عناوين فرعية
-
خواطر أنثروبولوجية من تحت الركام..!
لقد استوقفني هذا الفيديو، والذي يتم تداوله علو منصات التواصل الاجتماعي، وبالأخص منصة إكس (تويتر).
وسط كل هذا يخرج علينا هذا الصبي المتعب والمثخن بمظاهر العدوان ليثبت لنا حقيقة أخرى، وهي أثر الإيمان والدين في الصمود أمام الموجات العاتية للدمار والإبـــ..ادة.
ولأول وهلة، نرى صبيا غزيا وهو يختم القرآن الكريم، على وقع أصوات الانفجارات والمدافع الإسرائيلية ونداءات الإخلاء والتهجير القسري، ومجاعة نهشت البطون وأمراض تفتك بالأجساد، في تركيز عميق وفرحة عارمة لمن يحيط به.
وكأن هذا الجمع يعيش في عالم آخر، أو في بعد آخر، حيث يرى ما لا نرى ويحسّ بما لا نحس ويفكر بآليات لا نعرفها ولا نفهم كنهها.
@ طالع أيضا: اعتراف: “وكأننا نحن النازيون وهم اليهود”..!
لقد دُمرت غز.ة عن بكرة أبيها مرات ومرات، فالغطرسة الصهيونية حطّمت الصوامع، ودمرت المباني، وجرفت الأجساد بعد استهدافها، ومنعت الدواء والطعام ومارست الهجرة القسرية للأطفال والنساء والمرضى والمقعدين عشرات المرات، من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال، ومن أزقة إلى أزقة.
غرضها في ذلك محو الحياة والإنسان، والتاريخ، والثقافة وكل ما يمت بصلة “للعماليق” بالمفهوم التوراتي الذي روجت له الأيديولوجيا الصhيونية الدينية.
ووسط كل هذا يخرج علينا هذا الصبي المتعب والمثخن بمظاهر العدوان ليثبت لنا حقيقة أخرى، وهي أثر الإيمان والدين في الصمود أمام الموجات العاتية للدمار والإبـــ..ادة.
لقد أكّد إميل دوركايم في كتابه “القواعد الأساسية للحياة الدينية” (Les règles élementaires de la vie religieuse) على أهمية الأنساق الدينية في في التماسك الاجتماعي والحفاظ على متانة البنى الاجتماعية، بما في ذلك الأسرة، القبيلة أو المجتمع بشكل أكبر.
فآلة الدمار الصهيونية أتت على الأشكال المادية للحضارة، وحاولت قتل العزيمة بالإعلام والتر.هيب والخوف، ولكنها نسيت أو تجاهلت العزائم والإرادات والأفكار التي تصوغ وتشكل هذه الإرادات، فعالم الأفكار كما صوره مالك بن نبي (ميلاد مجمتع) هو الذي يصنع المجتمع ويوجهه، ويعطيه معناه.
كأن هذا الجمع يعيش في عالم آخر، أو في بعد آخر، حيث يرى ما لا نرى ويحسّ بما لا نحس ويفكر بآليات لا نعرفها ولا نفهم كنهها.
وأنا في السنوات الأولى من علم الاجتماع في الجامعة، كان أستاذنا يحاضر حول الإرث السوسيولوجي لجورج غورفيتش (Georges Gurvitch)، وهو من أعلام علم الاجتماع المعرفة ورواده، بحيث أنه يؤكد على أن الأطر المعرفية من معارف، معتقدات وأديان وأفكار يؤمن بها الأفراد والجماعات هي التي تهيكل المجتمع وتنظمه، والكل متوقف على نجاعة وثراء ومدى هيكلة هذه الاطر المعرفية، ومحاولة منا لإسقاط هذه الافكار على ما يحدث في غز.ة، وليس غز.ة وحدها فقط، نستشف مدى مقاومة المكلومين والمظلومين لجلاديهم، فعلى قدر العدو.ان يكون الصمود والمقاومة، وعلى قدر الظلم يكون للتصدي، وعلى قدر الإحباط يكون الأمل والنزوح نحو الفرج.
@ طالع أيضا: الأنفة والكبرياء.. قصة امرأة غزّية ليست ككلّ النساء؟!
عندما تحسّ الهوية بخطر المحو والتهجين تلجأ إلى الموروث الديني والعقدي لتستلهم منه ضمن عملية التوطين (Intériorisation)، وعلى حد تعبير أمين معلوف فالهوية تتبلور حسب المقتضيات الواقع والسوابق التاريخية لتلتهم في ثناياها مقومات أكثر سماكة وقوة، فالهوية الفلسطينية عانت من المحو والمسخ لأكثر من 70 عاما، ولكن بقيت هذه الهوية شامخة صامدة، بل وتمد الإنسان الفلســـ..طيني العزيمة والصمود والمقاومة إمكانية التحرر ومشروع وطن أهدرته الأيادي العابثة من #وعد_بلفور إلى اتفاقيات أوسلو.
وفي العالم الآخر، نجد الهوية الصهيونية التي استلهمت من اليهودية والتعاليم التلموذية فكرة “وطن بلا شعب وشعب بلا وطن”، هوية امتزجت بالكرا.هية والعنصر.ية المقيتة، والنزوح نحو القتل والتنكيل، عنصرية هيكلية يرضع منها الأطفال في روض الأطفال والمدارس، وينهل منها الإنسان الإسرائيلي في الإعلام ودور الثقافة والسينما.
تلكم هي حقيقة الهوية التي تصقل من رحم المعاناة والظلم والطغيان، وأخرى تلد في الأقبية المظلمة المعتمة وفضلات الأخلاق والأفكار.
@ طالع أيضا: افهموا القرآن.. وأفيقوا قبل فوات الأوان؟!
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.