إنه موسم الاصطياف.. فبعد العمل أو الدراسة وكذا غيرهما من الأنشطة والاهتمامات طوال السنة حل الصيف الذي ينتظره الصغير والكبير معا قصد الترفيه عن النفس والتمتع، الاستجمام والاستفادة من قضاء بعض الوقت مع العائلة، ولكل وجهته وطريقته الخاصة في قضاء العطلة الصيفية، غير أن هناك عوائق كثيرة باتت تحول دون ذلك، فناهيك عن الوضع المادي الذي عرف سقوطا حرا أدى لارتفاع مهيل للأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن خصوصا أمام كلفة السياحة في الجزائر، نجد العقبة الأكبر وهي انعدام الفضاءات العائلية، حتى وإن كتب على المحلات أو الشواطئ والمساحات الخضراء أن المكان مخصص للعائلات فإن الواقع والمعاينة تثبت العكس.
تحولت الأماكن السياحية والمرافق العامة إلى مجمعات للمومسات ومن يصطحبهن أو يقصدهن من المنحرفين والشواذ حتى صرنا نتساءل إن كان البحر والغابات خلقا لهؤلاء، وبأي حق يحرم الواحد منا من استنشاق هواء نقي والحظي بنسائمه، حينما يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما انتهاج سياسية المقاطعة والمكوث بالبيت أو الاستسلام وقبول الوضع بالتغاضي والتنازل عن بعض المبادئ، ولكن هذا القرار الأخير تصحبه تبعات منها مواقف محرجة ومشاهد محظورة.
إذ ما قرر الأب أو المسؤول عن اتخاذ القرارات داخل الأسرة بعد تبديل الأدوار وتخاذل القوامة يصير الدخيل مألوفا، فالمهم أن الجميع سيتوجه لمركب سياحي أو الشاطئ للاستمتاع بمناظر الطبيعة وهواء البحر العليل وأشعة الشمس الدافئة، لكن هناك من يشوه هذه اللوحات، بأفعال لا علاقة لها بالطابع الإنساني ولا تستمد من الجنس البشري غير الجسد، بل ويتمادون في مجونهم حتى يجعلون الفطرة تحتار حيالهم، فلا تكاد تجد مكانا نظيفا يخلو من بائعات الهوى اللواتي يقصدن الشواطئ لعرض أجسادهن المبتذلة وكذا المقلدون للغرب المتجاوزون للعرف والدين.
حتى صار الواحد يتحرج من الذهاب في نزهة للحدائق أو البحر بسبب أولئك الذين يمضون غير مراعين للآداب ولا آبهين بمشاعر الآخرين، يتباهون ويرون أنهم لحقوا بركب الحضارة وحققوا نجاحا بعدما قطعوا شوطا كبيرا للتغلب على المعتقدات السائدة في المجتمع الذي كان بالأمس القريب يستنكر ويستهجن هذه الظواهر الغريبة عنه بل ويرفضها، لكن الرائج حاليا والذي صار متفقا عليه أن كل ما هو منحط وحقير سيجد من يرفع شأنه، لذا أصبح الفسق والمجون هدف من لا شأن أو قيمة له ليثبت وجوده بل ولا يكتفي بما هو عليه من انحلال وضلال ليعتدي على الغير بكلام لاذع وإن لم يكن فبنظرات الاحتقار والاستصغار.
مواقف سخيفة يتعرض لها الذين التزموا بقيمهم وحافظوا على أخلاقهم وتمسكوا بتعاليم دينهم، ولم ينخدعوا بزيف المدنية ولم يغتروا بالشعارات والأصوات التي تنادي للتحرر والحرية، بعدما أدركوا أن ذلك هو عين العبودية وهل يوجد أحقر من أن يصير المرء عبدا لغرائزه، مكبلا بشهواته ويستنكف عن عبادة الواحد الأحد الذي تأنس إليه أرواح الذين وجدوا أنفسهم يعيشون في غربة داخل ديارهم، يشعرون بالعزلة في وطنهم حتى ضاقت بهم الأرض ولم يعودوا يجدون مكانا يحتضنهم أو فرصة للتمتع بما حولهم، لأن حاملات الرايات ومسوقي الآفات صاروا أسيادا وغزوا كل مكان بل وتمادوا في نفوذهم ليشغلوا المناصب الهامة في المجتمع فلا يوجد عمل إلا لأمثالهم، وإلا كيف نفسر أن كل الإعلانات عن الوظائف ومسابقات التوظيف لا تتسع إلا لذوات القوام الرشيق والعري الشديد بل وبإضافة عبارة sans foulard أي من غير خمار.
وإذا كان البحر قد أعلن براءته مما يحدث من تجاوزات ومعاصي يستحي منها إبليس، فإن الحدائق والغابات باتت تنتحب على ما تشهده ليلا ونهارا، خفية وجهارا، فمن يقصدها لتمضية بعض الوقت خاصة أن المساحات الخضراء تهدئ الأعصاب وتنعش النفس سيجد أن أعصابه ستنهار إن فضل البقاء على الرحيل من فوره.
إنها مناظر ومظاهر، مشاهد وشواهد تجعلنا نحزن ونستاء ونتحسر لما آل إليه فكر مجتمعنا من انحلال وما نال أركانه من دمار، فكان حري إيجاد البدائل المفيدة كفتح دورات تكوينية صيفية للشباب وتوعيتهم والقضاء على الفراغ الروحي لديهم وإدماجهم في أنشطة مفيدة، تمويل حملات دعوية وقائية عوض إقامة الحفلات ودعوة الفنانين والماجنين وتشديد الرقابة على الأماكن السياحية ومراعاة الآداب ووضع أنظمة صارمة وحازمة فما أحوجنا لزياد بن أبيه في عصرنا هذا ليعيد الأمور لنصابها بعدما صار البحر والهواء حكرا على هؤلاء.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.
تعليق 6449
إلى صاحب المقال
شكراً لك على الصراحة، و لكن أقول لك بأن الصراحة التي فوق صراحتك هي أن تذهب مباشرة إلى مكمن الداء، لعلمك سيدي أن تسعة اعشار إن لم أقل كل الفتيات اللواتي تمشين مع عشاقهن في الحدائق و الطرقات. و الحافلات هن من ذوات الخمار حتى لا أقول المحجبات، خمار يغطي الرأس و الباقي أعلم بحاله أخي الكريم، من أين تخرج فتاة هذه هي هيئتها بالله عليك؟، من بيت أمها و أبيها أمامها و بمباركتهما و ليس خلسة، المقصود هو أن الأزمة أزمة أسرية أزمة والدين و على وجه الخصوص الرجل، أزمة رجال هذا رأيي