نضم صوتنا الى أصوات الكثيرين الذين يشككون بالنوايا والاهداف التي تكمن وراء نشر مئات الآلاف من وثائق الخارجية الامريكية، ونجد عبر موقع ويكيليكس، في الوقت نفسه ان هناك الكثير من الصواب لدى بعض مؤيدي النظرية التآمرية التي تقول ان هناك اجندات واضحة خلف هذه التسريبات ابرزها توريط زعماء عرب في الحرب مع ايران، واذكاء نيران حرب طائفية سنية ـ شيعية، او عربية ـ فارسية في المنطقة.
لكن هناك نقاطا ايجابية عديدة تستحق التوقف عندها لاستخلاص الكثير من الدروس والعبر، ابرزها فهم طريقة التعامل الرسمية الامريكية مع منطقتنا وزعمائها، والدور الذي يلعبه هؤلاء في السياسات والحروب الاقليمية، فربما يساعدنا هذا على فهم بعض الامور الغامضة والتحركات العسكرية والدبلوماسية الامريكية المكثفة في منطقتنا التي تقف على شفير حرب اخرى.
ولعل المحطة الابرز في هذه الوثائق تلك المتعلقة بالضعف العربي والارتماء تحت الاقدام الامريكية طلبا للمساعدة ونيل الرضا، فالقراءة المتأنية تكشف لنا ان الادارة الامريكية هي التي تحدد الاعداء (ايران) وهي التي تحدد الاصدقاء الجدد (اسرائيل). مما يعني ان مئات المليارات التي جرى اقتطاعها من قوت الشعوب العربية لشراء اسلحة امريكية متطورة لم تخرج الانظمة من دائرة الضعف والهشاشة اولا، ولم تكن بهدف تحرير المقدسات العربية والاسلامية ثانيا.
فما تضمنته هذه الوثائق من استجداءات من قبل زعماء عرب للتسريع بضرب ايران، واستخدام عبارات لم يكن يتصور احد انها موجودة في قواميس دول ‘معتدلة’ تدعي الحكمة والتعقل، ظلت دائما تميز نفسها عن انظمة ثورية عربية، مثل ‘قطع رأس الافعى الايرانية’، كان صادما بالنسبة الينا، ومن المؤكد انه صادم بالنسبة الى الملايين غيرنا.
فمن المفارقة ان هذا التعبير، أي قطع رأس الأفعى، رسخ في الوعي العربي بارتباطه باسرائيل، مصدر كل الشرور في المنطقة باحتلالها الاراضي العربية، ولم يخطر في بالنا ان هناك من يريد ان يحذف اسرائيل من رأس قائمة العداء العربي ويضع مكانها ايران، لان هناك قلقا امريكيا اسرائيليا من طموحاتها النووية، مثلما كان هناك القلق نفسه من اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.
فجأة، اصبحت مشكلة العرب الرئيسية او معظمهم، ايران، والنظام القائم فيها، ولم يقل لنا الذين يستعجلون ضرب ايران، عما اذا كانوا قد فكروا مليا بنتائج مثل هذا التوجه على امنهم واستقرار بلادهم، بل ووجودها كدول في حال تجاوب امريكا واسرائيل مع عويلهم واستجداءاتهم.
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونسأل عما سيكون عليه الحال، لو ادت الضربة الامريكية ـ الاسرائيلية الى اطاحة النظام الحالي، وأتت بنظام قومي فارسي متعصب صديق للامريكان واسرائيل، يتوج شرطيا في المنطقة، ويعتمد مندوبا ساميا يتولى ادارة شؤونها نيابة عن الباب العالي الامريكي ـ الاسرائيلي؟
ومن المؤلم بالنسبة الينا على الاقل، ان الوثائق قدمت صورة مأساوية للزعماء العرب، من حيث الكفاءة والمسلك الشخصي، فهؤلاء ظهروا مترددين منافقين، يطعنون بعضهم بعضا، ويشتكون للسفراء الامريكان من بعضهم بعضا، ولم نقرأ في هذه الوثائق ان زعيما عربيا واحدا قال انه يملك الشجاعة، او الرغبة، لحماية بلاده والتصدي للخطر الايراني المزعوم. كلهم يريدون من امريكا واسرائيل ان تقوم بهذا الدور نيابة عنهم، بينما ينعم هؤلاء بالراحة في قصورهم الفخمة.
