زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

لم ولن ننسى جرائمك يا فرنسا

لم ولن ننسى جرائمك يا فرنسا ح.م

قد يكون ما تعلمناه في المناهج الدراسية لمادة التاريخ هزيلا، ولم يف الثورة الجزائرية وصناعها العظماء حقكم وبالموازاة لم يف الاستعمار الصليبي حقه أيضا ولم ينشر فظائعه بالتفصيل، ورغم ذلك فطمنا على كره فرنسا، ما سمعناه من أجدادنا وآبائنا عن وضاعة المحتل وحقارته زرع فينا مشاعر يستحيل أن تتغير وأولها الكره الشديد للمستعمر البغيض.

فرنسا الاستعمارية ما زالت لحد الساعة مصدر الشر فسياستها الخبيثة في التدخل في شؤون الدول بحجة علاقات تعاونية ليست سوى استعلاء وتميز بالفوقية لاستغلال مستعمراتها في شتى المجالات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية حتى العسكرية والسياسية، تنظم الانقلابات وتدعم القمع، تهدد استقرار الدول وتعيق تنميتها فكل علاقة معها تكون هي المستفيد الأول ولا تكتفي بل تضر بغيرها.

تاريخ العدو التاريخي لبلدي لم أقرأه في الكتب فحسب بل سمعته من صناع الثورة أنفسهم، رأيته على أجساد ضحايا التعذيب والقصف العسكري الفرنسي، عاينته في الأراضي التي اكتست لون الحداد حزنا على أشجار الزيتون المحروقة والمداشر المهدومة، في حين كانت تبنى فرنسا بأموال وسواعد الجزائريين بناها التحتية.

أغلب المباني التي أنشئت في فرنسا في العهد الاستعماري من خيرات الجزائر وجهد أبنائها الذين دفعت بهم الظروف السيئة للهجرة، ولكن ما جهلته فرنسا أن أغلب هؤلاء كانوا يحاربونها في عقر دارها ويرسلون دعما ماديا للثورة ومن أجمل ما رواه لي قائد لفرقة فدائين في مدينة روبيه ( Roubaix) في إقليم نور أقصى شمال فرنسا، أنه رحل إلى فرنسا مكرها بعدما عانى من الاضطهاد والظلم على يد وما عاشه من فقر رغم عمله الدؤوب منذ أن بلغ 6 سنوات، فذهب باحثا عن وضع أفضل وبعد اجتهاد وإصرار في المهجر وتمكن من استئجار محل كمقهى يقدم فيه بعض الوجبات السريعة، وكان عناصر الشرطة الفرنسية يرتادون المكان طيلة الوقت، فكان يتكلم معهم بلباقة ويتظاهر أنه لا يهتم بشأن الثورة لكنه في الحقيقة كان يجمع معلومات مهمة خاصة من الضباط، فضلا عن أنه جعل قبو المحل مقرا لخليته السرية ومركزا لنشاطهم الثوري وكذا نضالهم السياسي حيث تصدر المناشير وبيانات جبهة التحرير وكذا دعم عملية تعبئة المغتربين ضد المحتل وحثهم على مساعدة الثوار في الوطن، كان هذا الرجل فطنا ولم يوظف في محله إلا من يعرفهم جيدا من أهل منطقته خشية الخيانة ووقوع الوشاية، لهذا نجح مع رفاقه في القيام بعدة عمليات ولم يكتشف أمرهم، وذات مرة تمادى شرطي فرنسي بذم المجاهدين ونعتهم بأقبح الألفاظ وهو يحتسي فنجان القهوة فتمت تصفيته مباشرة وبسرعة جمع الرجل كل حاجياته مع رفاقه وتركوا المكان من غير رجعة، لكنهم لم يتوقفوا عن نضالهم إلى غاية بدء اتفاقيات إيفيان فقرر العودة للجزائر.

عرفني على العقيد شعباني -رحمة الله عليه- الذي فهم مخطط القنبلة الموقوتة التي زرعتها فرنسا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حثني على عدم تصديق كل متفاخر يحمل ألقابا وأوسمة ويدعي الوطنية ويقتل الأبرياء ويحرم ذويهم حق العزاء.

عاد البطل الشاب الذي لم ير بلده منذ سبع سنين وتركها وهو ما دون 14 عشرة وعاد إليها شابا قويا حاملا معه مالا وهدايا لأهل منطقته، وكلما قدم هدية لأحد منهم يقول له: “لا تخف ستنتهي معاناتكم سننال الاستقلال قريبا بإذن الله”، وقبيل الفجر طُرِق بابه فأسرع ليفتحه فإذا به يجد أحد جيرانه وقد كان صديقه في الطفولة لكنه انضم إلى الجيش الفرنسي بمعنى أنه صار حركيا، فتفاجأ عند رؤيته، لكنه بادره قائلا: “هيا أسرع ارحل الآن القوات الفرنسية في طريقهم إليك”، فتساءل الرجل: “ماذا حدث؟” فرد عليه: “بعض أقاربك الذين حملت لهم الهدايا جاؤوا إلى القائد ووشوا بك أنك تحرضهم وتقول أن الجزائر ستستقل، هيا أسرع لأؤمن لك طريقا تسلكه قبل أن يصلوا إليك؟”، حمل الرجل أغراضه وبسرعة رحل لحظتها أدرك أن فرنسا بقيت أكثر من قرن في الجزائر بسبب الخيانة التي تسري في عروق بعضهم، وعاد من فوره لفرنسا إلى حين إعلان الاستقلال الرسمي ليعود للجزائر حاملا معه نضالا وتاريخيا..

كلما روى لي حكاية منه تشوقت أكثر لسماع المزيد، حيث من كثرة ما رواه كنت أعايش الأحداث لحظة بلحظة، جعلني أتمنى لو عشت تلك اللحظات القوية وأشهد مواقف الرجال عن قرب، وبصدق عرفني على العقيد شعباني -رحمة الله عليه- الذي فهم مخطط القنبلة الموقوتة التي زرعتها فرنسا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حثني على عدم تصديق كل متفاخر يحمل ألقابا وأوسمة ويدعي الوطنية ويقتل الأبرياء ويحرم ذويهم حق العزاء.

وللأسف رحلت هذه الموسوعة التاريخية إلى جوار ربها، فنور ورحمة تنزل عليك يا من علمتني أن النضال بلا انتظار مقابل من الخلق نهر عطاء لا ينضب من الخالق، وأن ثورة التحرير المباركة كانت جهادا مقدسا في سبيل الله لتحرير أرض الجزائر من دنس صليبي ضال.

اليوم كلما سمعت ذكر فرنسا أشعر بالمرارة من وضاعتها والقهر من معاناة شعب الجزائر، وودت لو كان بيننا وبين أبناء ديجول بحارا من نار لا تمد أي جسور بيننا لا ندية ولا ودية ولا غيرها.

هذا هو التاريخ الذي يجب أن تتجدد كتابته وتخليصه من المسحة الاستعمارية، لسنا بحاجة لأرشيف مزور وشهادات السفاحين ففي ذاكرة وأجساد وأرض الجزائر ما يغنينا عن أكاذيب المجرمين، آخر شذرات الرعيل الأول من صناع الثورة يرحلون ومنهم من ترك خلفه الكثير من الحقائق لذا وجب تدوينها بأمانة لنتعلم منها ونعلم أبناءنا وأحفادنا ومن يجيء بعدهم أن كره فرنسا عقيدة، وما يوجد في الذاكرة لن يصير أبدا ذكرى بل هو ماض، حاضر ومستقبل.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.