بينما يستعد الكثيرون لاستقبال العام الجديد بشراء الهدايا والبحث عن زينة الاحتفال، هناك الكثيرون أيضا ممن ينتظرون توديع هذه السنة بحزن وألم باحثين عن رغيف خبز وكأس حليب دافئ والأهم من هذا وذاك انتظار وطن آمن من غير قصف ولا انفجار، من غير رشاوى ولا محسوبية، من غير ظلم وجور.. فشتان بين 2017 نيوزلندا و2017 جنوب السودان.
عام آخر يرحل وأهم ما ميزه هجرة سرب آخر من القيم والأخلاق وتفشي ظاهرة اختفاء مظاهر الطيبة، تحقيق قفزة نوعية بالتمرد على النظم والنوازع وباختصار تجاوز فطرة الإنسان السوية إلى كل مذموم وقبيح وإقرار المزيد من التشريعات المعادية للشريعة السمحة.
ستهتم صحافة الإشهار أواخر هذه السنة بجمع أسماء أكثر الشخصيات شهرة ومالا ونفوذا، ستصنف البلدان الأكثر نجاحا وقوة، لكنها ستتناسى طبعا كل الصور التي جمعتها من هنا وهناك لقصف سافر دموي أمام صمت دولي إن لم نسمه تواطئا، لشتاء بارد قاس وسط خيام وأسقام وآلام، وإن اهتمت فلن يتجاوز اهتمامها وضع إحصائيات وأرقام لأشخاص فروا من الموت فوجدوه ينتظرهم في عرض البحر، أما أحزان عائلاتهم فلا ينتمي لجداول حسابات الدول الكبرى وإن انتمى لجدول فلن يكون إلا جدول الضرب وبكل أنواعه.
عام آخر يرحل حاملا معه كل الخطايا والحسنات، مضى ولن يعود للتصحيح أو الثناء، وإنما تبقى الذكرى ناقوسا في ذاكرة النسيان، وإن وقع بعض الخطأ والزلل فإننا بشر نخطئ ونصيب والمرء بعد التعثر يقف من جديد، ولكن كان ومازال القصد الأول لكل قلم حر هو المد في روح الإعلام الهادف الذي يسعى للإصلاح والبناء لإحياء معنى القيم في حياتنا، حتى وإن كان في أقلامنا بعض القسوة فحجتنا أن صديقك من صدقك وليس من صدّقك، والدواء رغم مرارته إلا أن فيه شفاء، وقد نتلقى بعض الانتقادات في أننا نبحث دوما عن النقائص والعيوب وهذا لأن السليم المعافى لا يحتاج إلى علاج فعلام إذن نتتبعه ونوليه عناية مركزة ؟…
فضلا عن أننا لم نبخل عن ذكر الطيب والثناء على المحسن، وبهذا الصدد استذكر ما كان يقوله أستاذ مادة فنيات التحرير في كلية الإعلام والاتصال، إذ يرى أن ما يكتب فيه الكثير من التشاؤم بل واستاء معترضا: “لقد بات بعض الصحفيين كمن يرثي في المآتم”، فقلت :”ألا تشاطرني الرأي يا أستاذ أن حال الأمة العربية والإسلامية صار أكثر كآبة من مأتم أولا تستحق المجازر التي نشهدها في بلاد الرافدين وعلى مداخل القدس أن نقيم لها مآتما نطلق فيها صرخات ألم ومرارة علها توقظ الضمائر الهاجعة والنفوس الخانعة، فما لنا من حيلة غير رفع القلم وبتحفظ في زمن الحصار وعبادة الدولار والحكم بالحديد والنار، بعدما عجزت الأيادي عن حمل رايات الحق وسيوف الإقدام والبحث عن الحسنيين، واكتفت شعوبنا بتبني فكر المدنية الزائف والتقليد الأعمى لكل قبيح وماجن وإن خالف معتقدنا وتنكر لتعاليم الإسلام تحت اسم العصرنة والانفتاح في زمن الاجتياح”.
فليتنا ندرك حقا أن كل عام يرحل لن يعود بل سيجر معه أعواما أخرى ولن يبقى سوى العمل الطيب بإخلاص، فوفقكم الله لما يحبه ويرضاه كل عام وعلى الدوام.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.