زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الإسلاميون والانتخابات: صدمة الأرقام وترف التحاليل..!

الإسلاميون والانتخابات: صدمة الأرقام وترف التحاليل..! ح.م

قيادات التيار الإسلامي.. نتائج واحدة وقراءات مختلفة؟!

عناوين فرعية

  • ... أو عندما تصبح الأرقام مرآة للأزمة

  • قراءة نقدية في مازق القراءة الذاتية لنتائج انتخابات 2026 التشريعية

مقدمة: لا تزال نتائج انتخابات الثاني من جويلية 2026 التشريعية في بالجزائر تشكل مادة دسمة للنقاش والسجال السياسي، لا سيما بين قادة ونخب التيار الإسلامي وعبر تشكيلاته المختلفة..

حيث تتفاوت القراءات في هذا الشأن بين طروحات تبرر الواقع وتبرهن على التقدم فيه، ضمن منطق أنه ليس في الإمكان أكثر مما كان، وبين منطق النقد والتسويق والبحث عن إعادة التموضع في الساحة السياسية بشكل عام والحزبية على وجه الخصوص، وصولا إلى منطق التفكيك الفكريعلى أمل إعادة التموقع الاستراتيجي في الساحة السياسية من جديد.

تتحدد إشكالية هذا المقال في سؤال رئيسي هو:إلى أي مدى تعكس المقاربات التحليلية المقترحة من قيادات التيار الإسلامي مأزقاً مفاهيميا في كيفية التعاطي مع العملية الانتخابية وسؤال التغيير السياسي في الجزائر؟

@ طالع للكاتب:
لماذا باتت الوحدة ضرورة وجودية لا خياراً تنظيمياً؟

في ضوء هذه الإشكالية تبرز مجموعة أخرى من الأسئلة الجدلية فحواها:

1. كيف توظف الأرقام الانتخابية لإنتاج خطاب تبريري يدعي إحراز إنجازات تكتيكية، تعاكس حقيقة الأرقام المحققة؟

2. ما هي حقيقة النقد الذاتي والتقييم الإجرائي الداخلي للعملية الانتخابية؟ وهل توظف النتائج كأداة للمراجعة والتقييم أم هي أداة لإدارة الصراعات القيادية وتوجيه القواعد الحزبية؟

3. ما حقيقة النمذجة الاستراتيجية الكلية في قراءة المؤشرات الانتخابية؟ وما هي حدودها المنهجية، وهل تمتلك هذه النمذجة حلولاً فارقة تتجاوز مأزق المشاركة في لعبة مغلقة؟

للإجابة على الإشكالية وما ترتب عنها من أسئلة جدلية، يحتمل أن يكون ذلك في ضوء الفرضيات التالية:

• الفرضية الأولى: يتناسب اعتماد القيادات الإسلامية للخطاب الرقمي عكسياً مع مستوى الفاعلية السياسية،وتُحَوَّل الموارد الصماء إلى نقاط قوة وهمية لتبرير سياسات مركزية.

• الفرضية الثانية: تشكل الأرقام الانتخابية فرصة لفتح النقاش السياسي إلا أنها توظف كتكتيك للانخراط في الجدل والصراع السياسي داخل البيت الحمسي.

• الفرضية الثالثة:توظف المؤشرات الرقمية ضمن مقاربة بنيوية تفترض وجود علاقة طردية بين الاقتراب من السلطة والنتائج المحققة، غير أنها تعاني من اختلالات منهجية وتوجيهات حتمية تضعف مضمونها.

في هذا الشأن وبصدد تعميق التحليلين أى هذا المقال بنفسه، عن زاوية النظر الحزبية الرسمية، في تقدير نتائج هذه الانتخابات، ويرصد مقاربات تحليلية ثلاث، سعى أصحابها لتقديم قراءتهم بعيدا عن وجهة النظر الحزبية الرسمية، ولكنها لا تبتعد عنها،بل تنطلق منها ولا تعبر عنها..

وهي ثلاثة منشورات مهمة، انطلاقا من المقاربة التسويقية الحزبية المباشرة التي طرحها الدكتور عبد الحميد فريحات على صفحته الفيسبوكية وسوق لها في الفضاءات الخاصة لحركة البناء الوطني..

إلى التقييم الإجرائي الحزبي النقدي الذي تبناه الأستاذ عبد المجيد مناصرة في حواره مع صفحة مليون محب لحركة مجتمع السلم، والذي حرص على إعادة نشره في صفحته الشخصية هو الآخر..

وصولا إلى التفكيك الفكري والنظري للمنطق الذي يحكم العملية ككل، بما يمثل محاولة تقديم نمذجة استراتيجية شاملة، مع الدكتور عبد الرزاق مقري، في مقالاته المطولة التي حرص على نشرها عبر وسائطه المختلفة.

تكمن أهمية تناول هذه المقاربات في كونها توفر سيولة معرفية مهمة، وترصد تحول السلوك والخطاب السياسي للقيادات الإسلامية، عبر زوايا نظر متعددة، وبذلك فإن الخطابات الثلاثة لا توفر مادة معرفية مهمة أمام التحليل السياسي فقط، ولكنها تعطي إمكانية مهمة لكشف الرهانات السياسية التي تتضمنها هذه الخطابات..

تكمن أهمية تناول هذه المقاربات في كونها توفر سيولة معرفية مهمة، وترصد تحول السلوك والخطاب السياسي للقيادات الإسلامية، عبر زوايا نظر متعددة، وبذلك فإن الخطابات الثلاثة لا توفر مادة معرفية مهمة أمام التحليل السياسي فقط، ولكنها تعطي إمكانية مهمة لكشف الرهانات السياسية التي تتضمنها هذه الخطابات..

وهي وجهة نظر تحليلية غالبا ما تغيب في أوساطنا السياسية، حيث يكتفي المتابع الإعلامي والسياسي، بتقديم وجهات النظر كما هي، دون أن يخضعها للتفكير النقدي والمساءلة المنهجية، التي تمنع التسليم بما يتم تناوله أو الترويج له، أو الانسياق وراء سرديات تبريرية أو نقدية تعكس رؤى أصحابها.

لعله من المهم التأكيد أن الجمع بين هذه القراءات الثلاث، تعطي المحلل قدرة كبيرة على تفكيك الظاهرة بمختلف أبعادها، فمن خلال خطاب المناضل السياسي المنسجم مع طروحات حزبه وحركته، كما هو واضح في منشور فريحات، يمكن أن يكشف المحلل عن الخطاب التبريري الكامن خلف الخطاب السياسي..

ومن خلال الرؤية الحزبية الناقدة، التي تبناها مناصرة، يمكن للمحلل أن يكشف عن الخطاب السياسي المعارض، وكيف تدار اللعبة السياسية..

ومن خلال التحليل الهيكلي والبنيوي كما تبناه مقري، يمكن للمحلل أن يلج إلى عمق الأسباب البنيوية للأزمة، وكيف يوظف الخطاب لإعادة التموضع في الساحة من جديد.

لاشك أن إخضاع المقاربات الثلاث لميزان التفكير النقدي، من شأنه أن يثري عملية التحليل بشكل عام، ويكشف بالتالي عما وراء السطور والأكمة كما يقال، والواضح أن هذه المقاربات تختلف اختلافا جليا في منطلقاتها المنهجية، وفي غايتها بالضرورة، وبالتالي فإن إخضاعها لميزان التقييم النقدي، كما يتناوله التحليل التالي، هو أمر ضروري وحيوي كذلك.

1. لعبة الاستقرار الرقمي ومنطق التسويق الحزبي عند الدكتور فريحات

حرص الدكتور عبد الحميد فريحات، إلى تسويق رؤية تحليلية، شديدة الصرامة، في فضاء حركة البناء الوطني، تحت شعار “نتقدم ولا نتراجع”، قوامها الأساسي التقدم في الأرقام والتوسع في الجغرافيا، وصفها فريحات بأنها نتائج تاريخية تعكس الثقة وتؤكد الحضور.

فقد انتقلت نتائج حركة البناء الطموحةفي المجلس الشعبي الوطني، إلى 40 مقعدا نيابيا مقابل 39 في 2021، وتوسع وعائها الانتخابي ليشمل 33 ولاية مقابل 24 ولاية سابقا، كما حققت أكثر من 4 بالمئة في 61 ولاية، مقابل 24 ولاية سابقا، وهي بذلك تحتل المرتبة الخامسة وطنيا في التشريعيات والمرتبة الرابعة في مجموع غرفتي البرلمان.

