زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

أزمة الهويات تهدد بانقسام أمريكا

أزمة الهويات تهدد بانقسام أمريكا ح.م

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية منذ ستينيات القرن الماضي أزمة هوية حادة تهدد بانقسام وتشظي أمريكا التي تعتبر نفسها دولة ذات ثقافة أنجلو سكسونية بروتستانتية، وبأن الوعي المبكر بالهوية وبطبيعة الدولة الأمريكية التي دخلت في صراعات وحروب مع عدّة قوى أوروبية كإنجلترا وفرنسا وإسبانيا، حتى استطاعت توحيد الدولة التي غرقت في وحل الحرب الأهلية سنة 1865م بسبب العبيد، كان لها أثر بارز في صهر مختلف الأعراق والأجناس والثقافات لسكانها، لخلق دولة ديمقراطية فيدرالية أصبحت فيما بعد أنموذجاً للكثير من الشعوب المقهورة، التي باتت ترى فيها خلاصاً لها من التمييز العرقي والإثني والطائفي واللغوي الذي تتعرض له في دولها.

هذه الدولة قد ارتكزت على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة والعمل والجماعي وتقديس الحريات الفردية، واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية للمواطنين، وإرساء دعائم المواطنة الأمريكية بمفهومها الواسع، واستطاعت الحفاظ على المكتسبات التي حققها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما أعلن الرئيس الأمريكي ويلسن مبادئه 14 التي أصبحت بمثابة دستور أمريكا الغير مكتوب، والذي كان مدخلها للهيمنة الناعمة وتمرير أجنداتها السّياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس الرؤية الاستراتيجية لصناع القرار في البيت الأبيض.

بحلول سنة 2060م، ستشكل الأقليات ما نسبته 60 بالمائة من تعداد السكان في أمريكا، بالرغم من أن البيض سيشكلون حالياً ما نسبته 57بالمائة من السكان، والأقليات حوالي 37 بالمائة، ولكن مع ازدياد نسبة المواليد عند الأقليات الإفريقية والآسيوية واللاتينية، فإنهم سيكونون أكثر سكان أمريكا بعد 40 سنة…

ومع دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ارتفع منسوب الوعي القومي الوطني الأمريكي، باعتبار أن القيم والهوية والثقافة وكيان الأمة الأمريكية يتعرضون لتهديد وجودي من طرف عدو خارجي يتبنى قيم معادية يريد فرضها على بلد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش المشترك، وقدت أمريكا نفسها وهي التي رفضت الانضمام لعصبة الأمم بمثابة المكرس للقيم الغربية التي تتقاسمها مع دول أوروبا، باعتبار أن المهاجرين الأوائل إليها كانوا من القارة العجوز.

وخالفت بالتالي مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، وذلك في رسالته التي سلمها للكونغرس الأمريكي في 2ديسمبر/ كانون الأول 1823م، ونادى فيها بضمان استقلال كل دول النصف الغربي ضدّ الاحتلال الأوروبي بغرض اضطهادهم أو محاولة الدول الاستعمارية الكبرى في ذلك الوقت التدخل لتقرير مصير الشعوب اللاتينية في القارة الأمريكية، وهو المبدأ الذي كان سبب عزلة أمريكا قرابة قرنين من الزمن، حتى بداية القرن المنصرم، وساهم بشكل كبير في تشكيل العقيدة السّياسية والثقافية والدينية الأمريكية، التي حاولت أن تتعايش مع كل المتغيرات التي حدثت في المجتمع الأمريكي، وازدياد عدد المواطنين السود ومن جنسيات أخرى الذين أصبحوا جزء أساسياً من نسيج الدولة والمجتمع الأمريكي.

ولكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تعرضت الهوية الأمريكية الجامعة وقيمها المشتركة لشرخ عميق لازالت آثاره ماثلة للعيان، بعدما حوّل البعض الصراع السّياسي والاستقطاب الفكري والأيديولوجي الذي كان واقعاً داخل المجتمع الأمريكي، إبان الحرب الباردة إلى ورقة ابتزاز للرئيس الأمريكي جون كندي الذي كان الرئيس 35 للولايات المتحدة الأمريكية، وتولى الحكم من 20جانفي/ يناير 1961 لغاية 21 لحظة اغتياله بتاريخ نوفمبر/ تشرين الثاني 1963م، والتي تروجلتفوق العرق الأبيض الذي تراه الأساس الذي قامت عليه الحضارة الغربية، وبالتالي النهضة الثقافية والصناعية والاقتصادية التي عرفتها أمريكا، وظهور حركات مسلحة متطرفة ارتكبت مجازر بشعة بحق السود في الستينيات من القرن الماضي، راح ضحيتها العشرات ذكّرتهم بمجزرة تولسا العرقية في ولاية أوكلاهوما يومي 31ماي/ أيار، و1جوان/ حزيران 1921م، التي راح ضحيتها المئات من المواطنين من أصل إفريقي، مثلما ذكر موقع الجزيرة بتاريخ 21 جوان/ حزيران 2021م، في مقال حمل عنوان “درب الدموع والآلام، مجزرة الأمريكيين السود في “وول ستريت الأسود“.

أحداث العنف هاته بالإضافة لحملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها أجهزة الأمن الأمريكية وخاصة جهاز الشرطة الفيدرالية FBI، والتي شملت حتى طلبة الجامعات والعديد من النخب التي كانت لها ميول يسارية أو متقاطعة مع الفكر الشيوعي الاشتراكي، وقد شملت الآلاف من المتعاطفين مع حركات المقاومة الشيوعية للهيمنة الإمبريالية الغربية في الكثير من الدول، وهو الأمر الذي كانت له نتائج سلبية في رؤية الكثير من الأقليات للسلطات الفيدرالية الأمريكية، التي اتهمتها بأنها تعاملت بعنصرية شديدة مع معتنقي الفكر الشيوعي أو المدافعين عن أطروحاته النظرية أو التنظيرية، أو ضرورة أن تنخرط الأحزاب الشيوعية بقوة في الحياة السّياسية الأمريكية، وبالتالي إنهاء احتكار الحزبين الديمقراطي والجمهوري للعبة الديمقراطية في البلاد.

حيث أن الاعتقالات تمت على أساس هوياتي عرقي فمعظم من اعتقلوا كانوا من السود أو الأقليات اللاتينية والآسيوية المنحدرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي(سابقاً) فيما استثني البيض من تلك الاعتقالات، التي اعتبرت من وجهة نظر المؤرخين الأمريكان استمراراً للحملة المكارثية في خمسينيات القرن الماضي وتم على إثرها اعتقال أكثر من 205 شخص يعملون في وزارة الخارجية الأمريكية، عندما أعلن عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية وينكسون جوزيف مكارثي في شهر فيفري/ شباط 1950م، أن لديه قائمة بأشخاص يشتبه في أنهم شيوعيون وامتدت الحملة حتى عرين هوليوود، إذ جرى اعتقال 10 مشاهير تم اتهامهم باتهامات مماثلة، بالإضافة لوجوه أكاديمية بارزة كان من أهمها ليون كامين عالم النفس المعروف ابن الحاخام ثاونتون في ولاية ماساتشوستس، وغوستاف باباناك الاقتصادي في مجال التنمية، والذي كان يصنف على أنه من المناهضين لها، والدكتور كارل سولومون المؤرخ في مجال الأمريكي من أصول إفريقية وغيرهم الكثير،مثلما ذكر موقع BBC NEWS عربي بتاريخ 13ماي/أيار 2019م في مقال بعنوان “ضحايا المكارثية في الولايات المتحدة شملت الشيوعيين وخصومهم أيضاً“.

