زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

“الإلحاد” وعلاقته بحروب الإبادة الجماعية عبر التاريخ

“الإلحاد” وعلاقته بحروب الإبادة الجماعية عبر التاريخ ح.م

يعتبر الإلحاد وفلسفته من المفاهيم الإيديولوجية والتي كان لها تأثير كبير في تغيير الكثير من القناعات، والعقائد الراسخة لدى الملايين من البشر عبر التاريخ الإنساني، ويرى أنصاره بأن الإلحاد كمفهوم عقلي مادي هو ردُّ معرفي ومنطقي وعلمي على الفجوة الكبيرة التي سببها الدين بمختلف مسمياته وأشكاله وبنياته الفكرية وعقائده السماوية كانت أو الوضعية..

فالملحدون عبر العصور يرون بأنهم صفوة البشر لأنهم لا يسيرون ضمن أسس وقوالب دينية متزمتة، تجعلهم مرتبطين بآلهة لم يروها من قبل، ولا دلائل علمية حسب نظرتهم الدونية للأشياء والبشر بصفة عامة على وجودها، باعتبارهم عبارة عن مخلوقات تطورية جاءت عبر ما يسمى بنظرية الانتخاب الطبيعي معتمدين على نظرية التطور لتشارلز داروين، ومحملًّين المتدينين والدين، المسؤولية الكبرى عن انتشار الأمراض والحروب في هذا العالم، ويربطون الدين عبر العصور بالتخلف والرجعية والميتافيزيقية، وينزهون أنفسهم مفاهيمهم الإلحادية عنها..

فهل هذا التصور صحيح؟ آم أنَّ الملحدين هم المسئولين عن قتل أكبر عدد من البشر؟ وإدخال البشرية في مستنقع الدمار والخراب لعقود طويلة يا ترى؟
يرى تشارلز دوكينز والذي يعتبر بالإضافة إلى كل من كريستوفر هيثنز وسام هاريس من أعمدة الفكر المادي الإلحادي في العصر الحديث، في أحد كتبه بأن الدين هو السبب الرئيسي للحروب في العالم، منطلقاً في ذلك من دراسته للتاريخ الأوروبي في العصور الوسطى، والحروب الدينية التي كانت تشنها الكنيسة على كل من يخالف أوامرها، أو يحاول أن يفسر النصوص الإنجيلية أو الظواهر الطبيعية خارج الأطر والمفاهيم الباباوية الكاثوليكية بالخصوص، متجاهلاً حقائق تاريخية مهمة، ومن بينها أن الكنيسة لم تكن تضطهد المفكرين والعلماء والفلاسفة فقط، بل حتىَّ أتباع الديانات الأخرى، وما فعله الملك فرناندو وزوجته الملكة إيزبيلا، بالمسلمين عند سقوط الأندلس واليهود سنة 1492م من تقتيل وتعذيب وتنكيل بهم، لا تزال أثاره وشواهد تاريخية تدل عليه في اسبانيا حتىَّ اليوم، وتناسى بأنه وفي أوج الثورة الفرنسية عندما سيطر العلمانيون والملحدون على الحكم، ارتكب هؤلاء مجازر بشرية مروعة في حقّ الفلاحين والمزارعين الفرنسيين البسطاء، ومن أهم تلك المذابح المروعة كانت مجزرة مدينة فوندي، والتي كانت في شهر تموز/ أوت من سنة 1793م، والتي راح ضحيتها أزيد من 815 ألف قتيل، عندما رفض الفلاحون دفع الضرائب التي فرضتها الحكومة الفرنسية عليهم لأنها كانت باهظة جداً، وهي الجريمة الموثقة تاريخياً التي تتستر عليها السلطات الفرنسية وترفض الاعتراف بها..

بالإضافة إلى أن الملحدين هم من كانوا وراء الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها ملايين البشر، إذ يؤكد المؤرخ والباحث البريطاني جيمس جول في كتابه الذي سماها، أوروبا 1870م، والذي يتناول فيه التاريخ الأوروبي من تلك الفترة حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ يقول فيه: بأن إيمان الدكتاتوريين الأوروبيين بفكرة الانتخاب الطبيعي أدىَّ إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.

