقبلاً لأمريكا لتأديب أوروبا المتمردة عليها، وبالأخص بعد أن أصبحت الغواصات الصينية والروسية تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط بحرية تامة، وبموافقة حلفاء واشنطن التقليديين كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا…

فحروب الطاقة الأمريكية الروسية والتي تدور رحاها فوق الأراضي الأوروبية، والتي ترى فيها دول أوروبا الغربية تهديداً لأمنها القومي باعتبار أن العقوبات الأمريكية المستمرة ضدّ الدول والشركات المتعاونة مع روسيا في مجال الطاقة، يمكن أن تتحول إلى مواجهات عسكرية بين واشنطن وموسكو ستكون الأراضي الأوروبية مسرحاً لها، وهذا ما تحاول دول كفرنسا منعه والتصدي له.

إذ ترى في الحلف الأنجلوسكسوني الجديد بين كل من لندن وواشنطن وكانبيرا دليلاً على نية الإدارة الأمريكية الحالية في التخلي تدريجياً عن حلفائها الأوروبيين التقليديين، هذا الحلف تريد واشنطن أن يكون عبارة عن نادي للناطقين باللغة الإنجليزية والذين يحملون نفس القيم الثقافية الأطلسية، وبالرغم من تأكيد كل الدول الثلاث المنضوية تحت لواءه بأنه حلف للتعاون الاقتصادي فيها بينها بالدرجة الأولى، إلا أنّ الخطوات الأمريكية المتسارعة لتزويد أستراليا بالغواصات النووية الأحدث من نوعها على غرار بريطانيا، على عكس غواصات الدول الأوروبية التي هي ضمن منظومة حلف الناتو والتي تعمل بوقود الديزل وتعمل بتكنولوجيا قديمة نوعاً ما لا يمكن مقارنتها بالغواصات النووية الأمريكية.

يؤكد بأن واشنطن تريد أن يكون هذا الحلف الأطلسي الجديد بديلاَ لحلف الناتو خاصة بعد توقيع دول الاتحاد الأوروبي لاتفاقيات تعاون وشراكة مع كل من روسيا والصين في عدة مجالات استثمارية، كتوقيع اتفاقية الشراكة الصينية الأوروبية وهو ما رأت فيه أمريكا بداية لتغيير البوصلة السّياسية والاقتصادية وربما العسكرية لحلفائها التقليديين باتجاه التنين الصيني والدب الروسي.

ومن المعروف بأنّ كل من الصين وروسيا أعداء تاريخيين لأمريكا ولهيمنتها المطلقة على العالم. فقررت الأخيرة معاقبة الأوروبيين بإنشاء حلف جديد سيكون بمثابة اليد الحديدية مستقبلاً لأمريكا لتأديب أوروبا المتمردة عليها، وبالأخص بعد أن أصبحت الغواصات الصينية والروسية تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط بحرية تامة، وبموافقة حلفاء واشنطن التقليديين كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، والذي كان حتى وقت قريب جداً عبارة عن بحيرة أمريكية بامتياز.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.