وقد ضمن فريحات هذه النتائج دلالات مهمة، فهي ليست مجرد ارقام كما قال، بل هي رسالة واضحة، بأن حركة البناء الوطني، تسير بثبات نحو تعزيز دورها في خدمة الوطن والمواطن، والمساهمة في بناء جزائر قوية ومزدهرة.

ومن ذلك يؤكد أن هذه النتائج تحمل استقرار انتخابيا يعكس ثقة القاعدة الشعبية، وحضورا برلمانيا مؤثر ومتزايد، وتبشر في رأيه بقابلية عالية للمشاركة في الحكم عبر التحالفات، زيادة على فرص نمو واعدة في ظل إعادة تشكيل المشهد السياسي.

ربما يمكن أن نلتمس بعض العذر للدكتور فريحات، وهو يتبنى استراتيجيته التسويقية، من خلال عملية النفخ المبالغ فيه للأرقام، فالمنطق الحزبي والمؤسساتي بشكل عام، يبحث عن الاستقرار والاستمرار، ويخاف من الاهتزازات والارتدادات السياسية، ثم هو يستثمر ما توفر له من موارد صماء، ويحولها إلى نقاط قوة، قابلة للاستثمار السياسي، ضمن مناورة سياسية طموحة..

والحق أن الدكتور فريحات قد نجح على هذا المستوى، للتسويق لمقولة الاستقرار الانتخابي، مادام أن النتائج لم تتغير إلا بمقعد واحد، وتلك هي رسالته نحو القواعد، كما عبر عن روح عالية للاستثمار السياسي، على أمل تعزيز الموقع التفاوضي لحركته، فكانت الرسالة بذلك واضحة من خلال إثبات الجاهزية الكاملة للمشاركة وتعزيز التحالفات القائمةداخل معادلة السلطة.

@ طالع للكاتب:
هل تعيد الصورة هندسة الهوية السياسية للأحزاب؟

لا يمكن أن نعيب على الدكتور فريحات ميزانه السياسي المختل، حينما نضعه ضمن المنطلقات السياسية المبدئية، لحركة البناء الوطني، التي اختارت من البداية التموضع في قلب معادلة السلطة، وضمن لعبة سياسية، لها محدداتها ولها مبرراتها، التي لا يعنينا التوقف عندها ضمن هذه الجزئية من التحليل..

هذه القراءة على بساطتها في الطرح، تتغافل عن السياق الكلي للعملية الانتخابية، الذي يقر فيه الجميع، بحالة التراجع الكبير والخطير في مستويات الفاعلية السياسية والانتخابية..

غير أن المنطق السياسي العام، هو ما يجعل من مقاربة فريحات مقاربة اختزالية أكثر من اللزوم،ويجعل من تبريره الرقمي في غير مستوى سياسة حركته المركزية، في تبني خيار التحالف الصريح مع السلطة، ولو أنه تميز بالحصافة المنهجية الواجبة، لانتهى إلى تأكيد أن هذه الأرقام لا تنسجم مع طبيعة تلك السياسة المركزية المتبناة..

إذ كيف يعقل أن لا ينال طرف أصيل في اللعبة، حصته الواجبة من (الطورطة)، ولو أنه كان أكثر جرأة في الطرح لقال إن هذه الأرقام تفرض إعادة النظر في تبني مثل تلك السياسة.

وزيادة على ذلك فإن هذه القراءة على بساطتها في الطرح، تتغافل عن السياق الكلي للعملية الانتخابية، الذي يقر فيه الجميع، بحالة التراجع الكبير والخطير في مستويات الفاعلية السياسية والانتخابية..

فكيف يمكن أن يكون كسب مقعد إضافي واحد، إنجاز تاريخي؟ وكيف يمكن أن يكون النجاح في تجاوز العتبة إنجازا ومعبرا عن طموح سياسي وازن؟..

والحق إن أي قراءة سياسية تتجاهل الانخفاض الحاد في نسبة المشاركة العامة في الانتخابات، لا يمكن أن تكون أبدا قراءة سياسية واعية، بقدر ما هي قراءة تبريرية، مفصولة عن الواقع.

2. الحكمة السياسية وتجاوز حدود المسؤولية عند الأستاذ عبد المجيد مناصرة

وسط جدل واسع، حول نتائج حركة مجتمع السلم، من حيث تقدير التراجع المسجل، ومن حيث تقاسم المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك، استدعت صفحة مليون محب لحركة مجتمع السلم، حكيم السياسة الحمسية إلى فضائها الخاص، الأستاذ عبد المجيد مناصرة دون سواه، في حوار حرصت فيه الصفحة على تبديد الشكوك المثارة، وتقديم التفسيرات المطلوبة..

وعبر فيه مناصرة عن رؤية نقدية واضحة، حرص هو الآخر على نشرها في صفحته، وإعادة توضيح معالمها في منتداه للتفكير السياسي.

وقد اعتمد الأستاذ مناصرة كما هو سياق الحوار، على تفكيك شرعية العملية الانتخابية، لينفذ منها إلى تشخيص أزمة المشهد السياسي برمته، ولينتقل بعد ذلك إلى الشأن الداخلي لحركته: مجتمع السلم، وضمن لغة سياسية صريحة جدا..

وعلى غير العادة، بدا مناصرة متحللا من أي مسؤولية سياسية أو حزبية وهو يجيب على دور المادة 200 من قانون الانتخابات في عملية الزبر والاقصاء التي طالت العديد من القوائم الانتخابية..

معتبرا العملية تصفية حسابات ومنع للمرشحين التنافسيين من الترشح، بما يشكل مخالفة صريحة ومفضوحة للدستور، وتراجع واضح عن حق حرية المواطن في الترشح، سطت عليه جهات متعددة قد تكون وطنية أو محلية، وقد تكون إدارية أو سياسية، وغالبا ليست هي سلطة الانتخابات، وقد كان ذلك باستغفال مسبق للأحزاب المتضررة التي كانت قد صادقت على القانون دون مسؤولية ولا وعي.

بدلا من التركيز على التراجع يدعو مناصرة إلى التركيز على المراجعة، وبدل الوقوع في فخ النقاش الرقمي فالأنفع هو النقاش القيمي والسياسي. فالأرقام كما قال لن تغير واقعاً إلا واقع أصحابها، ولن تحدث تغييراً في البرلمان إلا تغيير مقاعد جلوسهم، ولن تقوي البرلمان إلا رفع أصواتكم، ولن تُفعّل المعارضة إلا زيادة في الديكور.

ومن خلال ذلك حرص مناصرة إلى إعادة تعريف نسبة المشاركة في هذه الانتخابات، معتبرا إياها الأضعف في تاريخ التشريعيات التعددية، مؤكدا أن نسبة 21,24% المعلنة قد تقل عن 10% كما يشير بعض الملاحظين والمراقبين للعملية الانتخابية، وبنزع الأصوات الملغاة، المقدرة بمليون صوت، فإن نسبة المشاركة المعبر عنها تتوقف عند 17,22%، وفي ضوء ذلك فإن وصف هذه الظاهرة بالعزوف هو في حد ذاته خطأ..

بل هي مقاطعة سياسية صريحة وصلت لـ 80%، محولا بذلك الموقف الشعبي السلبي إلى فعل سياسي واعي، لم يكن تلبية لنداء حزبي أو سياسي، بل رد فعل من الشعب على الانتخابات التي لا تغير شيئاً، وعلى البرلمان الذي لا يفعل شيئاً، وعلى النواب الذين لا حول لهم ولا قوة. ضمن عملية مملة ومفرغة من محتواها التنافسي وبعيدة عن مقاصدها التغيرية والاصلاحية.

وفي إطار توزيع المسؤوليات اعتبر مناصرة أن نسبة المشاركة هي إدانة شعبية واضحة للحكومة وسياساتها وبرامجها التنموية وإدارتها لشؤون المواطنين، وللعملية الانتخابية بنظامها الانتخابي وقوانينها وتنظيماتها وإدارتها وظروفها ونتائجها المنبثقة عنها، وللبرلمان بدرجة اقل، كونه منزوع السلطة، وضعيف الاداء، لا يشرع بل يمرر القوانين، لا يراقب بل يصفق ويؤيد، ومنحازا للحكومة ضد الشعب، مقررا لحقيقة مؤلمة قوة النظام على حساب الدولة الجزائرية التي تعاني من ضعف مؤسساتها، كما هو شأن البرلمان.