وهي نفس الفكرة التي اعتمد عليها هلتر بعد ذلك في الحرب العالمية الثانية إذ اعتمد على نظرية الانتخاب والتطور الطبيعي لداروين، حيث قسم المجموعات البشرية إذ عدة أعراق وأجناس، أقواها وأفضلها بحسب رأيه هو العرق الجرماني الآري وأدناها هم الروس واليهود والغجر، كما اعتمد على فلسفة فريدريك نيتشه الفيلسوف الألماني، الذي كان من أنصار الفكر الإلحادي والذي يرى بأن قيام دولة قوية ومتطورة، لا يكون إلا بالتخلص من الضعفاء والعجزة والمعوقين، وهذا ما قام بها هتلر بالضبط، وأدت رؤيته المجنونة تلك إلى مقتل أكثر من 60 مليون إنسان في أقل من 6 سنوات..

حتى الفكر المادي الماركسي الإلحادي كان فكراً عدوانياً إقصائياً، إذ دعا كارل ماكس في كتبه التنظيرية، من منها كتابه الابرز رأس المال، إلى القضاء على الدين نهائياً، باعتباره منبع الشرور، وهذا الفكر الذي تبناه جوزيف ستالين عندما أصبح رئيس الاتحاد السوفيتي، وقائدا ملهماً للثورة البلشفية، إذ تذكر العديد المصادر التاريخية بأنه قام بإبادة أكثر من 20 مليون شخص، وحرق الآلاف الكنائس والمساجد والأديرة، ولكن اعترف في الأخير بفشله في نزع الدين من صدور الناس وتركهم لما يعبدون.
لم يقتصر الأمر على جوزيف ستالين فقط، بل إن الزعيم الصيني ماوتسي تونغ الذي حكم الصين لأكثر من 27 سنة، ارتكب في عهد ما يسمى بالحرس الأحمر في إطار الثورة الثقافية أبشع المجازر في تاريخ التنين الأحمر أدت إلى مقتل أكثر من 1 مليون شخص، وفي 70 سنة، لم تعرف الصين حاكماً ديكتاتورياً دمويا مثله..

وبالتالي فإن إلصاق تهمة التخلف والرجعية والتطرف بالأديان من طرف الملحدين هي أكبر كذبة حاول بها هؤلاء تشويه الأديان، حتى يصرفوا البشرية عنها، فهم أخطر من أتباع الديانات الأخرى والأكثر فتكاً ودموياً بكثير، إذ يقول الكاتب الأمريكي دينيس تسوزا في هذا الصدد: إن الملحدين قد اعتمدوا على أيديولوجية متغطرسة، تقوم على إبادة الغير أكفاء من ملاك الأراضي واليهود والمعارضين وغيرهم، حتى يتحقق لهم ما يسمى بالجنة على الأرض، معتمدين في ذلك على مقولة ثيودور ديدوفسكي التي القائلة: إن لم يكن هناك إله فكل شيء مسموح به.

وبالتالي فإن الملحد لا يؤمن بوجود الفضيلة أو القيم الإنسانية والسماوية، إذ يقول دانيال دينيت، في هذا الإطار: يجد الوجودي أو الملحد، حرجاً بالغاً في ألاَّ يكون الله موجوداً، لأنه بعدم وجوده، تنعدم أي إمكانية لديه للعثور على قيم في عالم واضح، وكل الفلاسفة والمفكرين الوجوديين بما فيهم جول بول سارتر، يكرهون الدين وقيمه، وفي نفس الوقت يحبون العيش في عالم بلا قيم أو أخلاق ليحلو لهم فعل أي شيء يرغبون فيه، لأنهم يرون بأن مصيرهم سيكون عدمياً في نهاية المطاف، ما دام أنهم لا يؤمنون بالميثولوجيا الدينية وفلسفاتها الميتافيزيقية بالتأكيد.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.