زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

رسالة

❣️ تهنئة: فريق زاد دي زاد يهنئ الشعب الجزائري بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 58 لعيدي الاستقلال والشباب.. رحم الله شهداءنا الأبرار وكل عام والجزائر بخير 🌺

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الحراك السياسي: تجربة العنف وخيار السلمية

الحراك السياسي: تجربة العنف وخيار السلمية ح.م

يبدو أنّ الحراك السياسي في الجزائر ربّما هو تأسيس لموجة جديدة، ولكنّها مختلفة، من موجات التغيير في موجات حراك الشعوب الطويل، ومحاولتها الخروج من راهن الاستبداد، بعد ماضي الاحتلال، إلى مستقبل الحُكم المدني الديمقراطي الراشد، ومرّت شعوب العالم العربي والإسلامي، بما فيها الجزائر، ما بعد مرحلة الاحتلال الغربي لبلدانها، في مسيرة بناء الدول الوطنية بثلاث موجات أو نماذج من محاولات الاحتجاج والتغيير، التي تغيّرت نحو زعزعة الدولة الوطنية بسبب بدايتها الاحتجاجية ونهايتها الإيديولوجية، وهي:

أولا: موجة العنف (المسلح/الاجتماعي): وهي موجة اعتمدت على فكرة الجهاد الديني والمغالية في التغيير، والانقلاب على الأنظمة الاستبدادية، وهي موجة العنف غير الواعية بمتطلبات وأولويات مجتمعاتها، اعتمدت على العاطفة الدينية والحزبية أو الاحتجاج الاجتماعي، حيث خرجت الجزائر في الثمانينات منهكة من عنق الزجاجة، بعد حركة الربيع الأمازيغي وحركة بويعلي المسلحة وأحداث أكتوبر العنيفة، في سياق الثورة الإيرانية والوضع الأفغاني، وانتشار الحركات الدينية والقومية التي تعتمد على العنف السياسي في التغيير، وخرجت من موجة العنف بتجربة مريرة لتدخل موجة ديمقراطية طائفية غير واعية.

ثانيا: الموجة الطائفية: عاشتها الجزائر في التسعينات التي انتهت بعشرية عنف دموي ومأساوي، ومحور هذه الموجة التعصب الطائفي الديني والجهوي والإيديولوجي، الذي يغرق في مسائل الهويات الثقافية (دينية/عرقية)، وفيها الأحزاب السياسية هي مشاريع إيديولوجية وجماعات جهوية أو دينية أقرب إلى التكفير واستعمال العنف في الممارسة السياسية، في مواجهة أنظمة استبدادية تعتمد على القمع، وعاش العالم العربي هذه الموجة في الربيع العربي، بسقوطه في فخ التحريض الطائفي أو الديمقراطية الطائفية، فتتحوّل الحياة السياسية إلى مأتم مفتوح على جنائز صناعة الموت والحروب الأهلية، مثلما دخل العراق في لعبة الديمقراطية الطائفية فأصبح العراق كيانات مذهبية وعرقية، واستمر لبنان في حياته السياسية الطائفية عاجزا عن الخروج منها، وكما حدث في ليبيا، عندما اهتزت صورة الدولة وانهارت المؤسسات الأمنية، فأصبح الحديث عن فدرالية أقاليم في ليبيا، كما عاشت مصر صعوبات طائفية متنوّعة، وكذلك دول خليجية تعيش توترا طائفيا داخليا وإقليميا كما في اليمن إلى اليوم، أو في سوريا التي عمل فيها مشروع الديمقراطية الطائفية على كسر حلم السوريين بالعبور إلى إصلاح مدني، وكانت هذه الموجة مكلفة في العالم العربي كما في الجزائر مازالت آثارها المأساوية باقية.