وعبر ذلك تتحدد مسؤولية الشعب الذي ينبغي عليه أن يكون أكثر مشاركة فمقاومة التزوير تتم بالمشاركة، وإصلاح البلاد تتم بالمشاركة، ونصرة الحق تتم بالمشاركة، والتغيير يتم بالمشاركة، والجزائر الجديدة تبنى بالمشاركة الشعبية الكبيرة.ولا يمكن في إطار ذلك اعفاء الأحزاب من المسؤولية، جراء لعبها لدور الضحية، وردود أفعالها التي لا تتطابق نهائيا مع ما يجب ان تقوم به الاحزاب في نضالها السياسي ضد الاستبداد والفساد والتزوير والتزييف والتجهيل والتفقير.

وإزاء ذلك تتحدد المسؤوليات وفق مناصرة، لا بالتباكي على تراجع نسبة المشاركة، ولا بتوجيه خطاب إلى الشعب لإقناعه بالمشاركة، ولا إلى الأحزاب للومها على تراجع دورها، ولا إلى المرشحين وضعف حملتهم الانتخابية، بل أن المسؤولية تقع على:

• الحكومة لتصلح المنظومة الانتخابية كلها، لتتوافق مع المعايير الديمقراطية الدولية.

• الارادة السياسية لتنظيم انتخابات تعددية جادة وحرة ونزيهة، تسمح بالتغيير الديمقراطي السلمي.

• تحرير الاحزاب من التبعية للسلطة وتحرير طموحها وقرارها ومناضليها.

بذلك يخلص مناصرة أن التراجع الذي عرفته هذه الانتخابات، هو تراجع بالدرجة الأولى للعملية الانتخابية الديمقراطية، وهو وضع يعبر عن عدم قناعة الإرادة السياسية الحالية بالأحزاب ودورها..

ولذلك فقد طال التراجع الجميع، إبتداءا من أحزاب السلطة التي تراجعت أرقامها بشكل لافت، وساد منطق التشتيت والتشرذم في توزيع المقاعد، مما سمح بدخول 22 حزب للبرلمان وهو رقم قياسي، 7 منها فقط من تملك أكثر من 10 مقاعد، بينما تتراوح البقية بين 1 و6 مقاعد، ولم تتمكن سوى 6 أحزاب من تشكيل كتل برلمانية، وفقا للنظام الداخلي للمجلس الذي يشترط على الأقل 15 مقعدا.

ليخلص مناصرة إثر هذا التحليل الرقمي إلى التأكيد على الدلالات السياسية التي تحملها هذه الأرقام، فالكل موجود ولكن الكل صغير والكل متراجع، ولا أحد منها ولا مجموعها ولا حتى البرلمان كله، له دور ي تشكيل الحكومة أو دور في تسيير شؤون البلاد أو مراقبة عمل الحكومة كما تنص النصوص، والنتيجة النهائية: ديمقراطية بدون أحزاب كبيرة، وحكومة بدون برلمان، ونظام بدون أغلبية.

وعن المسؤولية السياسية لحركته مجتمع السلم، لا يتوانى مناصرة عن التعبير عن نقد ذاتي حاد، رافضا بذلك شماعة إرادة تحجيم الحركة والاستهداف الخارجي، كمبرر وحيد للتراجع المسجل، التي يرى أنها قائمة ولا يجب أن تنكر، ليشير بإصبع الاتهام إلى التحجيم الذاتي، الناجم عن تدني الطموح، وضعف الأداء السياسي نتيجة الخيارات الداخلية والأداء الحزبي، التي لا ينبغي التغاضي عنها، وإلا وقعت الحركة مرة أخرى في مزالق التراجع والتردي مع عدم الشعور والإحساس بذلك..

وبدلا من التركيز على التراجع يدعو مناصرة إلى التركيز على المراجعة، وبدل الوقوع في فخ النقاش الرقمي فالأنفع هو النقاش القيمي والسياسي.

فالأرقام كما قال لن تغير واقعاً إلا واقع أصحابها، ولن تحدث تغييراً في البرلمان إلا تغيير مقاعد جلوسهم، ولن تقوي البرلمان إلا رفع أصواتكم، ولن تُفعّل المعارضة إلا زيادة في الديكور.

بشكل مجمل لا يمكن فصل أراء الأستاذ عبد المجيد مناصرة السياسية، عن السياق السياسي العام، الذي يتموضع فيه داخل البيت الحمسي، فالرجل له رمزيته وله موقعه، وخطابه السياسي يكاد يشكل خطا سياسيا خاصا، منذ زمن الشيخ محفوظ رحمه الله..

وقد مكنته كل تلك المعطيات أن يبرز في حواره هذا وفي هذه اللحظة المفصلية بشخصية الحكيم السياسي المتعالي على الصراعات التفصيلية، ويوميات الجدل السياسي واكراهاتها داخل دواليب الحركة، وباعتباره الرجل الأول سابقا، كان حريصا على إبراز دقائق السياسة الداخلية وتفصيلاتها المحلية، وكانت إيحاءاته مبطنة في البرهنة على خطأ خيارات القيادات الحالية وفي إدارة العلاقة مع السلطة وفي إدارة البيت الداخلي بالضرورة.

بذلك يكون مناصرة قد استهدف من خلال حواره، تحقيق رهانات سياسية واستراتيجية مهمة، فكان ضغطه واضحا باتجاه المراجعة القيادية، عبر تعبئة واضحة للقواعد السياسية سواء عبر صفحة الميلون محب، أو عبر منتداه للتفكير السياسي، أو عبر صفحته الفيسبوكية الخاصة، وهي الصفحات التي احتضنت هذا الحوار.

فكانت بذلك الدعوة صريحة إلى مراجعة قيمية وسياسية، وفتح النقاش السياسي بدل النقاش الرقمي هو ما يستحق الإشارة والتأكيد، وهي دعوة لها مدلولها الخاص في مفردات الخطاب السياسي، ففضلا عما توحي به العبارة من غياب النقاش السياسي بين دواليب الحركة، فإن الإشارة قد لا تتوقف فقط عند حدود المطالبة بفتح ذلك النقاش، بقدر ما تكون دعوة ضمنية لتحمل المسؤولية السياسية عن ذلك التراجع المسجل.

لعل أهم ما يلفت النظر في حوار مناصرة، هو رفع سقف خطابه السياسي على غير العادة، ولعله بذلك يستبق الخيارات التي صارت تضيق أمام حركته، لمنعها من الذوبان في الديكور المؤسساتي.

وبحديثه عن الاستبداد والفساد والتزوير، يريد أن يدفع الحركة كي تبقى عند حدود المعارضة المبدئية، وعدم الاستسلام للعبة سياسية مفرغة من محتواها، وربما على أمل أن ينضج النقاش السياسي الذي دعا إليه، خيارات أكثر انسجاما وتعبيرا عن التوجهات الغالبة في الحركة، قد تجنبها اهتزازات سياسية غير مرغوبة، فتكون دعوة مناصرة بذلك تعبيرا عن عين الحكمة دون إغفال لمتطلبات المسؤولية.

3. النمذجة الاستراتيجية للأزمة والعجز المنهجي عند الدكتور عبد الرزاق مقري

ضمن رؤية كلية تنظيرية متقدمة، وأكثر تفصيلية عن غيرها، يستغل الدكتور عبد الرزاق مقري نتائج الانتخابات التشريعية ومؤشر التراجع الواضح لحركته مجتمع السلم، كي يدلل على مقاربته الكلية، التي تتجاوز الحسابات الرقمية الضيقة، إلى البحث في المأزق السياسي العام للحركات الإسلامية ككل..

لكنه يجعل من المؤشرات الرقمية دافعا أساسيا للانخراط في الجدل السياسي القائم في ساحة حركته وخارجها، على إثر النتائج المسجلة، ولذلك كانت إشارته منذ بداية مقاله، إلى التحامل على القيادة بمنطق تصفية الحسابات، وتهوين الحصيلة المحققة، التي يعتبرها جيدة.