من المؤكد ان ايران، وبعد ان اطلعت على مواقف القادة العرب، الذين يحرضون امريكا واسرائيل على ضربها ستفكر جديا في انتاج اسلحة نووية، بل ربما تسرع في اي خطوات اقدمت عليها في هذا الصدد، وستجد المبررات اللازمة للمحاججة في شرعية قرارها هذا ومنطقيته.
نحن المواطنين العرب، بحاجة ماسة الى معرفة هذه الاسرار، ونفاق حكامنا، ومدى سيطرة الادارات الامريكية على دوائر اتخاذ القرار في بلداننا، حتى نعرف كيف ان بلداننا ما زالت محتلة، ومن دون كرامة وطنية، او سيادة فعلية حقيقية، تماما مثلما كان عليه الحال ايام الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي، مع فارق وحيد وبسيط، وهو ان السفير الامريكي حل محل السفير البريطاني او الفرنسي في زمن الانتداب.
فهل يعقل ان يصل الأمر بوزير دفاع لبنان ميشال المر الى درجة مطالبة السفيرة الامريكية السابقة ميشال ساسون بتمرير رسائل الى اسرائيل بعدم الاعتداء على الخط الازرق الحدودي، وعدم قصف البنية التحتية للمناطق المسيحية اللبنانية، وانه اعطى اوامره الى قائد الجيش في حينه (اي اثناء عدوان تموز/يوليو عام 2006) العماد ميشال سليمان (الرئيس الحالي للبنان) بعدم التصدي لهذا العدوان الاسرائيلي؟
المتحدث باسم السيد المر قال ان الوثائق مجتزأة ومشبوهة وغير دقيقة ولا قيمة لها، ولكنه لم ينف نفياً قاطعاً هذه الوثيقة، او الاجتماع الذي استمر مع السفيرة الامريكية لاكثر من ساعتين ونصف الساعة قبل حدوث العدوان.
فكيف يمكن الحديث عن الشراكة والتعايش في بلد مثل لبنان اذا كان وزير دفاعه يعطي ضوءاً اخضر لاسرائيل لقصف المناطق الاسلامية الشيعية، وكأن من سيتعرضون لهذا القصف ليسوا لبنانيين، بل ليسوا بشراً في الاساس؟
أهمية ما تضمنته هذه الوثيقة هو توقيت الافراج عنها، وكونها جاءت لتؤكد مخاوف اللبنانيين بقرب حدوث الانفجار الكبير المتوقع بعد اذاعة القرار الظني عن محكمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي تؤكد التسريبات انه سيدين حزب الله بتنفيذ جريمة الاغتيال هذه.
صحيح ان الوثائق لم تتناول اسرائيل، ولم تكشف عن اسرار مجازرها في حربي لبنان والعدوان على قطاع غزة، والاعتداء على سفن الحرية والمواقف الامريكية بل والعربية ايضاً تجاهها. وهو امر يثير الريبة، ولكن الصحيح ايضاً ان امامنا وليمة ضخمة من المعلومات ربما يؤدي كشفها الى بدء عملية التغيير الديمقراطي التي تتطلع اليها شعوب المنطقة، بعد سقوط آخر الاقنعة عن وجوه الانظمة الديكتاتورية والقمعية.
لسنا بحاجة لكشف الغطاء عن حجم الجرائم الاسرائيلية، فنحن نعرفها جميعاً، ولكننا بحاجة ماسة لكشف الغطاء عن جرائم الزعماء العرب ومجازرهم السياسية والاخلاقية في حقنا نحن الشعوب، وكيفية اهدار ثروات المنطقة لتمويل حروب امريكية بشكل مباشر او غير مباشر تأتي دائماً بنتائج عكسية تماماً، وتنقلب وبالاً علينا كأمة، وما يحدث في العراق هو احد الامثلة.
