زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

وضع النقاط على الحروف و”الحروق”..!

فيسبوك القراءة من المصدر
وضع النقاط على الحروف و”الحروق”..! ح.م

بعضُ قاشي «الفهامة»، وفي مزايدةٍ على مَن يعطي للحرائق أبعادَها التخريبية، يحاجج بأنّ كلَّ دول العالم، من فرنسا إلى كندا وألمانيا، تتعرّض غاباتُها كلَّ صيف للحرائق، ولا أحد يتحدّث عن مؤامرة..

وفعلاً، يحدث أن تلتهم النيران حتى غابات الأمازون، لكنّ ما لا يحدث في الأمازون ولا في غيرها من غابات الدول، هو أن «تستعر» الأرض شمالًا وشرقًا وغربًا في التوقيت نفسه، إذ ليس من العادي أن تتزامن النيران من جيجل إلى عنابة، ومن بجاية إلى الطارف، ومن تيزي وزو إلى قالمة، ومن ميلة إلى تبسة، ثم نسمّي ذلك مصادفة، ونحمّل المسؤولية لكوكب الشمس الذي، حسب هذه الفهامة، تقاطع مع كوكب عطارد فقرّرا معًا إشعال الجزائر!

عودُ الثقاب، يا سادة اللهب، حين ينتقل بهذا الشكل وفي الوقت نفسه من غابة إلى أخرى، ومن ولاية إلى أخرى، لا يعود لهبه مجرّد أثرٍ لشمسٍ حارقة، وإنّما يصبح، ما لم يثبت العكس، لعبةَ «نار» متنقّلة، ومدروسةَ «الرماد»، خصوصًا حين يخلف وراءه، في نهاية الوهج، مجسّمًا من النار يرسم ملامح خريطة الوطن، وهنا تحديدًا لا يعود السؤال عن النار وحدها، وإنّما عن اليد التي أشعلتها، ونفخت فيها! وكذا عن الإمكانيات التي كان يمكن أن تجعل من الكارثة نارًا تُحاصر، بدل أن تتحول إلى وطنٍ يحترق.

لكنّ ما لا يحدث في الأمازون ولا في غيرها من غابات الدول، هو أن «تستعر» الأرض شمالًا وشرقًا وغربًا في التوقيت نفسه، إذ ليس من العادي أن تتزامن النيران من جيجل إلى عنابة، ومن بجاية إلى الطارف، ومن تيزي وزو إلى قالمة، ومن ميلة إلى تبسة، ثم نسمّي ذلك مصادفة…

ومن هنا يبقى السؤال المعلّق، والمسؤولية الملقاة على عاتق الإهمال و«السبهللة» معًا: أين الإمكانيات التي كان يمكن أن تُخفّف الأضرار، خصوصًا أنّها ليست المرة الأولى التي نعيش فيها هذا الظرف، ولسنا أمام نارٍ هبطت علينا من كوكبٍ آخر، بل أمام سيناريو تكرّر بما يكفي حتى يصبح الاستعداد له واجبًا لا خيارًا، ولذلك فإنّ مواساة الضحايا وتقديم التعازي، مهما كانت واجبةً وإنسانية، لا يمكن أن تكون ممحاةً تُسقط المسؤولية عمّن كان يجب أن يكون في المكان والزمان المناسبين، قبل الفاجعة وأثناءها وبعدها، لأنّ التعزية تُواسي أهل المصاب، لكنها لا تُجيب عن سؤال: أين كنا؟!

الأكثر من ذلك إنّ الخطاب الرسمي والشعبي، وما تكشّف من معطيات ومواقف، يؤكّدون أنّنا مستهدفون، وأنّ الأمر لا يتعلّق فقط بنارٍ عابرة أو صدفةٍ موسمية طبيعية، بل بوجود دولٍ وممالك تتربّص بالجزائر وتبحث عن منافذ إلى أمنها واستقرارها..

ولذلك فإنّ اختزال كلّ هذا في مجرّد «زواوش قرمود» من عوالم افتراضية، أو عملاء «زوج دورو»، لا يفسّر شيئًا بقدر ما يريح الذين لا يريدون أن يسألوا كثيرًا، ومع ذلك يبقى السؤال الذي تركته محرقة جيجل وعنابة وقالمة وبجاية، بل كلّ شبرٍ مسّه اللهب، معلّقًا في الهواء: ماذا أعددنا لصدّ النيران، ما دام الشيطان يرمينا بجحيمه، وينتظر فقط، فرصته لنكون رماده؟!