وفي هذا الإطار يؤكد مقري باستشهادات متعددة، أن ما يعيشه الإسلاميون في الجزائر من تراجع في مكانتهم وتأثيرهم هو ما يعيشه الإسلاميون في كل العالم العربي والإسلامي، من صد عظيم مزدوج، من القوى الاستعمارية الظالمة والأنظمة الاستبدادية الحاكمة، يحول دون عبور الفكرة الإسلامية من المجتمع إلى الدولة.

وفي سبيل ذلك لا يسمح للإسلاميين أن يتجاوزوا في أحسن فتراتهم نسبة30% من نتائج الانتخابات، وذلكحين يحملهم زخمهم الشعبي، وفي أسوئها إن هم ضعفوا، في حالة انهيارهم، ليبقوا بين 8 إلى 10 % بالتزوير لصالحهم،بحكم الاحتياج إليهم في الواجهة الديمقراطية وتحميلهم الإخفاقات دون أن يحكموا.

وبين هذا وذاك يقرر الدكتور مقري إن مشكلة الإسلاميين ليست في الصد المزدوج الذي فشلوا في مواجهته، ولا هي في فكرتهم الرومانسية الحالمة، “الإسلام هو الحل”، وإنما المشكلة تكمن في الاستعجال على محورين، فحين طالهم القمع والظلم تطرف بعضهم باختيارات انتحارية عنيفة جعلتهم أوعية قابلة للتوظيف من قبل الاستخبارات المحلية والعالمية..

واستعجل أكثرهم الطريق في الاتجاه المعاكس، حينما وضعوا أنفسهم، تحت سقوف الأنظمة الاستبدادية، التي تقوت بهم من أجل فتات أضعفهم، فانتقلوا من الرومانسية الدافعة للتضحية إلى العجز والخضوع لموازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي، دون أي قدرة على ابتكار نهج جديد مقاوم وسطي، أو الثبات عليه، بين الصدام المهلك والاندماج المفند،وتحولت المسيرة كلها إلى عقد مركبة يعسر الخروج منها.

وبعد هذا التشخيص العميق لجذور المأزق السياسي، يطرح مقري الإشكالية التي يتجاوزها الجدل الكبير داخل الحركة الإسلامية في الجزائر، دون طرح الأسئلة الصحيحة ودون تحمل عبء الإجابات النزيهة والبحث في الأسباب العميقة.

والأمر هنا منوط بالسلطات الرسمية التي تتحمل المسؤولية الأكبر في إفساد الحياة السياسية، وتيئيس الناس من المشاركة في الانتخابات ودفعهم للمقاطعة الشاملة، بغرض الوصول إلى ما يسميه “الديمقراطية الآمنة”، التي تحسم فيها النتائج قبل الاقتراع، ودون عناء كبير بعد ذلك في التزوير الانتخابي.

وقبل أن يضع الدكتور مقري، فرضيته التي تحكم تحليله في الإجابة على الإشكالية المطروحة، يوضح العوامل المؤثرة في الانتخابات، التي تعتبر بمثابة الميزان الذي يسهل تقييم وتحليل نتائج الانتخابات بموضوعية ونزاهة، كما قال وهي:

1. العوامل الذاتية: (رمزية الحزب، قوة الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشح، والحملة).

2. العوامل الخارجية: (تحكم النظام السياسي فيما يسميه “الديمقراطية الآمنة” وتحديد سقوف انتصارات الإسلاميين).

هنا تتجلى فرضية مقري التي يسعى لاختبارها في واقع حركته مجتمع السلم،في أن رؤية الإصلاح والتغيير من داخل القواعد غير العادلة التي فرضتها السلطة على الحركة، وضمن موازين القوة الراهنة، غير ناجحة، ولم يستفد منها إلا أفراد على حساب الحركة ومشروعها، وعلى حساب البلد، وأن الحركة تتراجع على مستوى العوامل الأربعة بقدر اقترابها من السلطة الحاكمة على النحو التالي:

– الاقتراب من السلطة: تراجع الرمزية + اهتزازات وانشقاقات + تراجع انتخابي

– الابتعاد عن السلطة: اجتماع الشمل + ارتفاع الرمزية + استعادة المبادرة

إذا ما وسعنا زاوية النظر قليلا، وأمعنا القراءة جيدا، يمكن القول إنمقاربة الدكتور مقري، لا تقوم على فرضية واحدة، بل أن النص الذي يقدمه، يولد أكثر من فرضية، يتخذها مقري منطلقا لتحليله، دون اجتهاد في إثباتها، وكأنها بديهيات لا تحتاج إلى إثبات..

@ مقال سابق للكاتب:
عن مبادرة التنسيق الانتخابي بين حركتي “حمس” و”البناء”

فعلى مستوى معادلة الخط السياسي والنتائج المحققة، يفترض مقري أن تراجع الحركة انتخابيا، يرتبط طرديا بمدى قربها من السلطة وبمدى ضبابية خطابها السياسي وتأرجحه بي المولاة والمعارضة دون حسم، ويفترض أن التزوير والعزوف الانتخابي هما متغيران مستمران على مستوى بنية النظام السياسي، وأن قدرة الحركة على الصمود والتراجع تعتمد على مقوماتها الذاتية (الرمزية، التنظيم، والخطاب).

وحين يسعى مقري إلى إثبات فرضيته بمؤشرات رقمية صماء لا يمكن تجاوزها، ويحاول الانتقال بالمتابعين كما يقول إلى ملاحظة عمق الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد، ويتخبط فيها التيار الإسلامي كله منذ بداية التعددية، في مواجهة نظام سياسي قرر صد الطريق عليه، يجزم بفرضية ضمنية أخرى، يوسع دائرة تحليله عبرها إلى السياسة ولا يكتفي بالانتخابات، فحواها:

أن الاكتفاء بالعملية الانتخابية في عملية التغيير والإصلاح غير مجدية، بل هي عقيمة ومديمة للأزمات، إن لم يكن معها أداء وخطاب يهدف إلى تغيير موازين القوة لصالح المجتمع في مواجهة تغول التحكم الرسمي.

ومرة أخرى يفترض مقري بشكل ضمني ودون إثبات، ويؤكد أن تلك هي الحقيقة، حينما يرصد الخصوصية الجزائرية، التي لا يزال معها النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكلي للحركة الإسلامية، ويعمل على تحجيم التيار الإسلامي بالتزوير والتضييق، وتشتيته، وضرب بعضه ببعض، في الوقت الذي لا يزال النظام السياسي يحتاج وجود التيار الإسلامي في الواجهة، لبعض التوازنات، وخصوصا في ظل الأزمات متعددة الجوانب التي يعيشها والتي يتوقعها.

ربما لم يكن التحليل الذي يقدمه مقري، معنيا كثيرا بإثبات الفرضيات الفرعية، التي تولدت دون أن ينتبه في خضم تحليله، واعتبرها حقائق أو بديهيات لا تحتاج إلى إثبات، وأكتفى بالسعي لإثبات فرضيته المركزية التي بنى عليها تحليله الكلي، عبر سلسة طويلة ومهمة من الجداول والأرقام، امتدت على مساحة زمنية واسعة من 1991 إلى 2026، إلا أن ذلك التوجه يجعل من إثابته لفرضيته في نهاية المطاف مختلا ومعرضا للاهتزاز، ما دام أنه بني على بديهيات أو حقائق كما يزعم، هي في حكم الفرضيات التي تحتاج إلى تفنيد أو إثبات، ولا يمكن اعتبارها حقائق مطلقة.

تتسع مقاربة مقري التحليلية، إلى عدة جداول، سعى من خلالها إلى رصد تطور النتائج الانتخابية للحركة في الانتخابات التشريعية من 1991 إلى 2026، ثم تطور مستوى التنافسية في الحركة..

