زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

هل تحتاج الجزائر إلى ولايات جديدة؟

فيسبوك القراءة من المصدر
هل تحتاج الجزائر إلى ولايات جديدة؟ ح.م

69 ولاية.. لماذا يفرح البعض ويتتوجّس البعض الآخر؟

من يزور إسطنبول يلاحظ أمرًا قد يلفته أكثر من آيا صوفيا أو البوسفور: نظام النقل الدقيق.

الحافلات المرسيدس النظيفة التي تصل في وقتها، والمترو الذي يشقّ المدينة كلها، والترام الذي يمرّ بين الأزقة دون فوضى، والعبّارات، وكيف أنك ببطاقة واحدة تستطيع أن تشحن وتستخدم كل هذه الوسائل.

أفهم تمامًا فرحة المناطق التي تحوّلت إلى ولايات، وأفهم أيضًا استغراب الذين قالوا: “وماذا سيتغيّر؟”.

وسنعود إلى هذا المثال بعد قليل… لنتحدث عن موضوع ارتقاء عدد من المقاطعات الإدارية إلى ولايات جديدة؛ وهكذا صارت الجزائر رسميًا مُشكّلة من 69 ولاية.

أفهم تمامًا فرحة المناطق التي تحوّلت إلى ولايات، وأفهم أيضًا استغراب الذين قالوا: “وماذا سيتغيّر؟”.

كلا الموقفين مبرَّر؛ فالمسألة بالنسبة لأبناء كثير من هذه المدن وغيرها لا تتعلّق بلافتة على مقر يُسمّى ولاية أو ختم جديد، بل بشعور عميق لدى سكان عدد من هذه المناطق بأنها نُسيت، وتُدار من بعيد، وتعيش فوضى عمرانية وخدماتية، وتكابد إرهاق المسافات وضعف الإدارة اليومية.

مدينة مثل بريكة مثال واضح: تناساها التقسيم الإداري لعام 1984. أربعون عامًا كاملة من الانتظار. مدينة متوسعة، لكنها غارقة في الفوضى العمرانية؛ تنتشر فيها النفايات، تتقهقر فيها الخدمات الصحية، يغيب عنها الأمن الحضري، وتُدار – رغم حجمها -كما تُدار بلدية صغيرة.

@ طالع للكاتب: كيف يُمكن توجيه طاقة الجزائريين نحو الخير؟

وفوق ذلك مشكل بُعد الإدارة: أن تقطع 90 كلم، ساعة وخمسًا وأربعين دقيقة، إلى باتنة للحصول على وثيقة بسيطة من إدارة تنفيذية. وهذا وحده يكفي لفهم أشياء كثيرة.

🔹 والقصة ليست حكرًا على بريكة. مدن مثل بئر العاتر، بوسعادة وحتى التي لم تصبح ولاية مثل العلمة، وعين البيضاء بولاية أم البواقي… تضخّمت سكانيًا وعمرانيًا، لكنها بقيت ضعيفة من الناحية التنظيمية.

مدينة بربع مليون نسمة (مع الضواحي) تعيش فوضى عمرانية، واختناقًا مروريًا، وتدهورًا في الخدمات، وانحدارًا في السلوك الحضري، وزيادة في الانحراف، استقطبت المزيد من السكان؛ لكن الروح التنظيمية لم تتوسّع معها.

مدن تكبر مقابل: مرافق قليلة، إدارات بعيدة، أمن حضري ضعيف، وتخطيط غائب…

لماذا أفهم الفرحة، فلأسباب كثيرة وموضوعية: رغبة في تقليل الفوضى، تقريب الإدارة، توفير الأمن، التنمية المحلية، خلق فرص عمل، ولأن تفويت الترقية يعني عقوبة جديدة فكيف ذلك؟

ومن رحم هذه الفوضى يُنتج سلوك فوضوي يومي. فالمدينة عندما تفقد نظامها، تفقد القدرة على إنتاج السلوك الحضري، فيحدث الانحدار، وبالتالي تخلّت هذه المدن عن هدوئها القديم وغرِقت في فوضى عارمة وإيقاع مضطرب أثقل حياة الناس.

آخر مرة قدتُ سيارتي في إحدى هذه المدن شعرت وكأنني أدخل مدينة هندية؛ الشوارع التي كانت مرتّبة بسذاجتها الجميلة صارت متعبة، مكتظّة، ومفتوحة على كل أشكال الفوضى.

