زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

آيت حمودة.. التعرّي على قارعة التاريخ!

فيسبوك القراءة من المصدر
آيت حمودة.. التعرّي على قارعة التاريخ! ح.م

نورالدين آيت حمودة

عندما يعجز السياسيُّ الفاشل، ومثله الإعلام الوظيفي، عن مواجهة واقعه العامّ المُثقل بالأعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأداء رسالته في تنوير الرأي العام، لدفعه نحو فضاءات التغيير الإيجابي، فإنه يلجأ إلى كسر الطابوهات وخدش المقدسات باسم حرية التعبير، بحثًا عن ظهور شعبي بإحداث الصدى والصدمة، ولو بالتعرّي على قارعة التاريخ والتبوّل على قبور أسياده.

إنّ ما يقوم به هؤلاء العنصريّون من إثارة لزوابع التاريخ، لا يعدو أن يكون استكمالاً لمخطط استعماري فرنسي سعى بكل الطرق خلال العهد الإحتلالي البغيض لتفريق الجزائريين، على أسس عرقية وثقافية ولغويّة مناطقية، ولكنه أخفق في بلوغ مُبتغاه الهدام بفضل وعي الحركة الوطنية..

عندما يعجز السياسيُّ الفاشل، ومثله الإعلام الوظيفي، عن مواجهة واقعه العامّ المُثقل بالأعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأداء رسالته في تنوير الرأي العام، لدفعه نحو فضاءات التغيير الإيجابي، فإنه يلجأ إلى كسر الطابوهات وخدش المقدسات باسم حرية التعبير، بحثًا عن ظهور شعبي بإحداث الصدى والصدمة، ولو بالتعرّي على قارعة التاريخ والتبوّل على قبور أسياده.

إنّ هذا الدافع النفسي والسياسي الباطن مهمٌّ للغاية في تفسير سلوكات شرذمة من المحسوبين على النخبة الوطنية، لكنه يبقى ضمن العوامل المحفزة فقط في حالة الهجوم الممنهج الذي يطال رموز الأمة الجزائرية في السنوات الأخيرة على يد متطرفين استئصاليين، أما الهدف البعيد فهو تغذية روح الفرقة والانقسام بين الجزائريين بتكريس النعرات العرقيّة العنصريّة.

ليس من الصدفة أن يتحول بين عشية وضحاها أمثالُ سعيد سعدي ونور الدين آيت حمودة إلى “مؤرخين”، من دون أدنى دراية بالمنهج التاريخي، يهوون بفؤوس الجهل والتزييف والتجنّي المعرفي على رؤوس الأبطال من أعلام الجزائر، مُتكئين على وثائق باطلة من أرشيف المدرسة الاستعمارية، وإن ثبُتت صحّتها فإنّ توظيفها في قراءة الأحداث ينحرف عن سياقاته التاريخية وملابساته الماديّة ويُسوَّق بتأويلات مغرضة أبعد ما تكون عن الروح العلمية.

ليس من الصدفة أبدا أن تكون الفئة الباغية على رموز الأمة الجزائرية اليوم، هي ذاتها تلك العُصبة الحاقدة والمعادية لهويتنا الحضاريّة في بُعديْها الإسلامي العربي، والمجاهِرة بمشروع العلمنة والتغريب والارتماء في أحضان الثقافة الباريسيّة، وهو وحده دليلٌ كاف لتجريدها من كل مصداقية علميّة، وإدراج تطفُّلها الوقح على التاريخ ضمن المعارك الإيديولوجية المسمومة ضدَّ الوجدان الجماعي للأمة.

إنّ ما يقوم به هؤلاء العنصريّون من إثارة لزوابع التاريخ، لا يعدو أن يكون استكمالاً لمخطط استعماري فرنسي سعى بكل الطرق خلال العهد الإحتلالي البغيض لتفريق الجزائريين، على أسس عرقية وثقافية ولغويّة مناطقية، ولكنه أخفق في بلوغ مُبتغاه الهدام بفضل وعي الحركة الوطنية.

إنهم يرتكبون خطأ شنيعًا، فضلاً عن كونها جريمة علمية وأخلاقية، عندما يعمدون إلى المساس برمزية باعث الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر بن محيي الدين، فهو رمز المحبّة والسلام عبر العالم، تجاوزت آثارُه الإنسانيّة حدود القطر إلى آفاق المعمورة قاطبة، حتى خلّده التاريخ على سجلّ عظماء البشرية على مدار العصور، فلا يمكن للحقد الأعمى أن يجعل منه اليوم مِعْولاً للفرقة بين الجزائريين، بركوب موج الكراهية في ثوب مؤرخ دون تأهيل علمي ولا منهجي ولا أخلاقي.

لسنا هنا بصدد الردّ على ترّهات وأباطيل وتحريفات شخص حاقد، معروف الفكر والمواقف والارتباطات والأجندات والمسار، إنما نريد التحذير من التلاعب بأوراق التاريخ في لعبة الصراعات العرقيّة، لأنّ المآل هو كسر كل الرمزيّات الوطنية القومية والطعن في التاريخ بصفته زادًا روحيّا للأمة، ثم قطْع صلات الأجيال بماضيها ومرجعياتها، حتى يسهل انقيادُها في مشروع الإلحاق بالآخر، لذلك ليس غريبًا أن تصطنع الأمم المتمدنة لنفسها تاريخًا بطوليّا لإبهار الشعوب الأخرى بدورها المدني والإنساني، مع أنّ عمرها الحضاري لم يتجاوز القرن أو القرنيْن، بينما تُدفع شعوب الحضارات العريقة، بمخططات منهجية عالية الدقة، لطمس أمجادها وأعلامها، حتى إذا غدت تائهة بلا هُوية ومتنكّرة لأصولها في عصر العولمة، صارت تلقائيّا في عداد الأمم المسخّرة لتأبيد القوة الغربيّة، بتطويع نخبها ونهب ثرواتها وفق المنطق الأداتي الاستعمالي للحداثة المعاصرة.

إنّ شخصيات مثل الأمير عبد القادر وابن باديس ومصالي الحاج وغيره من رموز الأمة الجزائرية، ليست معصومة من الخطأ البشري، بل ربما كانت أكثر عرضة للزلل، قياسًا إلى تعقيدات الوضع الاجتماعي وظروفها الاستثنائية تحت نير الاستعمار وإكراهات الواقع المحلي والدولي من حولها، ولا قداسة لآرائها وأفعالها وقراراتها في ميزان المعرفة التاريخية، شريطة الالتزام بأدوات المؤرِّخ النزيه.

غير أنّ تلك المهمَّة البحثيّة مُوكلة حصريّا إلى أهل الاختصاص الموثوقين في أمانتهم العلميّة ولا يُقبل أبدا أن تتحوَّل تحت وقع المناكفات القبَليّة العرقية وصراعات الأيديولوجيات القاتلة إلى مرتع مستباح من كلّ دخيل على المعرفة، يجعل منها وقودًا لاهبًا لحرق الذاكرة الحيّة.

لقد أنصف هؤلاء العظماءَ أعداؤُهم الفرنسيون، من كبار قادة الحرب والحكم، في مذكِّراتهم وشهاداتهم؛ إذ أقرّوا ببطولاتهم وما لاقوْه على أيديهم في مواجهة التمكين الاستعماري ببلادنا، ولولا شجاعتهم ما كان آيت حمودة وأمثاله يشتمونهم اليوم بحرية!

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.