فهذه الانظمة لن تستطيع القاء المحاضرات علينا في الوطنية، كما ان الولايات المتحدة لن تجرؤ على وعظنا حول ضرورة احترام القوانين والمعاهدات الدولية وهي التي تخترق هذه القوانين والمعاهدات ولا تتورع عن التجسس على الامين العام للامم المتحدة ومساعديه وجميع المندوبين الاجانب في المنظمة الدولية بدون استثناء.
نحن ننظر الى النصف او الربع الممتلئ من كأس هذه الوثائق مع اعترافنا وتسليمنا، ونقولها للمرة المليون، بوجود اجندات خفية، ونرى ان عملية التغيير في المنطقة العربية يجب ان تنطلق، وان تنطلق ايضاً حملة عالمية لنقل مقر الامم المتحدة من نيويورك الى أي مكان آخر في العالم، فدولة تخترق الميثاق وتتجسس على موظفيها وتخون الثقة، لا تستحق ان يستمر وجود هذه المنظمة على أراضيها.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.
تعليق 1425
نشر موقع ويكيليكس, السبت 4-12-2010، آلاف الوثائق السرية الجديدة المتعلقة بالدبلوماسية الأمريكية حول العالم, ما أثار موجة من الانتقادات الدولية في حين بدت شخصيات عالمية طالتها الوثائق مشككة في محتوى ما يُنشر.
وأعلن مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج الذي يعتقد أنه موجود في بريطانيا، أنه عزز التدابير الأمنية لضمان سلامته بعد أن تلقى تهديدات بالقتل إثر بدء موقعه بنشر 250 ألف برقية دبلوماسية أمريكية سرية.
صالح والقذافي وبوتفليقة
وذكرت برقيات دبلوماسية نشرها الموقع وأشارت إليها وسائل إعلام, أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عرض بشكل سري حرية دخول للقوات الأميركية إلى بلاده لشن هجمات ضد أهداف لتنظيم القاعدة.
وقالت البرقيات:” إن الرئيس اليمني قال لجون برينان -نائب مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي باراك أوباما- في سبتمبر/ أيلول 2009: “منحتكم بابًا مفتوحًا بشأن الإرهاب ومن ثم لست مسؤولًا”.
وأضافت البرقيات: إن صالح “اعترف بالكذب على شعبه بأن الهجمات الصاروخية الأميركية على القاعدة هناك في ديسمبر/ كانون الأول الماضي كانت من عمل القوات اليمنية بدعم من سلطات المخابرات الأميركية”.
من جانب آخر, أفادت مذكرة دبلوماسية أن الزعيم الليبي معمر القذافي كان يستعد لترك كمية من اليورانيوم عالي التخصيب بدون حماية إثر خلاف مع الأمم المتحدة.
ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن هذه الوثيقة أن حوالي 5.2 كلغ من اليورانيوم عالي التخصيب وضعت في سبع حاويات مخصصة للنقل وليس للتخزين، وتركت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009 في منشأة نووية ليبية بحماية حارس واحد مسلح.
من جهتها، كتبت صحيفة نيويورك تايمز أن سفارة الولايات المتحدة في طرابلس طلبت “سحب اليورانيوم المخصب من الحاويات خلال ثلاثة أشهر”، محذرة من أن “ارتفاع الحرارة قد يؤدي إلى تشقق الحاويات مما يمكن أن يسبب تسربًا لمواد نووية إشعاعية” إلى الجو.
ودعا دبلوماسيون روس وأمريكيون عندها المسؤولين الليبيين إلى السماح لطائرة روسية بنقل الحاويات, ووافق القذافي بعدما رفض في بادئ الأمر وتم نقل الحاويات بطائرة روسية خاصة من موقع تاجوراء النووي الليبي في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2009.