ليتوقف بعدها بالتحليل عند مدى التقدم والتأخر في النتائج الانتخابية التشريعية عبر العهد التنظيمية الأربعة، وهي التي ترتبط بالشخصيات القيادية التي مرت على الحركة، إبتداءا من الشيخ محفوظ رحمه الله، والشيخ أبو جرة سلطاني، والدكتور مقري ذاته، والأستاذ عبد العالي حساني الشريف، الرئيس الحالي. وذلك عبر ميزانين هما:

– ميزان: “الانتخابات يصنعها الناخبون ويتحكم فيها النظام السياسي”
– ميزان: “نتائج الأحزاب تصنعها أربعة عوامل: رمزية الحزب، حالة الحزب في الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشحين، الحملة الانتخابية”

أولا: على مستوى تطور النتائج الانتخابية من 1991 إلى 2026:

يعتمد مقري على مؤشرات وسيطة لرصد هذا التطور: هي عدد المقاعد، والرتبة، وتغطية الولايات، ونسبة التمثيل في المجلس الشعبي الوطني، ونسبة التمثيل بالنسبة لعدد الأصوات المعبر عنها، ليخلص بعد جدول طويل ومهم، إلى جملة من الخلاصات تحت عنوان ملاحظات، يمكن تلخيصها هي الأخرى في الجدول التالي:

zoom

بملاحظاته العامة الملخصة في الجدول السابق، يكتفي الدكتور مقري، بإعادة قراءة المؤشرات ولا يقدم قراءة تفسيرية مباشرة، للأرقام التي رصد تطورها من محطة انتخابية لأخرى، ويؤجلها إلى نهاية تحليله العام، وهذا التوجه قد يقود إلى تعويم النتائج الجزئية في ضوء النتائج العامة، فكان الواجب منهجيا هو تفسير النتائج الجزئية، ضمن سياقها المنهجي والسياسي الذي وردت فيه، وذلك حتى لا تقع الدراسة والتحليل في فخ الانتقائية والتحيز.

وعلى هذا المستوى كان يمكن تسجيل إن صعود الحركة في 1997 لا يرتبط بديناميكية ذاتية بالضرورة بقدر ما هو انعكاس لأزمة سياسية سابقة، كما أن تراجع الحركة في 2012، كان نتيجة لتآكل رصيدها السياسي بفعل مشاركتها في التحالف الرئاسي..

يبدو أن معيار مقري للتنافسية، معيارا غير محايد، يطغى عليه التوجيه الذاتي، الذي يقود إلى النتيجة التي يريدها هو نفسه، كما يعتبر معيارا متناقضا أيضا..!

وهكذا فالأرقام المعتمدة كمؤشر ضابط لها أسباب ناظمة، مما يجعل من المؤشر الرقمي وحده غير كافي لتفسير الظاهرة المرصودة، مما يقود التحليل في نهاية المطاف إلى الانحياز، فبعض المحطات تبرز كإنجاز منفصل، وبعض محطات التراجع يعاد ترتيبها وتلطيفها..

فنتيجة 65 مقعد في 2021 توصف بالتقدم، وكان يمكن وصفها بالتراجع لكونها جاءت بعد حراك شعبي قوي، وتراجع واضح في أحزاب السلطة. ونتيجة 43 مقعد في انتخابات 2026 التي وصفها مقري بالجيدة، يمكن وصفها بالمتواضعة وبالتراجع أيضا بالنظر إلى نسبة المشاركة الضعيفة.

كما أن المؤشر الرقمي يتعامل مع نسبة التغطية للولايات، كمجرد أرقام إحصائية، بينما هي تعبير واضح عن انحسار جغرافي وانكماش وعجز عن التغطية، بما يعكس قصورا واضحا في الامتداد الشعبي على المستوى المحلي، وبدلا من تحليله بجرأة يتم اعتماده دون نقد لتبرير الفرضية الكلية المتبناة.

وفي الخلاصة على هذا المستوى يكتفي مقري بالتشخيص والتوصيف، عبر لغة الأرقام الجافة، ويقدمها عبر محطات انتخابية مختلفة، لكنه لا يفسرها ولا يقرأها قراءة نقدية في حينها، وهو ما من شأنه أن يكشف عن مؤشرات وسيطة أخرى، قد تفند الفرضية الرئيسية التي يعتمدها في التحليل، بدلا من الانتظار إلى نهاية التحليل كي ينقد ويفند، وهو ما يجعل من الخطاب العام ذو توجه تبريري أكثر منه تحليلي.

ثانيا: على مستوى التنافسية: يعطي مقري تعريفا خاصا للتنافسية ويحصره في مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات، ويتتبع أثر ذلك في مختلف المحطات الانتخابية كما فعل ذلك سابقا، ويبدي في النهاية ملاحظات عامة، يمكن تلخيصها في الجدول التالي:

zoom

في هذا الإطار التحليلي وعبر ملاحظاته العامة، يمكن أن نسجل أن الدكتور مقري يجعل عبر رصده السابق من حركته: مجتمع السلم محور التحليل ومركزه، باعتبار أنه يرصد مستوى التنافسية التي يقصد بها مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات.

ولا شك أن ذلك يعد مدخلا تحليليا ذكيا، غير أنه يثير في الوقت نفسه إشكالات منهجية، وسياسية، بالمعايير العلمية، حينيختزل عمليا التنافسية في مخرجات الصناديق، بينما هي مفهوم يتسع كي يشمل كثير من المتغيرات منها: القدرة على التعبئة، والقوة الإيديولوجية، والامتداد التنظيمي المجتمعي، والتأثير في السياسات العامة وغيرها من المتغيرات، وليست محصلة انتخابية، تتأثر دون شك بمتغيرات البيئة الانتخابية غير المتكافئة.

وهكذا فإن قياس المسافة بين حمس والأفلان مثلا في انتخابات 2021 دون ربطه بمتغير العزوف الانتخابي لا يقود بالضرورة لزيادة شعبية حمس، بقدر ما يتعلق بانكماش نسبة المشاركة السياسية، وهكذا أيضا في انتخابات 2026، فتراجع حمس وتقدمها وزيادة المسافة بينها وبين غيرها يعزى إلى متغيرات أخرى.

ثم أنه إذا أردنا قياس مستوى التنافسية فإن اللياقة المنهجية تقتضي قياس مختلف المتغيرات الوسيطة لدى مختلف الأطراف، لتحديد الأكثر والأقل تنافسية ضمن معايير مضبوطة، ولا يمكن بأي حال أن نثبت طرفا ما عند متغير واحد، ونقيس المسافة بينه وبين الأطراف الأخرى، ثم نقول إنمستوى تنافسيته تشير إلى كذا، فلا شك أن الاختيار سيكون غير منهجي، ويكون منحازا بالضرورة.

بذلك يبدو مفهوم التنافسية، كما يستخدمه مقري عمليا مفهوما وظيفيا، سعى من خلاله إلى بناء سردية تتحقق من خلالها الفرضية التي يريد إثباتها، فحمس في تصوره هي قطب المعارضة التي تقود المقاومة السياسية، ومعيار القرب والبعد عنها من أي طرف هو ما يحدد صفة التنافسية.

فحزب المستقبل يعتبره وصيفا جديدا للسلطة، ومن أحزاب تيار الموالاة، والأحزاب المنشقة عن الحركة تأكل من رصيد حركته، وليس من رصيد الأحزاب الأخرى، وحركة البناء التي يعترف بتقدمها والتصاقها بحركته، حتى أوشكت أن تتجاوزها، إنما كان ذلك ضمن توازنات ستخدم النظام السياسي أكثر مما تخدم حركة البناء، بإضافة حزب موالاة آخر للسلطة، منافسا لحركته مجتمع السلم لا غير. أما حزب الأفلان فهو حزب الدولة الحقيقي الذي لا يمكن للنظام أن يتركه يسقط مهما كان الثمن.

وبذلك أيضا يبدو أن معيار مقري للتنافسية، معيارا غير محايد، يطغى عليه التوجيه الذاتي، الذي يقود إلى النتيجة التي يريدها هو نفسه، كما يعتبر معيارا متناقضا أيضا، فعندما تقلص المسافة بين حمس مع الأفلان كما هو في انتخابات 2021، تفسر النتيجة بأنها قوة ذاتية ومقاومة انتخابية، بينما حينما تتقلص المسافة بينها وبين حركة البناء الوطني في 2026، تفسر النتيجة بأنها هندسة سلطوية لبناء حزب موالاة آخر، ولا يعزى ذلك مثلا إلى قوة ذاتية، وفاعلية سياسية وتنظيمية أكثر لحركة البناء في هذه المحطة الانتخابية.