أما لماذا أفهم الفرحة، فلأسباب كثيرة وموضوعية: رغبة في تقليل الفوضى، تقريب الإدارة، توفير الأمن، التنمية المحلية، خلق فرص عمل، ولأن تفويت الترقية يعني عقوبة جديدة فكيف ذلك؟

👈 تاريخيًا، كان التقسيم الإداري في الجزائر يحمل دائمًا شيئًا من الاستحقاق وشيئا من المجاملة، وفي لحظات معيّنة، كان القرار رهينة المزاج.

@ طالع للكاتب: هكذا “تسرق” الوسائط الرقمية وقتك، وأيضا “إنسانيتك”؟!

في الشرق مثلًا، كان الجميع ينتظر ولاية بين عين البيضاء وعين مليلة، لكن القرار ذهب نحو أم البواقي عام 1974، فكبرت أم البواقي واستفادت وتحسنت بشكل واضح.

وفي 1984، ترقّبت شلغوم العيد الترقية، فارتقت ميلة بدلها، وتحسّنت ميلة من حيث التهيئة والتنظيم.

الطارف صارت ولاية بدل القالة، ويُقال إن ذلك كان بقرار من الشاذلي بن جديد.

وفي الغرب ظلّ الصراع بين المشرية وعين الصفراء، قبل أن تُرقّى النعامة باعتبارها وسطًا جغرافيًا بينهما.

في الشرق مثلًا، كان الجميع ينتظر ولاية بين عين البيضاء وعين مليلة، لكن القرار ذهب نحو أم البواقي عام 1974، فكبرت أم البواقي واستفادت وتحسنت بشكل واضح.

القصص تتشابه: المغير وجامعة في الجنوب حين تنافستا على الترقية؛ وقد نالتها المغير، فغضب أهل جامعة، وكنت قريبًا أيام تلك الاحتجاجات.

وفي تقرت، حين ارتقت ولاية، رفض سكان الحجيرة القرار، وطالبوا بالبقاء مع ورقلة.

وفي رأس الواد، حدّثني أحد الإخوة أن بعض من سكانها – بعد التقسيم حافظوا على ترقيم 19، رغبةً من البعض في الاحتفاظ بانتمائهم لسطيف.

وحين نفهم هذه الأمثلة، نفهم لماذا لم ترتقِ بوسعادة إلى ولاية حتى الآن، رغم أن الكثيرين كانوا يظنّونها كذلك، وندرك حجم تعقيد المسألة: العروشية، التاريخ، التدخلات، المصالح، المزاج السياسي… وغيرها.

🔹 الآن، وقد صارت هناك ولايات جديدة وهذا جيد لتقريب الإدارة وزيادة فرص التنمية، لكن السؤال المطروح: هل تُبنى التنمية من الأسفل أم من الأعلى؟

@ طالع للكاتب: العيش بمفردك (تجربة اجتماعية)!

وهنا نحتاج أن نعود إلى مثال إسطنبول في الأعلى: لم نذكر مثال النقل في البداية إلا لخدمة الفكرة الجوهرية التي نحتاجها هنا.

من ينظّم حركة النقل تلك؟ حركة عبقرية بتخطيط بارع، شبكة مترو هائلة، وحافلات مرسيدس، ونظام متروباص يعمل على مدار اليوم، إضافة إلى أسطول عبّارات ينقل مئات الآلاف يوميًا عبر البوسفور.

تصوّر أن البلدية هي التي تخطط، وتراقب، وتفرض المعايير، وتعيد هيكلة الفضاء العام؛ من الأرصفة إلى الممرات الخضراء، ومن تنظيم الأكشاك وحتى باعة الفوشار إلى تسيير مواقف السيارات الذكية. مدينة تتجاوز 17 مليون نسمة، لكن مفاصلها تتحرّك بمنطق واحد لأن البلدية تعمل كجهاز تشغيل مركزي.

وفي الغرب ظلّ الصراع بين المشرية وعين الصفراء، قبل أن تُرقّى النعامة باعتبارها وسطًا جغرافيًا بينهما.

مثال آخر: سيول، العاصمة الكورية؛ تدير البلدية شبكة المترو التي تُعدّ الأكثر دقّة في آسيا، وتراقب حركة المرور عبر نظام بيانات فوري، وتعيد توزيع الحافلات حسب الضغط وشدّة الازدحام خلال دقائق فقط. البلدية تشرف أيضًا على النظافة، والأمن الحضري، ومراكز الابتكار، وترفع تقارير يومية تعتمد على الأرقام لأجل التحسين.

