مناظرساحرة لسلسلة مرتفعات شاهقة، وغابات خضراء ممتدة تتخللها ينابيع مياه متفجرة، تشكل محميةتضم أجمل المناطق السياحية، وتزخر بموروث بيولوجي متنوع على المستويين الحيواني والنباتي، وتحظى بمكانة خاصة لدى السكان المحليين والسياح، وتتمتع بامتياز قانوني أيضا، مما جعل من حظيرة الشريعة الوطنية مملكة طبيعية متفردة بمساحتها العظمى وتنوعها الكبير.
نشأة حظيرة الشريعة
تمتد حظيرة الشريعة الوطنية على ما يتجاوز 26 ألف هكتار من الأراضي الغابية والجبلية، في مرتفعات الأطلس البليدي بين ثلاث ولايات وهي: البليدة 47 كم جنوب غرب الجزائر العاصمة، المدية 88 كلم جنوبها، وعين الدفلى على بعد 150 كلم غربا.
صنفت كمحمية حيوية عام 2002 م من قبل المجلس الدولي لتنسيق برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لليونسكو.
تاريخ الحظيرة قديم قدم جدور أشجارها المتشبثة بأرض طيبة معطاءة، فقد وافق تأسيسها الرسمي عام 1925معلى مساحة 1351 هكتار، بموجب قرار مسبق صدر في 17 فبراير/ شباط 1921م خاصبالمحميات في الجزائر، غير أن فكرة إنشائها سبقت هذا الإعلان وذلك يعود إلى عام 1912م حسب مقترح شركة التاريخ الطبيعي لأفريقيا الشمالية أثناء تواجد الاستعمار الفرنسي.
بعد استقلال الجزائر، تم تمديد مساحة الحظيرة تحديدا عام 1983م، وصنفت كمحمية حيوية عام 2002 م من قبل المجلس الدولي لتنسيق برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لليونسكو.
التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية
تحتوي حظيرة الشريعة على تراث بيئي ثمين،حيث تضم زهاء 1358 نوعاً من الأحياء، منها 794 نوعاً نباتياً موزعا على 88 عائلة من مواطن مختلفة (آسيا، أفريقيا،البحر الأبيض المتوسط)، و564 نوعاً حيوانياً منها 25 من الثدييات أهمها القردة مثل قرد الماغو المهدد بالانقراض، البقر الوحشي والخنزير البري، الذئب، الضبع وابن آوى، فضلا عن 121 من أنواع الطيور منها الجوارح كالنسر الأصهب والعقاب، إضافة إلى أنواع من الحشرات والرخويات وكثيرات الأرجل والقشريات.
تعيش هذه الحيوانات في وسط حيوي ثري، بين أشجار كثيفة وحشائش مختلفة وعيون متدفقة، جعلت من المنطقة متحفا بيئيا متنوعا ومفتوحا وسط أحضان الطبيعة على مدار فصول السنة، يقصده السياح من الداخل والخارج، للتمتع بالمناظر الخلابة، والاستمتاع بالهواء النقي والنسيم العليل على وقع خرير المياه الجارية وصفير الطيور الشادية، تحت زرقة السماء الصافية صيفا، وعلى بساط أخضر يتزين بالبياض الناصع شتاء عند سقوط بلورات الثلج لتكتسي الجبال حلة ناصعة البياض تضاهي جمال ثوب عروس فاتنة.
ح.مzoom
قرد الماغو.. المحمي قانونيا
قرد ” الماغو” أو “المكاك البربري” واسمه العلمي “ماكاكاسيلفانوس” هو نوع من القردة التي عاشت منذ القدم ويوجد في الجزائر والمغرب وأطلقت عليه هذه التسمية لأنه قرد من غير ذيل ويعيش في مناطق البربر أي الأمازيغ من سكان شمال إفريقيا في حين يلقبه الأهالي بالزعطوط.
هو حيوان اجتماعي من فصيلة السعادين يعيش في مجموعات من 10إلى 100 فرد، متوسط حجمه ما بين 56 سم إلى 63 سم وقد يصل أحيانا طوله إلى 75 سم ووزنه إلى 14كغ.
ذكوره أكبر حجما من الإناث، ويتغير لون فروته مع التقدم في السن من البني الداكن إلى الأصفر ووجهه وردي غامق
أكبر تجمعات لهذه القردة توجد بمرتفعات البليدة، جيجل، وجرجرة، وقد صنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة وكذا ملاحق اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض على أنه “معرض للخطر” ومن الأنواع التي يحرم الاتجار بها دوليا.
قرد “الماغو” الذي يتغذى على النباتات يعتبر عاملا مهما في الحفاظ على التوازن البيئي ولا يوجد له الكثير من الأعداء بين الحيوانات المفترسة بينما يبقى عدوه الأول هو الإنسان الذي صار يجني نتائج تدخله في النظام البيئي..
وعليه بموجب القانون الدولي يمنع صيده أو إلحاق الأذى به وينصح بعدم تقديم الطعام له، خاصة وقد انخفض عدد قرود “المكاك” في السنوات الأخيرة وذلك عام 2009م أين أعلن أنه من الفصائل الضعيفة المهددة بالانقراض.
فقرد “الماغو” الذي يتغذى على النباتات يعتبر عاملا مهما في الحفاظ على التوازن البيئي ولا يوجد له الكثير من الأعداء بين الحيوانات المفترسة بينما يبقى عدوه الأول هو الإنسان الذي صار يجني نتائج تدخله في النظام البيئي.
