تحتفل الأسرة الإعلامية في الجزائر في 22 أكتوبر من كل عام باليوم الوطني للصحافة، وهي المناسبة التي أقرها الرئيس بوتفليقة قبل حوالي 05 سنوات وتحديدا في الثالث ماي 2013 بمناسبة الاحتفالات المخلدة لليوم العالمي لحرية التعبير، حيث قرر الرئيس ترسيم تاريخ 22 أكتوبر يوما وطنيا للصحافة، موضحا أن اختيار تاريخ 22 أكتوبر جاء تخليدا لتاريخ صدور أول عدد من جريدة "المقاومة الجزائرية" في 22 أكتوبر 1955 والناطقة باسم جبهة وجيش التحرير الوطني، وقد جاء القرار في رحاب إحياء الجزائر للذكرى الخمسين لاستقلالها الوطني..
ومن يومها دأبت الدولة خاصة المؤسسات الإعلامية الرسمية على إحياء هذا اليوم كمناسبة وطنية يتم فيها تكريم الإعلاميين، وتنظيم مسابقات في مختلف المجالات الإعلامية يكرم الفائزون فيها بالمناسبة كما هو حال “جائزة رئيس الجمهورية للصحافة”، لكن التساؤل الملح الذي ينبغي أن نطرحه لماذا تم اختيار هذا التاريخ بالتحديد كمناسبة رسمية وطنية، خاصة وأنه يسبق أو يأتي بين يدي مناسبة أخرى هي من الأهمية بما كان وهي مناسبة الـ 28 أكتوبر من كل عام ذكرى بسط السيادة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون…؟؟ ألم يكن من الأولى للرئيس بوتفليقة اعتبار ذكرى بسط السيادة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون عيدا وطنيا للصحافة بدلا عن تاريخ صدور أول عدد من جريدة “المقاومة الجزائرية” خاصة وأن ذلك -كما جاء في القرار- يتزامن مع الاحتفالات السنوية لعيد الاستقلال، وأن من صميم الاستقلال هو استرجاع مؤسسة سيادية بحجم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون..؟؟
ألم يكن من الأولى للرئيس بوتفليقة اعتبار ذكرى بسط السيادة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون عيدا وطنيا للصحافة بدلا عن تاريخ صدور أول عدد من جريدة “المقاومة الجزائرية”..
قبل أن أبدي وجهة نظري في الموضوع وكإجابة على ما سبق من تساؤلات، دعوني أذكر بحقيقة تاريخية تعمد صانعو القرار في البلد تجاهلها أو بالأحرى تعمدوا طمسها وعدم إظهارها للأجيال، وهي حقيقة سر اختيار الفاتح من نوفمبر 1954 كتاريخ لاندلاع الثورة التحريرية ؟؟ الحقيقة التي يجب أن تعرفها الأجيال الصاعدة والتي كشفها العديد من المؤرخين هي أن الذين خططوا للثورة لم يختاروا أبدا التاريخ الصليبي – إنما كان1 من نوفمبر 1954 كان موافقا للثاني عشر من ربيع الأول من عام 1374 أي ذكرى ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم – وقد اختير هذا التاريخ تيمنا بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الثورة كانت صبغتها إسلامية وكانت حربا ضد الكفار النصارى وكان الإسلام محركها وكلمتها الله أكبر، لكن الذين رسموا مناهج التاريخ في البلد عمدوا إلى طمس هذه الحقيقة التاريخية لدى الأجيال..؟
من المعروف أن التيار الفرنكوفيلي التغريبي في البلد حقق خلال السنوات الأخيرة اختراقات كبيرة في الكثير من مؤسسات الدولة بل وتمكن من فرض سيطرته على العديد من القطاعات الحساسة كقطاع التربية مثلا، خاصة وأنه استغل التشرذم والانقسام الذي عرفه التيار الإسلامي وتبنيه لخيار المقاطعة وانسحابه من الحكومة، بالإضافة إلى التراجع الكبير لتأثير التيار الوطني خاصة الوطنيين المخلصين الذين عمد إلى إقصائهم من المناصب الحساسة، خاصة بعد مرض الرئيس وغيابه على ساحة التأثير في البلد..