في موضوع آخر, قالت مذكرات دبلوماسية أمريكية نشرها ويكيليكس: إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة كان يرى في 2007 أن “فرنسا لم تقبل فعليًا يومًا بالاستقلال الجزائري” وتحاول تصفية حساباتها مع الجزائر “عبر دعم المغرب”.
كما رأى بوتفليقة أن “الفرنسيين ونظرًا لتاريخهم الاستعماري في المغرب لا يستطيعون لعب دور بناء في النزاع” في الصحراء الغربية.
وجاءت تصريحات الرئيس الجزائري التي وردت في مذكرات نشرتها صحيفة لوموند خلال لقاء مع فرانسيس فراغوس تاونسند, مستشارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للشؤون الأمنية.
وحول الصحراء الغربية، قال بوتفليقة: “لو كنت أستطيع حل المشكلة لفعلت ذلك (…) لكنني لا أستطيع التحدث باسم الصحراويين”.
وأضاف: إن “ما يجب أن يحصل هو أن يتوصل المغرب وبوليساريو (جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) إلى حل ويمكنهما أن يفعلا ذلك بمساعدة الأمريكيين”.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2009, انتقد بوتفليقة ملك المغرب محمد السادس, وقال: إنه “ليس منفتحا وتنقصه التجربة”, لكن يبدو أنه ينظر بتقدير إلى شقيقه الأمير رشيد الذي أكد أنه “مازحه وأجرى مناقشة ودية معه” خلال لقاء في أشبيليا في أسبانيا، حسب مذكرة أخرى.
وفي المقابل، كشفت بعض المذكرات الأمريكية أيضًا عن سيل من الانتقادات للجزائر من الجانب المغربي أيضًا.
الجيش الأمريكي
إلى ذلك, قالت متحدثة باسم الجيش الأمريكي في العراق: إن الجيش يحاول إقناع الجنود بعدم قراءة الوثائق السرية التي ينشرها موقع ويكيليكس الإلكتروني.
وظهرت رسالة الجمعة على شبكة الإنترنت الخاصة بالقوات الأمريكية لدى محاولة الوصول إلى الأخبار وغيرها من المواقع تنصح الجنود بعدم قراءة أو تنزيل، أو إعادة توجيه نشرات ويكيليكس.
ونصت الرسالة: إنه “وفقا لقواعد وزارة الدفاع، على الجميع الامتناع عن قراءة مواد متعلقة بنشرات ويكيليكس”.
وفي ذات السياق, أمر البيت الأبيض الهيئات الحكومية الأمريكية باتخاذ تدابير لكي لا يتمكن موظفوها الذين لا يملكون التراخيص اللازمة من الدخول إلى موقع ويكيليكس من أجهزة الكمبيوتر التي يستخدمونها في العمل.
وكتب مكتب الموازنة التابع للبيت الأبيض في رسالة إلى جميع الهيئات الفدرالية حصلت وكالة فرانس برس على نسخة عنها, أن “نشر ويكيليكس مؤخرًا وثائق حكومية أمريكية ألحق ضررًا بأمننا القومي”.
فضائح في أفغانستان
من جانبه, قدم وزير المالية الأفغاني استقالته, أمس, بسبب برقية أمريكية مسربة أوردته يصف الرئيس حامد كرزاي بأنه “رجل ضعيف”, وقال أمس: إن العلاقات مع السفارة الأمريكية في كابول تضررت.
وأبلغ وزير المالية عمر زخيلوال خلال مؤتمر صحفي أنه لم يستخدم مطلقا كلمة “ضعيف” لوصف كرزاي, وأنه قال إن السفير الامريكي كارل ايكنبري كان قد “استخدم اسمي لتدعيم رأيه في رئيسنا”.
وقال: “أرى أن هذا يفتقد المهنية بشدة… أرى أن هذا ينطوي على قدر هائل من عدم الاحترام… أرى أن هذا يفتقر إلى الدبلوماسية بشدة”, وأضاف “هذا لا يترك ثقة بيني وبين السفير”.