ختاما، وحتى لا أنسى جماعة «كاش حاجة»، أولئك الذين لا يحتاجون إلى تحقيقٍ ولا خبرةٍ ولا حتى عود ثقاب، لأنّ لديهم تفسيرًا جاهزًا لكلّ شيء، فقد وجدوا في حفلةٍ موسيقية مناسبةً لإخراج نظريتهم العجيبة عن «الغضب الإلهي»، وكأنّ السماء، في مخيالهم، تحوّلت إلى شرطيّ مرورٍ ديني يراقب الحفلات، ثم يختار الغابة التي سيحرقها عقابًا على أغنيةٍ أو رقصة.

لكن بما أنّهم فتحوا دفتر الحساب بهذه الطريقة، فليخبرونا كيف غضبت السماء من حفلةٍ عندنا، ثم غضّت الطرف عن جدّة والرياض بعدما «ألهبت» هيفاء وهبي الساحات هناك ولم تحترق البلد، أم أنّ للغضب الإلهي عند جماعة «كاش حاجة» جغرافيا انتقائية، وبوصلةً لا تشير إلا إلى الجزائر؟!

@ طالع أيضا: الجواب الشامل على تصريحات المسؤول المغربي الجاهل

والأطرف من ذلك أنّ جماعة «طويل العمر» هؤلاء، وهم يوزّعون صكوك المعصية والعقاب على الناس، تناسوا أن يوجّهوا السؤال إلى نتنياهو، فإذا كانت الحرائق عندهم عقوبةً آليةً على المعصية، وإذا كانت السماء، حسب هذه النظرية العجيبة، تتولى بنفسها مهمة الانتقام من أهل الأرض، فما الذي يمنع أن تهبط شمسٌ كاملةٌ بكلّ لهبها فوق رأس من جعل من قتل الأبرياء وإحراق الأرض سياسةً يومية؟! أم أنّ ميزان جماعة “كاش حاجة” السماوي لا يعمل إلا على مقاس الجزائر، فيغضب هنا ويصمت هناك، ويحرق غابةً بسبب حفلة، بينما يترك من يحر_ق البشر والحجر خارج نطاق التغطية؟!

والمشكلة هنا ليست في الإيمان، حاشا، وإنما في تحويل الإيمان إلى «ولاعة» تُشعلون بها عقول الناس كلما عجزتم عن فهم الواقع، وفي تحويل الغيب إلى شماعةٍ نعلّق عليها تقصيرنا، ثم نغلق بها باب السؤال والمساءلة..

والمهم، أيها القاشي “الراشي”؛ حين تحترق الغابة لا تبحثوا عن «الراقصة» في الرماد، ولا تجعلوا من المغنية متهمةً في قضية حريق، بل ابحثوا عمّن أشعل النار، وعمّن كان يفترض أن يواجهها ولم يفعل، لأنّ النار لها أسبابها، ولها من أشعلها، ولها أيضًا من لم يعد لها العدة، وهذه مسؤولياتٌ أرضية لا تُمحى بتفسيرٍ غيبي، ولا تُدفن تحت الرماد.

فكفّوا إذن عن هذه الخزعبلات الموسمية؛ هيفاء وهبي ليست «سيدة مطافي» في جدّة والرياض، وحفلة الرقص ليست عود الثقاب الذي أشعل غابات الجزائر، والسماء ليست غرفة عملياتٍ تنتظر منشورًا على فيسبوك لتحدّد أين تنزل عقوبتها، وإذا كان لا بدّ من البحث عن تفسير، فلنبحث أولًا في النار نفسها، وفي توقيتها، وفي امتدادها، لأنّ الوطن حين يحترق لا يحتاج إلى «كاش حاجة» تفسّر له غضب السماء، بقدر ما يحتاج إلى عقولٍ مفتوحة، ومؤسساتٍ مستعدة، ومسؤولين يعرفون أنّ الوطن ليس رمادًا نبحث عنه بعد انطفاء اللهب.

@ مقال سابق للكاتب: هذا الشعب سيظلّ يكره فرنسا وفرنسيتها

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.