وهكذا تتجلى طبيعة المنافسة والظروف السياسية والانتخابية التي تحيط بها، لتنتقل في تحليل مقري من تزوير علني أخذت الحركة نحو نصف أصوات التجمع لشدة قوتها في 1997، إلى تزوير ذكي في 2002 تراجعت الحركة عبره لتأخذ نحو خُمُس أصوات الأفلان.

ثم تعافي نسبي في 2007 نافست الحركة عبره وحصلت على نحو نصف أصوات الأفلان، ثم تراجعت في 2012، لتكتفي برُبع أصوات الأفلان، ومع التزوير القبلي والعزوف في 2017، بقيت تتراوح عند الربع من أصوات الأفلان، لتقدم في 2021 أقوى صورة تنافسية بتقدمها للمرتبة الثانية وبفارق 79.353 صوت عن الأفلان، رغم تراجع عدد الأصوات إلى النصف مقارنة بـ 2021، في حين تراجعت إلى المرتبة الرابعة رغم مضاعفتها لعدد الأصوات مقارنة ب 2021 واتساع الفارق بينها وبين الأفلان.

وفي المحصلة يبقى هذا التحليل غير موضوعي لكونه يُغفل العوامل البنيوية والسياسية التي تحكم اللعبة الانتخابية ككل، ويقيس الظاهرة من زاوية واحدة تُرضي التوجهات السياسية لصاحبها لا غير.

ثالثا: العهد التنظيمية كمؤشر للتطور الانتخابي

لا يصرح الدكتور مقري لماذا أدرج هذا المتغير كمؤشر قياس في دراسته، ولم يبين أهميته التحليلية في هذا الشأن، غير أن الملاحظة التي أبداها في بداية تحليله، تشي بالغرض من هذا التحليل، الذي يبقى مدفوعا بالجدل والتحامل على قيادة الحركة من داخل الحركة وخارجها.

وبهذا المنطق تتأسس مقاربة مقري، وتتعاطى معه، بلغة صماء، اختصر عبرها تاريخ الحركة السياسي، في هذه العهد الثلاث، التي يعطي لها مدلولا زمنيا، وهي التي تتعلق بالشخصيات القيادية التي تولت زمام الحركة في هذه العهد: الشيخ نحناح رحمه الله، والشيخ أبو جرة سلطاني، وعهدة الدكتور مقري ذاته، والأستاذ عبد العالي حساني.

غير أن مقري عبر هذا الرصد خالف منطق المؤشر الرقمي المعتمد في دراسته، واستخدم مؤشرات نوعية وكيفية (“تقدم ثم تراجع”، “ثبات ثم تقدم”، “تراجع”)، تأرجح من خلالها تاريخ الحركة بين التقدم والتراجع والصعود والاستقرار، لتبدو الصورة وكأنها أحكام قطعية غير قابلة للتأويل.

ففي حين يصف المحطة الأولى في 1991 من عهدة الشيخ نحناح رحمه الله بالانهيار، ولا ندري على أي أساس يقوم بذلك، يَسِمُ محطتي (1997 و2002) من عهدة الشيخ نحناح، ومحطات (2002، 2007، 2012) من عهدة الشيخ أبو جرة بسمة التقدم والتراجع..

لتبرز العهدة الثالثة بشكل استثنائي، من “تقدم ثم تقدم” و”ثبات ثم تقدم” في معظم المؤشرات (المقاعد، الرتبة، تغطية الولايات، النسبة في البرلمان)، ضمن نسق حجاجي يظهر المعارضة والخط السياسي المتبنى خلال هذه العهدة، هو السر وراء التصاعد المستقر للحركة، والذي كسر دائرة التراجع التي ميزت عهدتي الشيخ نحناح والشيخ أبو جرة..

بينما يسم العهدة الحالية للأستاذ حساني بالانحناء نحو الأسفل، وأن حصيلة 43 مقعد مقبولة رغم التراجع، وهي العهدة التي تعتبر بشكل أو بآخر استمرار للعهدة السابقة على مستوى الخط السياسي المعارض.

لتبدو الرسالة المضمرة بين ثنايا التحليل والتي مفادها: إن الخط السياسي الذي أرسته العهدة الثالثة (2013-2023) هو النموذج المعياري لنجاح وتطور الحركة، وما الانحناء الحاصل في عهدة حساني إلا نتيجة لتراجع في استماتة الخط المقاوم، وهو انحناء ظرفي قابل للتدارك، واللغة هنا تشي بأن العودة لنموذج العهدة الثالثة كفيل باستعادة زمام المبادرة وتحقيق مزيد من التقدم، إذا ما قرئت الأرقام قراءة صحيحة ضمن سياقاتها السياسية والانتخابية كما قال مقري.

لعل من أهم المآخذ المنهجية على هذا التوجه في التحليل، هو التذبذب الحاصل في معيار التحليل، فاستبدال المؤشرات الرقمية بالمؤشرات الوصفية، تجعل التحليل مطاطا.

فكلمة تقدم قد تعني كسب مقعدين فقط في محطة معينة، بينما كلمة تراجع قد تغطي خسران عشرات المقاعد، وهو ما يدفع للوقوع في أغلوطة الكيل بمكيالين.

ففي عهدة مقري (2021)، عندما انخفضت أصوات الحركة إلى أدنى مستوى تاريخي (~208 ألف صوت)، تم استبعاد مؤشر الأصوات وتفسيره بـ “تعويم المستقلين والعزوف”، وتم التركيز على مؤشر “التنافسية والرتبة” (المرتبة 2) لإثبات أن العهدة كانت في “تصاعد مستقر”.

@ طالع للكاتب:
بين هندسة الانفتاح وحدود التغيير في المشهد الانتخابي

وفي عهدة حساني (2026) عندما تراجعت الرتبة للمركز الرابع والمقاعد، وارتفعت الأصوات (431 ألف صوت)، قيل في الملاحظات إن النمو في الأصوات “حالة مشتركة لكل الأحزاب” ولا يُحسب كإنجاز ذاتي صافٍ، رغم أن نتيجة العهدة غير مكتملة وحصيلة العهدة 43 مقعد مقبولة رغم التراجع.

لا تنتهي مقاربة مقري التحليلية عند حدود المؤشرات الرقمية، بل إنه يقدم قراءة تفسيرية شاملة، تضفي على المقاربة ككل الطابع المنهجي، فهو يتجاوز وصف ماذا حدث، ليجيب عن: لماذا حدث وكيف حدث، والحقيقة أن هذا التوجه البحثي، توجه محمود لمقري، ويصنع منه الاستثناء في الغالب على مستوى قيادات الحركات الإسلامية، التي تفتقد لمثل هذه الروح العلمية والمنهجية.

ومن إيجابيات هذا التصور المنهجي، أن مقري يتوقف عند الآلية التحليلية التي أعلنها في بداية دراسته، ويسائلها مرة أخرى، مما يضيف للتحليل قيم مضافة أخرى، لم يكن القارئ لينتبه لها دون هذا التحليل التفسيري الشمولي،ولو أنه اعتمد آلية التفسير عند دراسة كل متغير على حدى، وانتهى إلى التفسير الشمولي في نهاية الطاف، كمركب لمختلف تلك التفسيرات الجزئية لما وقع في إشكالية الانتقائية في التفسير، التي أشرنا إليها سابقا، فالتفسير الشمولي لا يمكن أن يفسر القضايا الجزئية، لأنه كما يظهر من التحليل يستدعي مجمل القضايا في ترابطها.

والدكتور مقري هنا لا يكتفي بميزان واحد لتقييم النتائج، بل يعتمد نموذج تحليلي مركب من ميزانين:

ما يحسب لمقاربة الدكتور عبد الرزاق مقري، هو تماسكها الفكري، من حيث أنه قدم رؤية كلية، تسعى لتفسير أزمة كلية تعيشها الحركات الإسلامية، عبر تقديم نموذج الحركات الإسلامية في الجزائر كشاهد على تلك الأزمة.

بميزان (الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي)، بمعنى بأن التزوير الانتخابي وتدخل السلطات في نتائج الانتخابات أمر ثابت ولكن قوة الحركة (في العوامل الأربعة) تستطيع أن تقاوم التزوير لمنع الانهيار، أو الصمود والثبات، أو التقدم. وكلما كانت الحركة في حالة الضعف أضر بها التزوير بقدر ضعفها.

