لن يصيب دولة ما أصعب و لا أشر من الانقلاب، و لهذا فإن هذا السلوك الإجرامي الخياني المقيت مرتبط فقط بدول العالم الثالث. و هو سبب للتخلف و نتيجة له في آن معا. لكن هذا السلوك غالبا ما يتخذ له شكلا من التستر خلف حجية واهية، بحيث يصور الانقلابيون أنفسهم للناس في صورة وطنيين شجعان همهم صالح الوطن و المواطن، و خير البلاد و العباد. و الحقيقة غير هذا، بل عكسه تماما. إن أول ضحايا الانقلابات هما البلاد و العباد، أيا كان المنقلب و المنقلب عليه، لأنه نقيض الاستقرار و عامل هدم لما بني، و محرك ضغائن و إحن. إنه مفخخ مستقبل الأمم.
يتميز الوطن العربي بميزة لا يضاهيه و لا يشاطره فيها قوم من العالمين، إنها سطوة الأقلية. تحت هذا المفهوم العام تختزل كل هموم العرب، ويلاتهم، حسراتهم، لعناتهم..إن شعوب البلاد العربية كلها ترزخ تحت سطوة أقليات تتباين من بلد لأخر، و هي إما أقليات طائفية بشقيها ديني مذهبي أو إثني عرفي. أو أقليات فئوية. و هذا النوع هو الغالب و القضاء عليه أصعب بكثير من القضاء على سطوة الأقليات الإثنية، و ذلك ما يجعل الانقلابات في الوطن العربي مرة مريرة، لأن الفئة المنقلبة تتشكل من نواة هي العصابة الانقلابية تحوم في فلكها عُصب أخرى مرتبطة بها عن طريق امتيازات غير مشروعة أو وصولية و انتفاع سافر، أو بالنكاية في الفئة أو التشكيل ضحية الانقلاب.
ما حدث في مصر هو انقلاب سافر قام به الماريشال “السيسي” بإيعاز من الخارج رمى به مصر و شعبها في حرب لا تبقى و لا تذر، إنه بهذا الانقلاب ثم إعلان الحرب الأهلية يوم الجمعة 17 رمضان، في هذا التاريخ المشحون بالدلالات الإيمانية لهذا اليوم العظيم، وضع نفسه تحت طائلة اللعنة، ناهيك عن أن تاريخ البشر كله يشهد بأن لكل الحق في إعلان الحرب، لكن من يعلن الحرب يفقد حق وفقها. و هذا حال “السيسي” الذي أدان نفسه يوم انقلب ثم نفذ فيها حكم الإعدام المعنوي يوم أعلن الحرب الأهلية. بعد أن أفلت زمام الأمور من يديه بمجرد إعلانه لتلك الحرب القذرة يوم الجمعة الماضية.
ما يريده الانقلابيون الآن هو إرغام الشرعية على الاعتراف بالانقلاب و دفع ثمن من قتلهم الجيش و الشرطة، و هذا هو الباطل بعينه. و في المقابل يطالب الشرعيون و أنصارهم المكونين لزهاء 90 بالمائة من الشعب المصري بالثأر لدماء الضحايا العزل و معاقبة الانقلابيين بتهمة الخيانة العظمى. و على الرغم من كل هذا فإن “السيسي” أحدث في الانقلاب ما ليس فيه، فقد تعودنا الانقلابيين يشترون ود الشعب بعد الانقلاب إلا أن “السيسي” غر بعض التافهين و ذي النفوس القابلة للرق و العبودية، وجمعهم على ما يفرقهم. فاستنطقهم بطلب الانقلاب ليكون جرمه في محل نزول عند الرغبة أصوات مصرية تطالب بذلك، فلما استلذ الخيانة و العمالة و دماء المصريين بعد مجزرة فجر الحرس الجمهوري، راح يطلب بصراحة و وقاحة من أذنابه و المغرر بهم تفويضا يمارس من خلاله ساديته و شهوته للدماء البريئة في أعظم شهر من شهور الله، فأدار رحى القتل بشكل رسمي و كانت أول “بواكيرها” أكثر من 300 قتيل في أقل من 24 ساعة.
“السيسي” اللعين لم يكتف بجريمة الانقلاب ثم المجازر المتلاحقة بل وضع لأول مرة الجيش في خصومه و عداء مع الشعب، و هذا ما لم يحدث أبدا حتى أيام ثورة 25 جانفي التي أسقطت “باراك المخلوع”، كما دفع “السيسي” بجحافل العـ”فن” و الكنيسة و الأزهر لاستعباد الشعب المصري. و الملاحظ لهذا المشهد بمركباته و متناقضاته يجد بيانه في سورة المائدة بأسلوب بلاغي معجز، كأن تلك الآيات نزلت لتوها تصف الطوائف الثلاث التي انقلب على الشريعة و الشرعية، و هم “الفاسقون” (“حاخام الأزهر” والنانون)، “الظالمون” (السيسي وأعوانه من العسكر)، “الكافرون” (الأنبا تواضروس و أمثاله من رموز الكنيسة).
كاتب صحفي جزائري
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.
تعليق 5465
ما دامت الشعوب العربية غافلة عن المعنى الحقيقي للحرية والكرامةوأنه غائب تماما من حياتهم فانتظر أن يدوم ليل الإنقلاب والاستبداد أكثر مما هو متوقع ولكن إذا كان الأمر بخلاف ذلك كما هو الشأن عند إخواننا المصريين الشرفاء الحريصون على الحرية والكرامة الحقيقية فلن يطول ليل ذاك الإنقلاب وسيمحق تحت أقدام الاصرار والشموخ وصلابة العود وكل قيم النخوة والرجولة التي يبديها هؤلاء الشرفاء بسلمية في ساحات وميادين أرض الكنانة