أما سنغافورة، فهي مدينة- دولة صغيرة المساحة، ونموذج عالمي فريد. البلدية تنظّم البناء ولا تسمح بأي تشوّه عمراني، وتدخل في أدق التفاصيل: ارتفاعات محددة، لون معيّن، مساحات خضراء إلزامية. كما أنشأت مسارات مشي مضاءة، ومناطق سكنية مخططة بحيث لا يبتعد المواطن عن المدارس والمتاجر والحدائق أكثر من دقائق.

القمامة تُحوَّل إلى طاقة، والمياه تُعاد معالجتها بنسبة تتجاوز 90٪، والفضاء العمومي مُحكم إلى درجة لا تترك مجالًا للعشوائية، وهذا النظام يُنتج سلوكًا منظمًا، حتى إنّي شاهدت تقريرًا في قناة فرنسية m6 ترك الصحفي فيه محفظته في الشارع مدة ساعة فلم يقترب منها أحد.

@ طالع للكاتب: الصحراء الجزائرية.. من أرض جرداء إلى سلة غذاء

وهناك تجربة كوبنهاغن، واحدة من أذكى التجارب في جعل الفضاء يغيّر سلوك الناس؛ حيث إن البلدية لم تقل للناس: “اذهبوا للعمل بالدراجة”، بل أعادت تخطيط المدينة بحيث يصبح ركوب الدراجة هو الخيار الطبيعي.

وسّعت الأرصفة، وصمّمت ممرات دراجات محمية، وزوّدت الشوارع بإضاءة منخفضة ومريحة، وأنشأت جسورًا خاصة للدراجات فقط.

والنتيجة أن الكثير من سكان المدينة يذهبون إلى أعمالهم على دراجاتهم كل صباح، لأن الفضاء صار صديقًا لهذه العادة، ولأن البلدية فهمت أن السلوك الحضري يُنتج بدوره النظام.

هذه النماذج تكشف أمرًا واحدًا ومهمًا: لا يمكن لولاية جديدة أن تنجح ببلدية بلا صلاحيات، التنمية تُبنى من الأسفل، لا من الأعلى، تبنيها وفق فهمي البلدية لا الولاية.

هذه النماذج تكشف أمرًا واحدًا ومهمًا: لا يمكن لولاية جديدة أن تنجح ببلدية بلا صلاحيات، التنمية تُبنى من الأسفل، لا من الأعلى، تبنيها وفق فهمي البلدية لا الولاية.

👈 في ظل تجريد البلديات من كثير من الصلاحيات، يصعب تحقيق التنمية.

بلدية لا تتحكم في العمران كما ينبغي، ولا تدير النقل الحضري، ولا تضبط الفضاء العام، ولا تمتلك شرطة بلدية، ولا تفرض معايير جمالية، ولا تخطط للأحياء، ومهمتها منحصرة في وظائف صغيرة: الإطعام، والنقل المدرسي، والقمامة… لا يمكنها أن تصنع قاعدة صلبة لأي ولاية.

فالبلدية هي الجزء الصغير الذي تنطلق منه الولاية، وهذا رأيي، ليس فقط بالنسبة للولايات الجديدة، بل لكل الولايات الـ69 بما في ذلك العاصمة.

🔹 تأتي بعدها المشكلة الأكبر: المركزية.

كل شيء يتدفّق نحو العاصمة: الجامعات، المستشفيات المرجعية، القرار السياسي، الفرص الاقتصادية، الشبكات المهنية، وحتى الطموحات الفردية.

@ طالع أيضا: “الخوف” لا يبني دولة..!

هذا ما يسمّيه علماء الاجتماع “أثر الجاذبية المركزية”: مركز واحد يبتلع كل شيء ويترك بقية البلاد بلا قلب نابض.

النتيجة واضحة: العاصمة تُخنق، والولايات الداخلية تتراجع، بل ويتحوّل بعضها إلى محطات عبور مؤقتة لشبابها ونخبها.

الكل يريد العاصمة، ومدنًا أخرى بدرجات أقل. يكفي أن مستشفى واحدًا – مصطفى باشا – يستقبل مرضى من 58 ولاية ليظهر عمق الخلل، وأن المشكلة ليست في عدد الولايات، بل في توزيع الخدمات.

فشخصيًا، أتلقّى اتصالات يومية تبحث عن وساطات في مستشفيات كبرى (منها مستشفى قسنطينة المدينة التي تدعّمت بمشروع آخر وضع حجر أساسه تبون أمس) من أشخاص من مختلف الولايات، وهذه هي مشكلة المركزية التي تؤدي إلى نزوح جماعي بحثا عن خدمات أفضل.