ففي كل موسم لجني الثمار تسبق القردة الفلاحين إلى المحصول فهي محبة لأكل الفواكه الطازجة واللذيذة مثل التين والعنب ولكنها لا تكتفي بالأكل والرحيل إنما تعبث بما تبقى وتتلفه مما نجم عنه خسائر فادحة في المنتوجات الموسمية والتي تعد مصدر عيش للسكان.
ولكن القردة هي الأخرى ضحية اختلال توازن بيئي تسبب فيه الإنسان من حرائق للغابات وكذا مشروع الطريق السيار مما أدى إلى قلة موارد العيش الطبيعية في البرية ودفع بها إلى غزو الحقول بحثا عن الطعام أثناء رحلتها الفصلية عبر جبال وغابات الأطلس، وبالمقابل اتخذ الفلاحون عدة تدابير لحماية محاصيلهم منها استعمال ” الفزاعات” وتربية كلاب الحراسة.
فلو توقف العنصر البشري عن ممارساته المخالفة، فالطبيعة من شأنها أن توفر لقرد “الماغو” كل ما يحتاج إليه من ماء وغذاء مثل ثمار الصنوبر والبلوط وكذلك أوراق الشجر والفطريات وجذور بعض النباتات، لكن السياح عادة ما يقدمون الطعام للقردة أو يلقون بالبقايا على الأرض فتتغذى عليها وهذا ما يؤثر سلبا على صحتها فتصاب بعدة أمراض منها السكري والوزن الزائد ( السمنة) أو حتى الوفاة.
كما تتعرض هذه القردة لخطر إبعادها عن موطنها بالخطف والتهريب لتربيتها كحيوانات أليفة، تستغل في التهريج والألعاب البهلوانية حيث يعرض في الأسواق الشعبية والمناطق السياحية.

حظيرة الشريعة مرفق سياحي هام
تجمع هذه المساحة الخضراء بين مختلف التضاريس، سهول، جبال، أنهار، غابات، ومنابع، وكذا معالم تاريخية وأثرية، مما يجعلها قبلة سياحية هامة، للراحة والاستجمام وممارسة الرياضة، كالمشي والتزحلق على الجليد وركوب الدراجات، وغيرها من الأنشطة والفعاليات للترويح والتمتع بصحة جيدة، خاصة بوجود منابع مياه علاجية، مثل مياه حمام ملوان أحد أبرز الأماكن وأكثرها زيارة، حيث يقصده الناس لمياهه المعدنية الدافئة، مع توفر خدمات متنوعة، منها تقديم وجبات تقليدية حيث يتوزع الباعة الجائلون في المنطقة، وهم يعرضون أشهى أنواع الخبز المنزلي، والجبن التقليدي، والحليب الطازج، والبيض المسلوق وغيرها من الأطعمة الطبيعية الصحية التي ينتجها السكان محليا وبطرق تقليدية بسيطة كنشاط اقتصادي يضمن لهم لقمة العيش الكريم.
ولعل أحد أهم المواقع السياحية بنظامها البيئي المتميز في هذه الحظيرة هو “منبع القردة” والمعروف عند العامة بـ” الرويسو”، وسمي نسبة إلى المنبع المائي المتدفق من أعالي الجبال والساري إلى السفوح.
منبع القردة بين الماضي والحاضر
في ثلاثينيات القرن الماضي وأثناء تواجد الاحتلال الفرنسي بالجزائر اتم استغلال منطقة “الشفة” كوجهة للراحة والاستجمام، إذ هيء منتجع لاستقبال الزائرين بتخصيص مرافق عامة منها منشآت للإيواء والإطعام والتسلية والترفيه فضلا عن ما تحويه الطبيعة من خضرة وهواء عليل بعيدا عن صخب المدن وكذا مسبح طبيعي من المياه الصافية المتدفقة من القمم، هذا الوصف الذي ألهم بعض المؤرخين الفرنسين الذين مروا من هناك وتركوا كتبا تذكر ما عايشوه وانبهروا به.
إلى اليوم مازال الناس يقصدون المكان ومنهم من تفاجأ بوجود مثل هذه المناظر الخلابة واندهش لتنوع الغطاء النباتي، وكثافة الغابات وجمالها، ونظرا لكثرة الوافدين على المنطقة تم فتح فنادق وتخصيص منازل للإيجار (شاليهات) ومطاعم وقاعات شاي وتحلية، ومحلات للمنتجات المحلية والأواني والألبسة التقليدية ومعروضات تذكارية تعكس الثقافة المحلية للمنطقة.
سهل متيجة
واحد من أكبر السهول الجزائرية الخصبة يتربع على 1300 كيلو متر مربع، ويعد من المناطق الزراعية المنتجة كما ونوعا، يشتهر بزراعة الفواكه منها الحمضيات والكروم، وكذلك الخضروات، إذ يعد سلة غذاء غنية وفاخرة تجود على الأهالي وتصدر للخارج ما ينافس المنتجات العالمية في الجودة، علاوة على كونه لوحة طبيعية ملونة لفسحة واسعة من الأراضي المسطحة الممتدة.
من أجل الحفاظ على هذا الموروث النفيس يجب نشر ثقافة السياحة البيئية، والتعامل معه من دون إساءة أو أذية قد يلحق ضررها بالإنسان لاحقا، إذ يجب مراعاة الاختلافات وطبيعة هذه الكائنات الموجودة بالبرية والحفاظ على البيئة والمحيط.
ح.مzoom



تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.