ثالثا: موجة الحراك الشعبي: باعتبار حراك الجزائر بداية وتأسيس لهذه المرحلة التي ربما تكون أكثر وعيا، والتي تختلف عن موجات الربيع العربي، ومن أهم مؤشراتها:
1: اعتماد السلمية للتغيير بينما اعتمدت الموجات السابقة على العنف.
2: تجاوز المعارضة التقليدية والجماعات الإيديولوجية إلى حركة شعبية لاسيما في بداياتها.
3: التمييز بين السلطة والدولة، الحفاظ على الدّولة والعمل على تغيير السلطة.
4: حضور فلسطين في الوعي والشعارات، وهي بوصلة الوعي في حماية اتجاه حركة الشعوب، بينما افتُقدت هذه البوصلة في الموجات السابقة.
5: رفض التدخل الأجنبي، وهو الحاضر القوي في الموجات السابقة.
6: غياب محورية التكفير الديني في عملية الاحتجاج، وحضور محوري لمحاربة الفساد.
7: التعامل الحكيم والذكي لأجهزة الدولة مع المظاهرات حافظ على سلمية وعقلانية الحراك الجزائري، بينما كان العنف والقمع وسيلة السلطات في الربيع العربي.

وعليه يمكن التأسيس لحركة بناء سياسي راشد لمستقبل مجتمعاتنا، في حالة وعيها بتحديات ومحاذير انحراف الاحتجاجات الشعبية الناقمة على الأنظمة، والحالمة بدول راشدة، والتي تمرّ بثلاث مراحل:

أ: مرحلة العفوية: أو ما يسمّيه البعض بالحراك النقي أو الطاهر أو الملائكي، والذي ينخرط فيه معظم الجمهور للمطالبة بالتغيير والتعبير عن الرفض والغضب اتجاه النظام القائم، ويحمل شعارات توافقية تعبّر عن الرأي العام، مثلما حدث في الثلاثين جُمعة الأولى من الحراك الجزائري في رفضه للعهدة الخامسة ومطالبته بمحاسبة الفاسدين وإبعاد المتواطئين منهم، وهي مرحلة تتميّز بالسلمية والوعي الجماعي والعفوية في التنظيم والتعبير، وقابلية التفاعل مع التحوّلات، والتمسك بالروح والوحدة الوطنية ورموزها.

فإن التعويل على وعي الشباب الجزائري، وفي العالم العربي عموما، الذي يعرف أن أولويات المجتمعات في بناء أنظمة سياسية وطنية مدنية تحترم المواطن وتعمل لأجله، في ظل آليات تسمح للانخراط في العمل السياسي المؤسساتي، فينتقل الحراك من حركة احتجاجية في الشوارع إلى فعل سياسي ومدني ضمن مؤسسات وثقافة الدولة والروح الوطنية الجامعة..

ب: المرحلة الغوغائية: حيث يدخل الحراك في حالة من ضياع البوصلة وافتقاد القيادة الواعية، حيث يركب الحراك نخب مزيفة الوعي تُحاول أن تُجاري الحراك في تدحرجه نحو غوغائية الطرح تسمح باختراقات لأجندات وتيارات عصبية مختلفة، فتطفو إلى السطح شعارات جديدة وغريبة تعبّر عن عُصب إيديولوجية ويمينية وتطرفات تكفيرية وعرقية ومصالح متضرّرة من الحراك النقي، فيبدأ التصويب على مبادرات الانفراج وعلى الدولة وليس على السلطة، والتدحرج إلى معادلة صفرية مع الدولة، من مؤشراتها في الحراك الجزائري:
– التصويب على المؤسسة العسكرية وهي عمود الخيمة في الجزائر، في ذروة الصراع مع بقايا النظام السابق وعصابته السياسية والمالية، فينتقل بقية الحراك ( الحراك المقنّع أو العصبي) دون وعي إلى حليف للدولة العميقة التي تعمل على تعطيل الانفراج السياسي.
– رفض الحوار والانتخابات والحلول الوسطية والاتجاه نحو تصوّرات مثالية وآليات غير دستورية للعملية السياسية، بما يحوّل الحراك العصبي إلى عدوّ للديمقراطية متبنيا ديمقراطية غوغائية يحكمها الشارع وليس المؤسسات وهو توجّه خطير وغير عقلاني.
– إنتاج مجموعة من الرموز والزعامات الوهمية، هي اقرب إلى زعامات أزقة وليس لها حيثيات داخل المجتمع، كما أنّها نخب مزيفة الوعي لا علاقة لها بالفكر والعمل السياسي، أغلبها من ميادين ذات علاقة بهوس النجومية، تعمل على التموقع عن طريق الرياء السياسي، خصوصا مع تطور شبكات التواصل.
– بداية دور التحريض الخارجي لاسيما الإعلامي منه والابتزاز السياسي للضغط على النظام الجديد، وتصبح مسألة التدويل مسألة محتملة.