بدوره, شكك الرئيس الأفغاني, حميد كرزاي بشدة في صحة البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي سربها موقع ويكيليكس والتي كشفت انتقادات شديدة وجهت إليه وإلى إدارته بوصفها بالفساد الشديد.
وأورد كرزاي على سبيل المثال برقية أكدت أن أحد نوابه السابقين أحمد ضيا مسعود توجه إلى دولة الإمارات وبحوزته 52 مليون دولار نقدًا تعود بشكل أساسي لأفغان قلقين من وضع الاستقرار في البلاد.
وتعليقًا على البرقيات الدبلوماسية, قال كرزاي في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في كابول: “لو كان هذا الأمر صحيحًا؛ فإن الحكومة الأمريكية على اتصال بنا كل يوم ويأتون إلينا لقضايا تتعلق بخمسة آلاف دولار, فكيف لم يتم إطلاعي بمبلغ الـ52 مليون دولار؟ كيف يمكن لأمر كهذا أن يبقى سريا؟”.
ورفض كرزاي برقية جاء فيها أن وزير المال وصفه بأنه رئيس “ضعيف” أمام دبلوماسيين أمريكيين, وقال كرزاي أمام الوزير الذي كان موجودًا خلال المؤتمر الصحفي: “يمكنني أن أؤكد لكم بأنه لم يقل ذلك للأمريكيين”.
وفي باكستان قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني أمس: إن الجيش يدعم القيادة المدنية للبلاد بعدما سلطت برقيات أمريكية مسربة الضوء على قوة الجيش في البلد المضطرب سياسيا.
وتظهر برقية أرسلتها السفيرة الأمريكية السابقة إلى باكستان آن باترسون في 12 مارس/ آذار 2009 كشف عنها موقع ويكيليكس أن نفوذ الجيش في الدولة التي تتمتع بقدرة نووية حيوي بالنسبة لحرب الولايات المتحدة ضد التشدد.
وكانت باترسون تلتقي بقائد الجيش الجنرال اشفق كياني أثناء أزمة سياسية كان من شأن مسيرة طويلة للمحامين خلالها أن تهدد حكومة الرئيس آصف علي زرداري.
وجاء في البرقية أن كياني لمح مرة أخرى إلى أنه قد يضطر لإقناع زرداري بالاستقالة “إذا تدهور الوضع بشدة”.
المصدر: وكالات
http://www.felesteen.ps/details/14083/%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%AA%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%AA%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%8A%D8%AF.htm
تعليق 1426
محمد جمال عرفة
منذ بدء موقع “ويكليكس” قبل ثلاثة أشهر بتسرب المعلومات والوثائق الأمريكية خصوصاً من وزارتي الدفاع والخارجية ، والجدل يدور حول سؤال رئيسي هو : هل هذه الوثائق تسريبات أمريكية أم أنها شطارة أو قرصنة انترنت حصل بموجبها قراصنة علي هذه الوثائق من الإدارة الأمريكية أم أنها – كما قيل – وثائق سربها جندي أمريكي – باردلي ماننج في سلك الاستخبارات العسكرية – حانق على إدارة بلاده للحروب في المنطقة وتورط بنقلها إلى قرصان انترنت صديق له، فوصلت عبره إلى موقع ويكليكس؟
ومع أن غالبية استطلاعات الرأي التي تنشر عبر الصحف والانترنت ترجح أن هذه الوثائق عبارة عن تسريبات أمريكية متعمدة من أجهزة أمنية أمريكية، فلا يزال الأمريكيون يمارسون تمثيلية طريفة في إظهار غضبهم على هذه التسريبات وكيف أنها شوهت صورة بلادهم، ويطالبون بمحاكمة المسئول عن هذه الشبكة بتهمة جرائم الحرب!