وميزان أن نتائج الانتخابات يحكمها أربعة عوامل: الرمزية، الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشح، الحملة الانتخابية”.

وعبر هذا التوجه في التقييم، على مستوى الميزان الأول، يفك مقري الارتباط بين ظاهرة التزوير التي تحكم العملية الانتخابية، والتماهي السياسي للحركة معها، ليبرهن أن التزوير والتحكم في النتائج ليس متغيرا حتميا يغلق اللعبة بالكامل.

بل أن الأمر يرتبط بمدى كفاءة الحركة على تحريك الإرادة الشعبية. وهكذا فعندما تكون استجابة الشعب قوية بفعل وضوح الخط السياسي المعارض، يصبح التحكم الرسمي في النتائج مكلف للنظام، فيضطر لمنح الحركة حد أدني مرتفعا من التمثيل كما حدث في انتخابات (1997، 2017، 2021).

أما عندما تكون استجابة الشعب ضعيفة بفعل ضبابية الخط السياسي أو الانحناء للسلطة، يصبح التحكم الرسمي سهلا وغير مكلف فيسهل زبر النتائج دون تقدير لردة فعل شعبية كما حدث في انتخابات (2002، 2007، 2026).

وعلى المستوى الثاني، أنشأ مقري ميزانا ذاتيا: يعتمد أربعة معايير استراتيجية لقياس مدى جاهزية الحركة للانتخابات، هي الرمزية والتنظيم الترشح والحملة..

وقد اعتبر مقري أن الرمزية لا يمكن اختصارها في شخص رئيس الحركة بل هي وضوح الرسالة والخط السياسي، وهكذا فعندما تكون الرمزية صريحة في المعارضة، تلتف القواعد والمجتمع حول الحركة، وعندما تميل للمهادنة تنكفئ القواعد ويصاب الناخب بالتشوش.

وعلى مستوى الدائرة الانتخابية تتجلى القدرة التنظيمية للحركة التي تمتلك أقوى خزان تنظيمي ومؤسساتي على تغطية المكاتب وحشد الناخبين وحماية الصناديق، لكن الرمزية تبقى ضابطه الأساسي، فقد يتعطل ويفقد فاعليته إذا كان “ميزان الرمزية” ضعيفاً أو متردداً.

وعلى مستوى عملية الترشح والمرشح، يستدعي مقري متغيرا وسيطا، هو نمط الاقتراع، فبقدر ما شكل نمط القوائم المغلقة مصدر صراع داخلي وتشتيت لطاقات الحركة في ترتيب القوائم، كان نمط القوائم المفتوحة مدخلا لحل الصراع الداخلي وإطلاق طاقات المرشحين.

غير أنه في المقابل طرَح مشاكل جديدة منها الزبر الانتخابي المسبق الذي طال المرشحين الأقوياء القادرين على المنافسة، بالإضافة إلى إتاحة فرصة للإدارة الرسمية لاختيار من يفوز في قائمة الحركة إن أرادت. وهو ما أدى إلى تراجع كبير للاهتمام بالانتخابات عند كثير من كوادر الحركة في ظل حالة عزوف عامة عند الشعب الجزائري.

أما فيما يخص ركن الحملة الانتخابية، فقد اعتبرها مقري سلاحا ذو حدين، واعتبرها مفتاح التفاعل بين الميزانين الداخلي والخارجي، وعلى هذا المستوى يفترض مقري فرضية يجعلها في حكم الحقيقة، التي يبنى عليها تحليله واستنتاجاته.

حيث يؤكد أن الحركة قد تحولت مع مرور الزمن إلى آلة انتخابية ذات فاعلية وكفاءة عالية لا يضاهيها في ذلك أي حزب سياسي في الجزائر، غير أنه اتضح مع توالي الانتخابات بأن الحملة الانتخابية مهما كانت قوية لا تأثير لها في النتائج، إلا إذا كانت تجري ضمن رمزية جيدة للحركة، وقوة معتبرة في الدائرة الانتخابية، ونجاح عملية الترشيح وبروز مرشحين أقوياء يستطيعون اضافة رمزيتهم وحواضنهم الانتخابية لما لدى الحركة من عوامل القوة.

غير أنه اتضح بأن الحملة الانتخابية تنفع في أمر وتضر في أمر آخر. تنفع من خلال إظهار قوة الحركة التنافسية بما يجعل النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكامل لها في النتائج، ويضر من حيث أن النظام السياسي يتجه إلى الصرامة في قرار التزوير إذا ظهرت قوة الحركة في الحملة الانتخابية.

وهكذا فبقدر ما ترفع الحملة من مستوى الاستجابة الشعبية بقدر ما تنبه جهاز السلطة لتفعيل آلية التزوير، وفقا لطبيعة الحملة ومستوى قوتها، فإن كانت قوية وتنافسية، تهيب النظام من التغييب الكامل للحركة، وكان صارما في قرار التزوير، وبشكل مجمل لا يمكن للحركة أن تتذرع بالتزوير (الميزان الأول) لتبرير الفشل، لأن التحكم في حجم التزوير يتناسب عكسياً مع كفاءة الحركة في تفعيل أركان الميزان الثاني (خاصة الرمزية والخط السياسي الصريح). وبالتالي، فإن عودة الحركة للواجهة -حسب رؤيته-رهين بإصلاح الميزان الداخلي أولاً.

وفي الخلاصة العامة حرص الدكتور مقري على تركيز نتائج دراسته على مستويين:

1. مستوى الشأن الانتخابي والتنظيمي:

وضمنه أكد على:
o خطر الموقع الرمادي والمنزلة بين المنزلتين، يؤدي تموقع الحزب في منطقة لا هو فيها معارضة جادة ولا موالاة صريحة يُفقده القواعد الشعبية ويجعله يتمحور حول الحاضنة التنظيمية الضيقة.

@ طالع أيضا:
التيارات السياسية في الجزائر وسؤال الفشل؟

o ترتبط نتائج الحركة انتخابيا بالخطاب والرمزية، فكلما اتسم ذلك بالوضوح كان التقدم الانتخابي (كما في 1997، 2013-2023، 2021)، وكلما كان سلبي ومتردد كان التراجع (كما في 2002، 2012، وسقف 2026 المنخفض).

o تعتبر الرمزية حاسمة لتأطير المناضلين ورفع المعنويات، في حين أن الصراعات على القوائم والهياكل والمناصبتُضعف التنافسية

بشكل مجمل يؤكد مقري على هذا المستوى أن كل المؤشرات الانتخابية الرقمية وما صاحبها من تحليل صحة فرضية هذه الدراسة التي حددها في البداية.

2. مستوى الشأن السياسي العام:

وفيه يؤكد:

o عقم ديمقراطية الواجهة، والانتخابات لا تؤدي إلى التغيير أو الإصلاح، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة.

o فشل التغيير من الداخل فتجربة 17 سنة من التحالف مع النظام أثبتتعقم المراهنة على الإصلاح الداخلي أو الانتخابات وحدها (حيث لم تتجاوز الحركة سقف 19% برلمانياً).

o الرؤية البديلة (المقاومة السياسية): المشاركة في الحكومة ليست هدفاً بذاته؛ بل يجب أن تكون ضمن استراتيجية لتغيير موازين القوى، وإرهاق النظام دون صدام والمواجهة معه، وبناء القوة الحضارية الناعمة والمجتمعية، بما يصلح المجتمع ويؤطر قواه ويوسع الحاضنة الاجتماعية ليتحول العمل الانتخابي إلى رافعة تغيير لا مجرد ديكور سياسي، ومحرك للساحة البرلمانية ضمن الرؤية المؤسسية للنظام السياسي.

وفي المجمل، فإن ما يحسب لمقاربة الدكتور عبد الرزاق مقري، هو تماسكها الفكري، من حيث أنه قدم رؤية كلية، تسعى لتفسير أزمة كلية تعيشها الحركات الإسلامية، عبر تقديم نموذج الحركات الإسلامية في الجزائر كشاهد على تلك الأزمة.

