ملاحظة: وقعت أحداث هذه القصة في إحدى الدول التي يضمها قمر "يوروبا" التابع لكوكب المشتري، ولا يتحمل الكاتب أية مسؤولية في حال وجود تشابه في الأحداث أو الأسماء ضمن أي مكان آخر في مجرتي درب التبانة واندروميدا.
كانت دولة “غير هاك” تستعد لإجراء انتخابات تشريعية حاسمة، لكن الأمر لم يكن يخلو من مخاطر محدقة. إذ أن العرف السياسي في مجموع منظومة المشتري وأقماره يقضي بان أي دولة لا تحقق نسبة مشاركة تتجاوز 50 في المائة يتم غزوها وتقسيم أراضيها واستعباد مواطنيها من قبل دول الجوار أو القوى الدولية المتربصة.
كان الجميع واعين بخطورة المسألة، أو على الأقل هذا ما كان يعتقد، فقد شهدوا بأعينهم كيف كان مصير دول أخرى لم تفلح في جر مواطنيها إلى مراكز التصويت.. وانتهى بها الأمر إلى أن صارت تاريخا يروى بكثير من المرارة والحسرة.
باءت جيوش “مؤامرستان” بالخيبة، فرفعت مراسيها وعادت تجر أذيال الخيبة.. على أمل ان تنجح فيما فشلت فيه هذه المرة.. بعد سنتين..
ثم حل اليوم الموعود.. وتوافد الناخبون ليختاروا مرشحيهم، يحدوهم أمل كبير في أن تتمكن الحكومة المنبثقة عن البرلمان الجديد من استكمال تنفيذ برنامج الرئيس ودعم الانجازات العظيمة التي تحققت في العهدة السابقة.. فقد صارت “غير هاك” دولة عالية القدر مهابة الجانب، وعم الرخاء في ربوعها إلى درجة أن مواطنيها صاروا يحصلون على وجبتين في الاسبوع، إحداهما ساخنة، ولهم الحق في علبة “ياوورت” مرة في الشهر، وهو معدل لا يحلم به ساكنو أي دولة أخرى في “يوروبا”. ولا حاجة لأحدثكم هنا عن رقي الخدمات العامة وتطور البنية التحتية واستتباب الأمن وشيوع السعادة.
المهم.. توالت ساعات النهار بسرعة.. ولم تبق إلا ساعتان على موعد غلق مكاتب التصويت.. ويا لهول المفاجأة…. لم يلب الناخبون النداء.. ولم تتعد نسبة المشاركة الثلث.. وعلى الفور كانت حاملتا طائرات وخمس فرقاطات وبوارج حربية تحمل علم “مؤامرستان”، وهي أقوى دولة في “يوروبا” تقترب من ساحل “غير هاك”.. فقد كانت مؤامرستان تنتظر هذه السانحة منذ فترة، لا لشيء الا لاستعادة كرامتها المهدرة بعد أن تفوقت عليها “غير هاك” في معدل نصيب الفرد من الياوورت شهريا.
كانت تلك لحظات حرجة جدا.. بلغت فيها القلوب الحناجر.. وبدا الحلم الكبير وكأنه يتهاوى.. وعم اليأس الأرجاء.. ثم حلت ساعة الفصل.. ودقت الأجراس معلنة انتهاء الاقتراع.. وعم سكوووون رهيب…
وأمام الخطب الجلل أعلن النفير العام في كامل ربوع “غير هاك”، وانبرى قادة الراي وحراس المعبد لحث المواطنين على الانطلاق فورا ودون مماطلة لاختيار مرشحيهم.. وأعلن الأمان العام؛ لن يقع أي تزوير، وستتحترم إرادة الشعب كيفما كانت النتائج.. واستدعي كل من يعتقد أنهم يملكون القبول والتأثير في “غير هاك”، وفتحت لهم منابر الدعاية والخطابة في القنوات التلفزيزنية.. فجيء بخطباء المساجد.. (أجل..المساجد)، ومشاهير الغناء كأمثال عباس الجابوني وفرحات الغانغ والشاب الجق، ونجوم الخربقة، وهي الرياضة الأكثر شعبية في “يوروبا” وباقي أقمار المشتري، وعرضت صور عارضات الأزياء متوشحات بالألوان القومية، وأمر باللاجئين الجوعى الفارين من جمهورية “طائفستان” والتي ابتلعتها “مؤامرستان” قبل سنوات بعد أن فشلت في تحقيق نسبة المشاركة الكافية في آخر انتخابات في تاريخها.. أمر بهؤلاء فنشروا في ربوع الدولة حتى يتعظ سكان “غير هاك” الغافلون، وينطلقوا دون تأخير الى اقرب مكتب تصويت ليدلوا بأصواتهم…
كانت تلك لحظات حرجة جدا.. بلغت فيها القلوب الحناجر.. وبدا الحلم الكبير وكأنه يتهاوى.. وعم اليأس الأرجاء.. ثم حلت ساعة الفصل.. ودقت الأجراس معلنة انتهاء الاقتراع.. وعم سكوووون رهيب…
وفجأة… انفجرت مكبرات الصوت في كل مكان بالتهليل، وأطلقت الألعاب النارية، وأعلن للملأ أن “غير هاك” قد نجت، فقد تجاوزت نسبة المشاركة النصف بقليل، وخرج عموم الشعب للاحتفال، بينما تطوع التكنوقراط المحايدون في مكاتب التصويت بتكييف الوضع بما يتماشى مع المصلحة العليا للوطن.. وهناك مقابل الساحل.. باءت جيوش “مؤامرستان” بالخيبة، فرفعت مراسيها وعادت تجر أذيال الخيبة.. على أمل ان تنجح فيما فشلت فيه هذه المرة.. بعد سنتين..
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.