ويمكن القول إن هناك دلائل عديدة تؤكد أن هذه الوثائق مسربة عمداً من أمريكا لا مسروقة، لتحقيق أهداف أمريكية محددة من وراءها باعتبار هذه الوثائق ونشرها أداة من أدوات تحقيق المصالح الأمريكية منها:
1. أنه يصعب تصور تسريب 70 ألف وثيقة عن أفغانستان و400 ألف عن العراق ، ثم 250 ألف عن قضايا شرق أوسطية أخرى من وزارة الدفاع الأمريكية والخارجية برغم الستار الاستخباري الحديدي عليها.
2. إن أغلب هذه الوثائق يخص الأوضاع في المنطقة العربية وغالبية الدول العربية في الخليج والمشرق والمغرب، ومع هذا فلم نر وثيقة واحدة تتحدث عن المستوطنات الصهيونية مثلاً أو العدوان الصهيوني على جنوب لبنان أو غزة أو اغتيال قادة حماس أو الرئيس عرفات، ومن غير المنطقي أن ما ظلت وسائل الإعلام تركز عليه بخصوص الخلاف الأمريكي حول وقف الاستيطان الصهيوني وحزم المساعدات الأمريكية وغيرها، لا توجد وثيقة واحدة تتحدث عنه ، وإلا – لو تصورنا أن الوثائق صحيحة ومسروقة لا مسربة – لكانت مصيبة كبيرة ألا تجري محادثات بين أمريكا و(إسرائيل) بخصوص المستوطنات، وكان معنى هذا أن هناك تواطؤاً أمريكياً على العرب والسلطة الفلسطينية وما يقال عن ضغوط أمريكية على (إسرائيل) لوقف الاستيطان ما هو سوى وهم ومخدر للعرب!
3. إن الوثائق المسربة لا تعرض الأمن الأمريكي للخطر ولا أرواح مواطنين في الغرب أو الشرق للخطر مثلما زعمت الإدارة الأمريكية، وإنما عرضت للخطر أنظمة عربية لا تكترث أمريكا لها كثيراً وتعاني من أخطائها هي في تعريض الأمن القومي الأمريكي للخطر عبر الكبت وتزوير إرادة الناخبين وقمع الحريات الذي ينعكس على اشتعال العنف الذي ينتقل لاحقاً إلى أمريكا في صورة كراهية للغرب الذي يرعى هذه الأنظمة.
4. كل ما نشرته الوثائق عن العراق وأفغانستان معلوم بالضرورة وليس فيه أي أسرار ، فكل الدول العرب تعلم حجم جرائم الميليشيات الشيعية التابعة للمالكي وغيره من القادة الشيعة في قتل المسلمين السنة في العراق ، وهناك آلاف الوثائق والمعلومات التي سربتها المقاومة العراقية السنية عن هذا ولكن الفضائيات العربية لا تبثها لحسابات خاصة بالأنظمة العربية التابعة لها (!).
5. ما نشر عن تعاون المخابرات الباكستانية مع حركة طالبان، استهدف أمرين : (الأول) تبرير السيطرة على السلاح النووي الباكستاني خشية وقوعه في أيدي “متمردين إسلاميين” كما يقول الأمريكان ، حتى أنهم اعترفوا بمحاولة للسيطرة على بعضه بدعاوى أنه كان قريباً من متناول “الإرهابيين” ، و(الثاني) هو الضغط على باكستان ودفعها لمزيد من التعاون مع أمريكا لقتال طالبان والضغط على حكومة إسلام آباد لمزيد من هذا التعاون ، والزعم أن باكستان هي الشماعة التي تعلق عليها أخطاء وفشل الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان، وبالتالي تبرير الانسحاب من هناك وانتصار طالبان!