كل شيء يتدفّق نحو العاصمة: الجامعات، المستشفيات المرجعية، القرار السياسي، الفرص الاقتصادية، الشبكات المهنية، وحتى الطموحات الفردية.

سوسيولوجيًا، العاصمة تُغري لأنها تجمع كل شيء: العمل، العلاج، التعليم، العلاقات، الفرص السياسية. لكن هذا الجذب نفسه هو ما يدمّر توازن البلاد: العاصمة تبتلع… ثم تختنق، بينما الولايات تُفرّغ وتفقد قدرتها على إنتاج حياة محلية لائقة.

👈 لا بد من رؤية استشرافية، وهنا يمكن الاستدلال بالنموذج الصيني بوضوح. الصين ليست دولة واحدة بالمعنى الإداري، بل هرمًا من 34 وحدة عليا.

لقد فهمت مبكرًا أن المركزية حالة اجتماعية وبيروقراطية خانقة تقتل دينامية المجتمع، لذلك وضعت روح اقتصادها في الأطراف، وليس في العاصمة.

في الثمانينيات منحت بكين صلاحيات واسعة للمناطق، وبنت “جزرًا اقتصادية حيّة”. هكذا وُلدت شنزن: من قرية صيد من 30 ألفًا إلى عاصمة التكنولوجيا بـ15 مليونًا.

هذا التحول لم يكن اقتصاديًا فقط، بل تحولًا في الإنسان نفسه: من مواطن يسكن الهامش إلى مواطن مركز.

وإلى جانبها: بكين، شنغهاي، تيانجين، تشونغتشينغ… مدن ومقاطعات بصلاحيات ضخمة، وشبكة مدن قوية تجعل الدولة تتنفّس من الأطراف لا من المركز، وتفكّ الاحتقان الاجتماعي لأن الناس يجدون الفرصة في محيطهم القريب، لا على بعد 1000 كيلومتر.

@ طالع للكاتب: نصائح ذهبية: كيف تتعلم الاستيقاظ باكرًا؟

روسيا أيضًا، رغم قوة المركز، اضطرت إلى بناء 85 كيانًا فدراليًا. والولايات المتحدة بدورها جعلت كل ولاية “دولة صغيرة ومستقلة”: ضرائب، محاكم، شرطة، قوانين، خدمات. واشنطن تدير الجيش والدبلوماسية فقط، مع شبكة أقطاب موزعة: نيويورك للمال، كاليفورنيا للتكنولوجيا، تكساس للطاقة، فلوريدا للسياحة. لا توجد “عاصمة واحدة تبتلع البلاد”.

وهذه النماذج كلها تؤكد أمرًا واضحًا: الدولة الضخمة قد تُدار من مركز واحد، لكنها تحتاج أن تتنفّس عبر شبكة مراكز جانبية قوية.

والأسئلة التي تطرح بإلحاح: هل هناك رؤية لتخفيف الضغط عن العاصمة وكيف نتصور شكلها بعد عقدين؟

هل نملك تصورًا لعاصمة إدارية جديدة؟ كيف نعيد بناء الذوق الحضري الذي يتراجع في كل مدننا؟

هذه النماذج كلها تؤكد أمرًا واضحًا: الدولة الضخمة قد تُدار من مركز واحد، لكنها تحتاج أن تتنفّس عبر شبكة مراكز جانبية قوية.

كيف نسترجع الشارع؟ كيف نمنح الولايات الجديدة وظائف حقيقية؟ وكيف نرى الجزائر بعد عشرين سنة؟

🔹 ولذلك، فإن التقسيم الإداري (أو التنمية عموما في الولايات الداخلية عموما) في رأيي سينجح إلا إذا رافقه:

– تخفيف المركزية من خلال لامركزية تعيد للهامش اعتباره،

– وُضع تخطيط مستقبلي استشرافي مدروس وواضح، بما ينضمنه من رقمنة وكل الوسائل.

– منح البلديات صلاحيات حقيقية تحت رقابة فعلية،

– توزيع التنمية والخدمات،

– خلق أقطاب اقتصادية حقيقية

وإلا سيبقى التقسيم الإداري مجرد تقسيم جغرافي وهيكل بلا روح؛ وهذا ما لا نريده ولا نتمناه، محبة في وطننا.

ما الحل برأيك لكسر المركزية وتخفيف العبء عن العاصمة وبعض المدن الكبرى الأخرى وجعل الجزائر تتنفس عبر الأطراف ومدنها الداخلية؟

@ طالع للكاتب: كيف تقتل وسائل التواصل الاجتماعي مشاعرنا وإحساسنا بالواقع!

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.