لعلي أبدأ من حيث يجب أن أنتهي وأقول: أننا لم نتفق بعد كنخب فكرية فيما إذا كان لدينا سجناء رأي. لأننا ببساطة لم نتفق على من هو سجين الرأي، وأي رأي طبعا..!؟
لم نتفق بعد كنخب فكرية فيما إذا كان لدينا سجناء رأي. لأننا ببساطة لم نتفق على من هو سجين الرأي، وأي رأي طبعا..!؟
رفع الحراك الشعبي لأسابيع عديدة شعارات طالبت بإطلاق سراح ما صار يعرف بسجناء الرأي مثل: “اطلقوا سراح سجناء الرأي”، وشعار: “حرروا سجناء الرأي، واقبضوا على اللصوص”.
فلما جاءت الجمعة التاسعة والثلاثون (15 نوفمبر 2019) رفع محتجو العاصمة لافتة عملاقة عليها صور وأسماء “سجناء الرأي”.
وفي المقابل تجمع نحو 100 صحفي للتنديد كما قالوا بتهديدات وترهيب بحق الصحافة.
وفي مواجهة هؤلاء وقف متظاهرون غاضبون من الصحفيين ومن الطريقة التي تتم بها تغطية الاحتجاجات في وسائل الإعلام واتهموا هؤلاء الصحفيين بالنفاق وبصلات مع السلطة، وخاطبوهم قائلين: “هذا وين فقتوا (بمعنى الآن استيقظتم!).
كل هذا التباين كان يؤشر على أن ملف سجناء الرأي لم يكن يدرك أبعاده حتى من رفعوا تلك الشعارات. بل بدا في تلك المرحلة من عمر الحراك الشعبي أن الملف صار ورقة سياسية بامتياز تجيد السلطة التلاعب به، بينما يغرق رموز الحراك في جدل حول وجود ملف من هذا القبيل من عدمه.
الحقوقي مقران آيت العربي لم يجد ما يستدل به على وجود معتقلي الرأي سوى بيان لرئاسة الجمهورية صدر في أعقاب استقبال الرئيس المؤقت الراحل عبد القادر بن صالح لأعضاء لجنة الحوار والوساطة الستة برئاسة كريم يونس.
هل لدينا نحن اليوم وضوح رؤية بخصوص هذه المسألة، أم أن ضبابية المشهد ستظل قائمة، ليفسر الواحد منا مصطلح “سجناء الرأي” كل على قدر فهمه وهواه..!؟
حيث جاء في البيان أن بن صالح أعلن استعداده للعمل على الاستجابة للمطالب المرفوعة من قبل فريق الشخصيات الستة ومن بينها “دعوة العدالة إلى دراسة إمكانية إخلاء سبيل الأشخاص الذين تم اعتقالهم لأسباب لها علاقة بالمسيرات الشعبية”. وهو تأكيد من الرئيس المؤقت بوجود معتقلين في سجون الأجهزة الأمنية على خلفية مشاركتهم في مسيرات الحراك الجماهيري.
آيت العربي كان يرى أن السلطات تدخر هذا الملف لاستعماله كورقة ضغط مستقبلية. لهذا رفضت إطلاق سراح سجناء الرأي. لهذا طالب الأحزاب والجمعيات ومناضلي الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفة خاصة والحراك الشعبي بصفة عامة التمسك بالشروط المسبقة وخاصة شرط الإفراج عن جميع سجناء الرأي قبل أي حوار.
هذا الموقف تلقى ضربة موجعة من قبل أحد أبرز وجوه الحراك، الحقوقية والمحامية فاطمة الزهراء بن براهم التي التحقت بهيئة كريم يونس. والتي عوض أن تستغل وضعها داخل هيئة الحوار لتحريك هذا الملف، فاجأت الجميع حين صرحت بأنها تأسفت باعتبارها سيدة قانون، للطريقة التي صيغت بها ما اعتبرت “إجراءات تهدئة أو شروط مسبقة” من طرف الهيئة الوطنية للحوار والوساطة.
حيث قالت: “لو كنت ساعتها مع اللجنة لما وافقت على هكذا شروط”. وتشرح الموضوع، بأنه لا يوجد معتقلي رأي سواء كانوا صحفيين أو رجال سياسة داخل السجون. فكل من أودع الحبس أشخاص متابعون في تهم جزائية وبمواد قانونية محددة. فحتى القاضي عند محاكمته للمتهمين، يذكر المادة القانونية المتابعين بها على حد قولها.