كما تميزت بمحاولة إضفاء الطابع المنهجي على دراسته في محاولة لتقديم مقاربة تنظيرية شاملة، غير أن طرحهالسياسي الواضح، أضعف من هذا التوجه، فلم تكن مقاربته إلا مقاربة سياسية، حاول مقري إضفاء الطابع العلمي عليها، من خلال تقديمها ضمن قالب منهجي شكلي واضح، ولكن مضمون تلك المقاربة تظهر ضعف التزامه بمقتضى ذلك القالب المنهجي.

وقد تميزت قراءته بالجرأة في النقد، فحين يصف فكرة الإسلام هو الحل بالرومانسية الواعدة، فإنه يتجاوز حدود ما هو معروف في أدبيات الإسلام السياسي.

كما نجح في تفكيك منطق التحول الأيدلوجي والاجتماعي، والتمييز بين مرحلتي الصحوة والمنافسة على الحكم، والنجاح في الأولى والتعثر في الثانية، وكان أكثر منهجية حينما قدم نموذج تحليلي رياضي وعملي للعملية الانتخابية، من خلال مصفوفة: الرمزية + الدائرة الانتخابية + المرشح + الحملة الانتخابية، التي تدفع نحو تقييم مكامن الخلل الذاتي والابتعاد عن شماعة التزوير فقط.

ورغم ذلك التماسك الظاهري، فإن مقاربة مقري تعاني في سمتها العامة، من خضوعها لحتمية غير مبررة، وتبسيط استراتيجي يتجاوز العمق الذي بدت عليه المقاربة في بدايتها، حينما تفترض معادلة صارمة تربط المشاركة بالانهيار والابتعاد بالصمود..

فهل كلما اقتربت الحركة من السلطة تراجعت وانشقت وانهارت، وكلما ابتعدت عنها توحدت وصمدت وصعدت، ولا شك أن هذه فرضية ظالمة تُسقط أثر الأداء والتسيير الداخلي ومسؤولية الحركة، ثم أنها فرضية تناقض الدواعي الوظيفية لنشوء الأحزاب السياسية، التي يبقى هدفها الأساسي الوصول إلى السلطة والمشاركة في الحكم..

وأن الترويج لفرضية الابتعاد عن السلطة هو سر النجاح بالضرورة هو خطأ، ينزع الصفة السياسية عن حركته ويحولها إلى مجرد جماعة دعوية عامة، ويصادر منها المغزى السياسي لوجودها في البحث عن ممارسة السياسة وقيادة الدولة، ولعل ذلك هو الخطأ الذي لا ينتبه له مقري، حينما يزن حركته السياسية أو حزبه السياسي بالأحرى، بميزان الجماعات والحركات الاجتماعية العامة.

ربما تمثل مقاربة مقري لحظة مراجعة قلقة، في قلب التيار الإسلامي، امتلكت رؤية شاملة لتوصيف المأزق السياسي للإسلاميين في واقع تجربتهم الراهنة،لكنها تعاني من انفصام واضح عن الواقع، بين الرغبة في الثورة على قواعد اللعبة المختلة، وضرورة الابتعاد عن النظام، وبين الاضطرار إلى المشاركة في نفس اللعبة لضمان البقاء السياسي والمحافظة على الوجود الهيكلي، وطالما أن هذه الإشكالية لم تحل، فإن مقاربة مقري ستظل مجرد محاولة جريئة لتفسير الأزمة دون مخرج حقيقي.

على سبيل الخاتمة:

تأسيساً على ما تقدم من تحليل لمجمل المقاربات، التي تبقى عينة بسيطة ضمن جدل واسع وممتد، في ساحة الحركات الإسلامية، في الجزائر وفي غيرها، والتي لا تجعلنا نجزم بانتهائه، أو انتهاء تقديم قراءات له، فكان العنوان هنا على سبيل الخاتمة، يتضح لنا أن السجال الذي أعقب تشريعيات 2026، والذي اتخذ من الأرقام والنتائج المسجلة، أساسا ومنطلقا في التحليل لم يكن مجرد اختلاف عابر حول تقييم المقاعد البرلمانية والأرقام الصماء، بقدر ما كان مرآة عاكسة لأزمة عميقة تعيشها التشكيلات الإسلامية في معالجتها لظاهرة الانكماش السياسي وعزوف الشارع.

وفي هذا الإطار يثبت التحليل الفرضية الأولى، التي ترى أناعتماد القيادات الإسلامية للخطاب الرقمي يتناسب عكسياً مع مستوى الفاعلية السياسية،وتحويل الموارد الصماء(الأرقام) إلى نقاط قوة وهمية لتبرير سياسات مركزية.

طالما عجزت قيادات التيار الإسلامي عن الخروج من دائرة “ترف التحاليل” واتخاذ الأرقام الصادمة كتبرير، أو تفنيد لسياسات واتجاهات معينة، وطالما كانت تلك الأرقم مطية لصراع خفي أو ظاهر، بين دواليب مختلف الحركات، ستظل هذه التحاليل مجرد توصيفات، قد تكون جيدة للأزمة، لكنها ستظل قاصرة عن تبني بوصلة حقيقية أو مفتاح ذكي للخروج منها.

وأن الخطاب التبريري، كما جاء في قراءة الدكتور عبد الحميد فريحات، يقع في أغلوطة اختزالية واضحة، فصلت النتائج الرقمية (كزيادة مقعد واحد أو الانتشار الجغرافي) عن سياقها الكلي المتمثل في نسبة المشاركة الشعبية المتدنية، مما يثبت أن التسويق الانتخابي الرقمي ليس سوى آلية وظيفية وتبريرية، لسياسة مركزية معتمدة، كما أثبت التحليل قصور هذا التوظيف الرقمي لتدليل على مدى مصداقية تلك السياسة.

ومن جهة أخرى فإن فحص مقاربة الأستاذ عبد المجيد مناصرة، أكد الفرضية الثانية، التي ترى أن الأرقام الانتخابية تشكل فرصة لفتح النقاش السياسي إلا أنها توظف كتكتيكللانخراط في الجدل والصراع السياسي داخل البيت الحمسي، وبين التحليلأن النقد الإجرائي الصريح والجريء الذي تبناه مناصرة، استُخدم كأداة مزدوجة: لتعرية النظام السياسي من جهة، والضغط باتجاه فتح النقاش السياسي والمطالبة بمراجعة قيادية من جهة أخرى..

ولا شك أن ذلك أمر إيجابي ومحمود لو أنه تم داخل الأطر التنظيمية، ولم يأخذ طابع التعبئة السياسية للقواعد والترويج الإعلامي، فظلت المقاربة محكومة بطابعها التكتيكي في ظل الجدل والصراع القائم.

وفي الأخير يُبين التحليل تأكد الفرضية الثالثة التي ترى أن المؤشرات الرقمية توظف ضمن مقاربة بنيوية تفترض وجود علاقة طردية بين الاقتراب من السلطة والنتائج المحققة، غير أن التحليل أثبت أن هذه المقاربة تعاني من اختلالات منهجية وتوجيهات حتمية تضعف مضمونها.

@ طالع أيضا:
في خطاب الوحدة لدى حركات الإسلام السياسي بالجزائر

فالمؤشرات الرقمية، التي سعت للبرهنة على منظور استراتيجي كلي، ونمذجة تفسيرية شاملة، انتهت إلى وقوعها في حتمية منهجية غير مبررة، ولو أن هذه المقاربة اكتفت بمستواها التنظيري، وانضبطت أكثر منهجيا، ولم تقدم نفسها كجزء من الجدل والصراع القائم، لأمكن القول أنها محاولة غير مسبوقة، قد تؤسس لمراجعات منهجية جادة ليس فقط داخل حركة مجتمع السلم، ولكن على مستوى حركات الإسلام السياسي في المجمل.

وبشكل مجمل يمكن القول إنه طالما عجزت قيادات التيار الإسلامي عن الخروج من دائرة “ترف التحاليل” واتخاذ الأرقام الصادمة كتبرير، أو تفنيد لسياسات واتجاهات معينة، وطالما كانت تلك الأرقم مطية لصراع خفي أو ظاهر، بين دواليب مختلف الحركات، ستظل هذه التحاليل مجرد توصيفات، قد تكون جيدة للأزمة، لكنها ستظل قاصرة عن تبني بوصلة حقيقية أو مفتاح ذكي للخروج منها.

✍️ بقلم: أ‌. سالمي العيفة
كلية العلوم السياسية – جامعة الجزائر 3

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.