ج: مرحلة اليأس/ النشوز السياسي: وهي مرحلة قد يصل إليها بقايا الحراك العصبي المقنّع كنتيجة لمرحلة الغوغائية وقد رأينا بوادرها في بعض المناطق وبعض التصرفات، وهي تعبير عن حالة اليأس والغضب من جزء من الجمهور في عدم حدوث التغيير بالطريقة التي كان يريدها، وردّا على تعثرات التغيير الإيجابي أو تباطؤه أو تجاوزاته، أو في ظل حراك مواز ينتج شارعين، وهي مرحلة خطيرة على الدولة التي لا تملك سلطة قوية أو مؤسسات أمنية منسجمة، لأنها قد تهدّد الأمن القومي للدولة، ويمكن تجاوز هذه المرحلة من خلال:

مرحلة اليأس/ النشوز السياسي: وهي مرحلة قد يصل إليها بقايا الحراك العصبي المقنّع كنتيجة لمرحلة الغوغائية وقد رأينا بوادرها في بعض المناطق وبعض التصرفات، وهي تعبير عن حالة اليأس والغضب من جزء من الجمهور في عدم حدوث التغيير بالطريقة التي كان يريدها..

أولا: وعي الشعوب ونخبها بخطورة مشروع الديمقراطية الطائفية سواء بشعارات دينية أو جهوية، ومآلاتها على وحدة المجتمعات وأمنها، وعلى الأمن القومي كله، وهو أخطر من مشروع الاستبداد، لأنه بسبب هذا المشروع سيتحوّل المجتمع إلى محرقة مقدّسة، (العراق نموذجا) وهذا الوعي هو الذي سيعزل السياسيين الطائفيين والأحزاب المذهبية الجهوية ويهمّش النزعة العنصرية وثقافة الدشرة في النسيج الاجتماعي (يحتاج إلى إستراتيجية متكاملة).

ثانيا: إعادة الاعتبار لثقافة الدولة والممارسة السياسية المدنية، بما يفتح آفاقا للإصلاح السياسي السلمي، ومدنية الدولة لا يمكن أن تكون مبرّرا للفساد السياسي والمالي، وإنتاج عدائية لمؤسسة الجيش لصالح الفساد وعصاباته، فشعار دولة مدنية وليست عسكرية، كلمة حق يُراد بها باطل عند نخب غارقة في عنصريتها وجهويّتها وفسادها، فتنادي بدولة مدنية شعارا بينما في الحقيقة تريد دولة طائفية غارقة في الفساد، بعيدا عن عين الجيش الوحيد القادر على ضمان الدولة المدنية الحقيقية، بل وهو أكثر مدنية الآن من بعض النخب المزيفة، وعشرين سنة من تجربة سلطة مدنية أضعفت سلطة الجيش تركت هذا الحصاد من الفساد والخيانات والتهديدات.

رابعا: الوعي بمحورية التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد في بناء الدول، بدل الغرق في أوهام الإيديولوجيات وشعارات الهويات الثقافية للمجتمعات، حيث يصبح المشروع الاقتصادي/التنموي محور التنافس السياسي لدى المواطن، بينما تكون الهوية الوطنية محور التوافق الوطني الإطار، إنّ المواطن يحتاج إلى مشروع اقتصادي وتنموي يحل مشاكله اليومية، بدل خصومات سياسية وشعارات إيديولوجية لا تنتج سوى الفتن والتخلف.

لذلك فإن التعويل على وعي الشباب الجزائري، وفي العالم العربي عموما، الذي يعرف أن أولويات المجتمعات في بناء أنظمة سياسية وطنية مدنية تحترم المواطن وتعمل لأجله، في ظل آليات تسمح للانخراط في العمل السياسي المؤسساتي، فينتقل الحراك من حركة احتجاجية في الشوارع إلى فعل سياسي ومدني ضمن مؤسسات وثقافة الدولة والروح الوطنية الجامعة.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.