وأكدت أنها ناقشت هذه الشروط مع أعضاء الهيئة لاحقا، وأطلعوها على بعض الملفات القضائية، التي يعتبرونها قضايا رأي لتكتشف، كما تقول، وبعد اطلاعها على الملف، أن الشخص المعني يستحق أكثر من السجن، بسبب التهم الثقيلة المتورط فيها.
معتبرة أن غالبية من ألقي عليهم القبض أثناء مسيرات الحراك، متورطون في قضايا مختلفة، منها السرقة والضرب واستعمال العنف ضد النساء والتحرش، وإهانة هيئة نظامية؛ وهم بالتالي ليسوا بمعتقلي رأي.
وترى بن براهم، أنه كان على هيئة الحوار والوساطة، أن تطرح شروطها المسبقة بطريقة قانونية، وهي المطالبة بتسريع الفصل في القضايا. فمن قبض عليه في حالة تلبس برأيها، يجب محاكمته في ظرف يومين لا أكثر. إذ لا يعقل أن يستمر التحقيق لشهور في قضايا بسيطة جدا.
في خضم هذا الجدل جاء حبس السيدة لويزة حنون، وبعدها المجاهد الراحل لخضر بورقعة، ووفاة الحقوقي الدكتور كمال الدين فخار في سجنه بعد إضراب طويل عن الطعام، وظهور طابور آخر من المضربين عن الطعام في السجون الجزائرية من بينهم عبد الله بن نعوم وحاج غرمول ليخرج إلى دائرة النقاش الوطني ملف معتقلي الرأي.
ممارسات ظن الحراكيون والحقوقيون أنها ذهبت مع النظام السابق، الذي توفى على أيامه الناشط والمدون محمد تامالت في زنزانته في 11 ديسمبر 2016، لمجرد أنه كتب قصيدة في هجاء بوتفليقة.
ومن الخطأ القول بأن الحراك الشعبي من خلال بعض شعاراته هو الذي بادر بطرح قضية معتقلي الرأي.
فبعد وفاة الدكتور كمال الدين فخار وما أثاره رحيله من موجة غضب عارمة انتفض لها الحراك الشعبي، سارعت السلطات للإفراج عن الناشط عبد الله بن نعوم الذي أضرب عن الطعام لحوالي 100 يوم، وقبله تم الإفراج عن النقابي حاج إبراهيم عوف، الذي كان هو الآخر مضربا عن الطعام. واللافت أن السلطات بادرت بالإفراج عن المضربين عن الطعام، في محاولة منع تكرار سيناريو الدكتور كمال الدين فخار، وكأنها ترسل رسالة لبقية السجناء بأن الإفراج لن يتم إلا عن المضربين عن الطعام الذين يتهددهم الموت.
وهي ممارسات ظن الحراكيون والحقوقيون أنها ذهبت مع النظام السابق، الذي توفى على أيامه الناشط والمدون محمد تامالت في زنزانته في 11 ديسمبر 2016، لمجرد أنه كتب قصيدة في هجاء بوتفليقة.
لهذا أنشأ حقوقيون وسياسيون شبكة النضال ضد القمع من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي ومن أجل الحريات الديمقراطية. وهدفها الضغط على النظام لأجل الإفراج عن المحبوسين. ونشرت الشبكة أسماء لسجناء الرأي الذين يتعين الضغط لأجل إطلاق سراحهم.
الحراكيون الذين رفعوا الشعارات المطالبة بإطلاق سراح سجناء الرأي لا أحد يدري إن كانوا يقصدون سجناء المسيرات الذين لا تعتبرهم بن براهم سجناء رأي، أم يقصدون سجناء الرأي من أمثال حاج غرمول ولويزة حنون وغيرهما. وفيما إذا كان طلب لجنة الوساطة والحوار المقدم لرئيس الدولة يشتمل على سجناء الرأي المذكورين، أم يقتصر على سجناء المسيرات.؟
بالنظر إلى ما قالته بن براهم بأن هيئة الحوار أطلعتها على بعض الملفات القضائية، التي يعتبرونها قضايا، وأنها لا تعتبرها كذلك، فالأمر على ما يبدو يقتصر على سجناء المسيرات.
وهنا يطرح السؤال: هل يدرك الحراكيون ومعهم لجنة الحوار والوساطة من هم سجناء الرأي الحقيقيون، ومن له حق اكتساب هذه الصفة؟.
وهل لدينا نحن اليوم وضوح رؤية بخصوص هذه المسألة، أم أن ضبابية المشهد ستظل قائمة، ليفسر الواحد منا مصطلح “سجناء الرأي” كل على قدر فهمه وهواه..!؟
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.