هاته صور ولقطات من دشرة أولاد مسعودة عرش بني فتح أعالي شرق جيجل، موطن القبائل الشرقية، قبائل كتامة المستعربة أو قبائل الحدرة.
هنا لازال السكون يخيم على المكان ولازالت الجماعة تلتقي في المقهى بعد غياب طويل.. لا محل يغريك ولا أضواء والقليل من السياسة والكثير من حكايات زمان.
عند مجيء الليل يلف الظلام كل شيء ولاترى إلا مصابيح الإنارة متناثرة هنا وهناك قرب بعض البيوت… وبعد منتصف الليل ينام البشر فهو عالم ذئاب وخنازير.
أتذكر ليالي الصيف أيام زمان حيث كنا نستمتع بالذرة المشوية على الجمر ونجلس خارج البيت تحت ضوء القمر ونبدأ الحكايات ولا يقطعها إلا نباح كلاب بعيدة وعواء الذئاب.
اليوم غزانا التلفزيون وعالم مهند وهوشة تبون وسيدي السعيد وحداد، وحروب داحس والغبراء، ومناوشات العرب ووادي الذئاب!
الأكل في الدشرة بسيط ولذيذ، بعض الخضروات والفاكهة وعودة إلى وجبات زمان.. بركوكس والشخشوخة، والجاري، والطمين…
وفي الصباح ومع الهواء المنعش تجلس تشرب قهوة وتستمتع بالهدوء وتشعر رغم البساطة بأنك سلطان، وكأس ماء بارد من عين القرية ينعشك ويجعلك تشعر بالنشاط.
قريبا موسم العودة إلى مضارب القبيلة وإلى الديار.. والقبيلة هنا ليس بمعنى القبيلة والتفرقة وإنما هي رمز إلى عالم الدشرة الصغير حيث جارك وجار جارك ومن حوله كلهم أقارب، وحيث تحكم القرية بعض التقاليد الأصيلة التي توارثناها أبا عن جد، نفرح معا وعندما نحزن نحزن معا.
قديما كان شيخ القبيلة يعني كبير كل عائلة أو جهة من الدشرة محترم وكلمته مسموعة، ومجموع أكابر العائلات يشكلون الجماعة، والجماعة كانت هي الحكومة المحلية التي تفصل في شؤون الناس وتحل الخصومات وتحقق الصلح وتشرع للعادات.
خلال العطلة أقصى مكان تبلغه هو الغابة المجاورة أو مركز البلدية غير البعيد، أو قد تغامر إلى جيجل والميلية أو المدن الساحلية المجاورة.
في بوراوي بلهادف تلتقي بباقي الأصدقاء والأحباب من أبناء القبيلة الكبرى، العرش أو الدوار، وأبناء الأعراش القريبة والجيران، في مركز البلدية هناك بعض الضجيج والكثير من المحلات والمقاهي والسيارات… تجلس في مقهى أو تتجول في المحلات وتلتقي أصدقاء لم ترهم من زمان.
عودة إلى مقهى القرية أجمل الجلسات هناك مع من بقي من الكبار من جيل الثورة والبركة، وتستمتع معهم بحكايات أيام الحرمان والبركة والأمجاد…
في فصل الصيف تجرى أغلب أعراس المنطقة لأن عدد العائدين من المدن كبير، في العرس الكل ضيف بدون استثناء، وهناك تستمتع بأكلة جماعية لطبق الكسكسي أو الشخشوخة وتجد فرصتك للقاء الجميع…
في الصيف يصبح الدوار مكّتنا وترى أبناء المنطقة النازحين يحجون إليها ويأتون من كل فج عميق، أملنا أن نعرف جيل المدن من أبنائنا بمسقط رأس الآباء والأجداد.
أيام عطلة الريف تمضي بسرعة وتشعرك بلياقة كبيرة وانشراح بسبب نمط المعيشة الصحي، ماء غذاء هواء وراحة نفسية، كلها تشحنك لتقاوم ضجيج المدينة، وتلوث هوائها ولو لشهور، تعود وأنت محمل بالذكريات الجميلة والصور والزيت والعسل والدقيق لطبخ الطمين والكسرة في المهجر وفي صقيع بلاد الشمال.

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.