سرعان ما أصيب الأمريكيون بانتكاسة كبرى مجدداً بعد أن تولى دونالد ترامب سدّة الحكم، بناء على الإخفاقات التي حدثت في عهد سلفه باراك أوباما الذي ينتمي لأقلية السود، أوباما الذي رأى فيه العنصريون المتعصبون داخل دواليب الحكم والكثير من المتحكمين في الطبقة السّياسية والإعلامية خطراً محدقاً على ما يعتبرونه انقلاباً على كل القيم والأسس التي قامت عليها الأمة الأمريكية…

فهذه الممارسات التي تعتبر تعدي واضح على القانون الأمريكي وعلى بنود الدستور التي تكفل حقوقاً متساوية لجميع الشعب الأمريكي، دفعت الكثير من الأقليات، وخاصة المنحدرة من أصول عرقية لاتينية إلى التقوقع على نفسها داخل مجتمعات صغيرة منعزلة داخل ولاياتها وتعزيز هويتها الفرعية على حساب الهوية الأمريكية التي أصبحت مهددة في الصميم، حيث أن ازدياد الهجرات من شتى الثقافات والحضارات والأعراق والأديان عززت الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي الذي حاول المحافظون الجدد في عهد بوش الابن استغلال أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001م تعزيز الشعور بالمواطنة والانتماء للأمة الأمريكية داخله من خلال الضخ الإعلامي الكبير وإيهام الشعب الأمريكي الذي كان يعيش صدمة كبرى وقتها، بأنه يواجه خطراً وجودياً يتمثل في الإرهاب والتطرف الإسلامي الجهادي العابر للقارات.

وكان من مظاهر ذلك زيادة مبيعات الأعلام الأمريكية وتعليقها على واجهة المحلات والمتاجر والبيوت وعلى السّيارات والشركات التجارية، حيث أنه بمطلع أكتوبر من نفس السنة، قال حوالي 80 بالمائة من الأمريكيين أنهم يعلقون العلم منهم 63 بالمائة على منازلهم و29 بالمائة مطبوعة على ملابسهم و28 بالمائة على سياراتهم، وقبل ذلك باعت محلات وول ستريت 116 ألف علم في 11 سبتمبر/ أيلول، و250 ألف في اليوم التالي، مقارنة ب 6400 و10 آلاف علم بيعت في 11 و12 سبتمبر/ أيلول على التوالي من العام السابق، وبلغ الطلب على الأعلام 10 أضعاف ما كان عليه في حرب الخليج، وقضى صانعوا الأعلام أوقاتاً صعبة إضافية في صنعها وضاعفوا الإنتاج مرتين وثلاث مرات وأربع مرات، مثلما ذكر صمويل. ب. هنتنغتون في كتابه “من نحن؟ المناظرة الكبرى حول أمريكا” ص 33-34.

ولكن سرعان ما أصيب الأمريكيون بانتكاسة كبرى مجدداً بعد أن تولى دونالد ترامب سدّة الحكم، بناء على الإخفاقات التي حدثت في عهد سلفه باراك أوباما الذي ينتمي لأقلية السود، أوباما الذي رأى فيه العنصريون المتعصبون داخل دواليب الحكم والكثير من المتحكمين في الطبقة السّياسية والإعلامية خطراً محدقاً على ما يعتبرونه انقلاباً على كل القيم والأسس التي قامت عليها الأمة الأمريكية، خصوصاً بعد انفتاحه اللا مشروط على العديد من الدول الإفريقية وافتخاره بانتمائه للعبيد السود الذي جاء بهم تجار العبيد البيض قبل فرون، واتبع أوباما سياسة لم تعرفها أمريكا قبله، والتي تقوم على اختيار المسؤولين في أعلى هرم السلطة من الأقليات التي تمّ تهميشها لسنوات في مراكز صنع القرار في مفاصل الدولة الأمريكية، خاصة في المراكز الأمنية الحساسة.