6. ما نشر عن دعم عربي لضربة أمريكية ضد إيران ورغبات الحكومات العربية في أن تقوم أمريكا بهذه الخطوة للجم البرنامج النووي الإيراني ولو عسكرياً ، لا تخدم في النهاية سوى الأهداف الأمريكية والصهيونية في حشد تحالف عربي مع أمريكا يساندها في محاربة إيران ومن ثم التورط في حرب جديدة كما ورطهم بوش الأب في حرب العراق الأولى ، أما الأخطر من هذا فهو أن الوثائق زادت من حدة الخلافات العربية عبر نشر تهكمات بعض الحكام العرب على بعضهم البعض والتي دارت في الغرف السرية وسمحت أمريكا بنشرها بدعاوى أنها وثائق مسروقة!
7. ما نشر عن المقاومة الفلسطينية خصوصاً ودعم دول عربية لها مثل قطر أو سوريا أو غيرها يستهدف دق أسافين بين المقاومة وهذه الدول العربية أو ممارسة ضغط عالمي علني عليها لوقف مساندتها للمقاومة والتضييق عليها.
الغزو الإعلامي الجديد !
والحقيقة أن هناك هدفاً أمريكياً خطيراً من وراء تسريب هذه الوثائق تحديداً والمتعلقة فقط بما أرادت واشنطن تسريبه (!)، هو هدف إعلامي يستهدف توجيه أنظار الإعلام العالمي والدول العربية شطر موقع ويكيليكس والنقل عنه بحيث يصبح مستقبلاً هو ناقل المعلومات المضللة للعرب والمسلمين مثلما سعى الأمريكيون سابقاً لتعظيم الاستفادة من مواقع أخرى مثل (فيس بوك) و(تويتر) حتى باتت هي مصدر المعلومات وكعبة العرب الإعلامية ومنها يجري امتصاص المعلومات عن العرب وتفكيرهم وخططهم.
بعبارة أخرى فالدور الذي يخططون أن يلعبه ويكيلكيس هو محاولة استعادة السطوة الإعلامية الأمريكية العالمية من خلال وسائل الإعلام الحديثة خاصة الشبكة العنكبوتية بعد تراجع الدور الأمريكي الإعلامي وظهور الفضائيات العربية وغياب تأثير الميديا الأمريكية التقليدية في الفضائيات أو الإنترنت بعد ظهور مواقع دولية أخرى منافسة ، فجاء اختراع حكاية ويكليكس لنشر معلومات تخدم أهداف السياسة الأمريكية من جهة ، واستخدام الموقع كأحد المنافذ التي تحقق رؤى وأهداف السياسة الأمريكية وهو نمط جديد من العمل الإعلامي الذي أفرزته العولمة.
بعبارة أخرى يمكن القول: إن أحد أهداف هذه التسريبات عبر موقع ويكليكس هو جعل الموقع محط أنظار العالم خصوصاً العربي يستقي منه معلوماته ، وأن تعود الهيبة للإعلام الغربي والأمريكي..
وقد نبهت قوى عربية لعدم أهمية هذه الوثائق وأنها لم تكشف جديداً وحذرت من الهدف من وراء تسريبها ، فهيئة علماء المسلمين في العراق قالت إن ما نشره موقع ” ويكيليكس ” من وثائق سرية بشأن الجرائم الوحشية التي ارتكبها الاحتلال الغاشم وأعوانه في العراق أثبتت صحة ما أعلنته الهيئة في بياناتها وتصريحاتها الصحفية وتقاريرها الفصلية عن الأوضاع المأساوية التي يشهدها العراق في ظل الاحتلال، لاسيما في الجانب الإنساني ، وحجم وضخامة المصاب الذي مُني به العراق وطنا وسكانا ومقدرات.
والمقاومة الفلسطينية قالت: إنها تدرك هدف الوثائق المتعلق بالضغط عليها وحصارها عبر نشر وثائق تتحدث عن علاقات بعض الدول العربية بها، ونددت حماس بسعي الأمريكان ومعهم السلطة الفلسطينية وحركة فتح لدق إسفين بينها وبين قطر، فماذا بقي من أسرار ويكيليكس ؟ ولماذا لم ينشر وثائق (إسرائيل) ؟
المصدر: صحيفة فلسطين
http://www.felesteen.ps/index.php?page=details&nid=14086