لا تزال تفاصيل مبادرة الرئيس تبون المسماة "لم الشمل"غامضة، وباستثناء ما تسرب من معلومات من أن المبادرة ستعالج قضية سجناء الفيس الذين لم يفرج عنهم منذ أكثر من 30 سنة، فإن بقية بنود المبادرة التي ستترجم على شكل قانون تبدوا غير واضحة المعالم للسياسيين وللمواطنين على حد سواء،حتى الآن.
ثمة سؤال سوف يطرحه الجزائريون بعد الإفراج عن مئات السجناء الذين سجنوا خاصة بسبب نشاطهم السياسي وحتى قبل اندلاع الأزمة الأمنية، ولم تتلطخ أيديهم بدماء الجزائريين، بخصوص عدم استفادة هؤلاء من تدابير قانون الرحمة الذي أصدره الرئيس زروال ومن بعده قانوني الوئام والمصالحة اللذان أصدرهما الرئيس بوتفليقة من بعده.
إذا سلمنا بأن خلاف زروال مع زملائه الجنرالات كان متعلقا برفض زروال العفو الشامل الذي لم تجد له قيادات الجيش بدا في استباب الأمن مثلما تم الترويج له وقتها، فإن هذا العفو لم يكن شاملا بدليل أنه احتاج بعد أكثر من عشرين سنة إلى مبادرة جديدة وقانون جديد للإفراج عن ضحايا جدد قضوا أكثر من ثلاثين سنة في غياهب السجون…
هذا الأمر بالتأكيد سيحيل الكثير من الجزائريين الى البحث في الأسباب الحقيقية التي ادت بزروال الى تقليص عهدته الرئاسية بعيدا عن قضية عدم توافقه مع قياده الجيش بخصوص التفاهمات التي أجرتها قيادة المخابرات مع “مداني مزراق” قائد ما يسمى الجيش الاسلامي للإنقاذ وقتها.
لا أحد يعرف تفاصيل ما دار بين “اسماعيل العماري” نائب رئيس المخابرات ومداني مزراق وقتها، ولكن يبدو أن الأخير قد ضمن العفو لرجاله كلهم في الوقت الذي تم نسيان الكثير من ضحايا هذه المأساة الوطنية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والمسجونين والمفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولا ولا تزال قضيتهم جرحا لم يندمل بعد، خاصة وأن رجال مداني مزراق الذين نزلوا من الجبال بكل ما يمتلكونه من أسلحة لم يكونوا في رحلة صيد بكل تأكيد.
وإذا سلمنا بأن خلاف زروال مع زملائه الجنرالات كان متعلقا برفض زروال العفو الشامل الذي لم تجد له قيادات الجيش بدا في استباب الأمن مثلما تم الترويج له وقتها، فإن هذا العفو لم يكن شاملا بدليل أنه احتاج بعد أكثر من عشرين سنة إلى مبادرة جديدة وقانون جديد للإفراج عن ضحايا جدد قضوا أكثر من ثلاثين سنة في غياهب السجون، بعد وفاة الكثير من الجنرالات وتقاعد القلة الباقية التي اتهمت بأنها كانت وراء الأزمة الأمنية رفقة بعض القيادات المتطرفة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
مبادرة الرئيس تبون في إخراج هؤلاء من السجون لن تعيد الحياة لمئات الآلاف من الضحايا ولن تحل بالتأكيد مشكلة المفقودين، ولكنها بالتأكيد ستعيد بقايا أمل لمئات من السجناء فيما تبقى من سنوات حياتهم بعد أن تم نسيانهم في غمرة عودة آلالاف المسلحين من الجبال.
ربما لن يتم حل كل ألغاز الأزمة الأمنية في السنوات المنظورة القادمة، ولكن المبادرة بالتأكيد ستساعد في شقها المعلن حاليا من التئام بعض جراح من ظلموا وما أكثرهم في عشرية الدم والنار.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.