بالرغم من محاولة بعض رؤساء أمريكا السابقين إعطاء انطباع بأن بلادهم تقوم على التوزيع العادل للمناصب العليا في الدولة دون تهميش أو إقصاء أو خلفيات عرقية أو دينية، فكل التعيينات التي قام بها هؤلاء في الماضي، كتعيين كول بأول وزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الابن أو كونداليزا رايس كمستشارة للأمن القومي وغيرهم، ما هي إلا محاولات لذر الرماد في العيون.

بمجرد اعتلاء ترامب للسلطة حتى أضحت أمريكا دولة عنصرية تمارس الاضطهاد الديني والعرقي ضدّ الأقليات، وازدادت النزعة العرقية ونظرية تفوق الرجل الأبيض، ووجّهت وسائل الإعلام سهامها ضدّ العرب والمسلمين، وأصدر ترامب قوانين ظالمة بحقهم ومنعهم من دخول أمريكا…

ولكن بمجرد اعتلاء ترامب للسلطة حتى أضحت أمريكا دولة عنصرية تمارس الاضطهاد الديني والعرقي ضدّ الأقليات، وازدادت النزعة العرقية ونظرية تفوق الرجل الأبيض، ووجّهت وسائل الإعلام سهامها ضدّ العرب والمسلمين، وأصدر ترامب قوانين ظالمة بحقهم ومنعهم من دخول أمريكا، واندلعت أعمال عنف وشعب وقتل بعد مقتل المواطن جورج فلويد الذي ينتمي لأقلية السود على يد رجل شرطة أبيض، وكادت أن تدخل أمريكا في دوامة من الحرب الأهلية، ورفع ترامب شعار”أمريكا أولاً”. ودعا بالتالي لطرد كل الأمريكيين الذين لا يشاطرونه آرائه العنصرية تلك.

متناسياً بأنه وبحسب دراسة قام بإعدادها مكتب التعداد الأمريكي بأنه بحلول سنة 2060م، ستشكل الأقليات ما نسبته 60 بالمائة من تعداد السكان في أمريكا، بالرغم من أن البيض سيشكلون حالياً ما نسبته 57بالمائة من السكان، والأقليات حوالي 37 بالمائة، ولكن مع ازدياد نسبة المواليد عند الأقليات الإفريقية والآسيوية واللاتينية، فإنهم سيكونون أكثر سكان أمريكا بعد 40 سنة. مثلما ذكر موقع الرأي بتاريخ 13 ديسمبر/ كانون الأول 2012م في مقال بعنوان “الأقليات سيمثلون 80 بالمائة من سكان أمريكا سنة 2060م”.

وحتى في عهد إدارة جوزيف بايدن الحالية وبالرغم من سياسته التصالحية مع الأقليات، ومع مختلف أطياف المجتمع الأمريكي ولكن كل المؤشرات والمعطيات التاريخية والسوسيولوجية والسّياسية تؤكد بأن هناك أزمة هوية حقيقية يعيشها المجتمع الأمريكي الذي أصبح ينظر لمكوناته المختلفة بنظرة الريبة والشك، وخاصة بعد تصاعد المد المتطرف الذي يعادي كل من لا ينتمون للقيم المسيحية الخالصة البروتستانتية على وجه التحديد، ويحاول الحفاظ على خصوصيته الثقافية أو الطائفية أو العرقية، في ظل ارتفاع غير المسبوق لنسبة الجرائم التي ترتكب على هذا الأساس، لذلك على النخب السّياسية والأكاديمية أن تدق ناقوس الخطر، وتعيد النظر في كل البيئة التاريخية والمجتمعية المشكلة للقيم الأمريكية،خصوصاً أن الأمة الأمريكية، تتعرض لأخطار كبرى تهدد كيانها الوجودي كأمة سطرت على الحضارة الغربية منذ نصف قرن.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.