والمعروف عن التيار التغريبي تغلغله في مؤسسات الدولة بطرق سرية واستعماله التدرج والمرحلية والسرية في مخططاته كما يفعل في قطاع التربية والذي بدأت أول بواكير نتائجه تظهر على الجيل منذ سنوات قليلة، وما يعرف عليه كذلك هو تجنبه للمواجهة والقرارات الراديكالية..، انطلاقا من هذا وعطفا على ما سبق فإن فرضية أن يكون لاختيار تاريخ يتعلق بإصدار جريدة” المقاومة الجزائرية” في بداية انطلاقة الكفاح المسلح _ وهو الحدث المغمور الذي لم تكن له أية رمزية كبيرة من قبل، حتى أن برامج الدراسة التي تلقيناها ونحن طلبة في معهد الإعلام ولا نزال ندرسها لطلبة أقسام الإعلام عبر الجامعات لم تكن تمر على هذا الحدث إلا مرور الكرام…، فرضية أن يكون لهذا الاختيار قصد وهدف بعيد المدى تبقى هي الفرضية الأقوى، ويتعلق الأمر أساسا بتهميش الرمزية والقدسية التي ارتبطت بمناسبة الـ 28 أكتوبر ذكرى بسط السيادة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لدى الأجيال ولدى النخبة الإعلامية بوجه الخصوص، تمهيدا لطمس أحد أهم ركائز تاريخ الكفاح الوطني للبلد، وما يعزز هذا الطرح أن اختيار المناسبة الجديدة جاء قبل خمسة أيام فقط من هذه الذكرى مما أضحى يغطي عليها من خلال الأنشطة الكبرى التي أضحت تنظم باسم المناسبة الجديدة وتتركز فيها، ويجعل وسائل الإعلام تمر على ذكرى 28 أكتوبر مرور الكرام، وهذا طبعا نعيشه في الواقع كإعلاميين ممارسين وليس من نسج الخيال…
فرضية أن يكون لهذا الاختيار قصد وهدف بعيد المدى تبقى هي الفرضية الأقوى، ويتعلق الأمر أساسا بتهميش الرمزية والقدسية التي ارتبطت بمناسبة الـ 28 أكتوبر ذكرى بسط السيادة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لدى الأجيال ولدى النخبة الإعلامية بوجه الخصوص، تمهيدا لطمس أحد أهم ركائز تاريخ الكفاح الوطني للبلد..
ما يعزز هذا الطرح كذلك هو أن تأثير جريدة المقاومة لم يكن بالحجم الذي كان لجريدة المجاهد التي أسست بعدها أي خلال سنة 56 والتي كانت تصدر في نسختين بالعربية والفرنسية، وقد لقت رواجا كبيرا حيث كانت تنقل أخبار جبهة وجيش التحرير الوطني، وبالتالي كان يمكن اتخاذ تاريخ صدورها كتاريخ للمناسبة المذكورة، كذلك كان يمكن اعتماد تاريخ أول الجرائد الوطنية العربية وهي تلك التي أصدرها الفنان الرسام عمر راسم وهي “جريدة الجزائر” سنة 1908 كأول جريدة جزائرية صرفة في تاريخ الصحافة الجزائرية، أو اعتماد تاريخ أول صحيفة إصلاحية أصدرتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهي صحيفة “الفاروق” الأسبوعية سنة 1924، والتي كان يديرها ويشرف عليها عمر بن قدور الجزائري، كذلك كان يمكن اعتماد تاريخ انطلاق أول بث للإذاعة السرية الجزائرية في 16 ديسمبر من العام 1956 في المغرب الشقيق وبالتحديد من مدينة “الناظور”، بأمر من قيادة الاتصالات آنذاك وعلى رأسها المجاهد الراحل عبد الحفيظ بوصوف، وهذا بالنظر إلى حجم تأثيرها القوي في مسار الثورة من خلال المساهمة في التعبئة ورفع معنويات الجزائريين.
خلاصة القول أنه لا يوجد قرار اعتباطي دون استراتيجيه وأهداف ودون دراسة مسبقة، وقد علمتنا التجربة أن أي قرار يتخذ لا بد لنا أن نتساءل عن خلفياته وأسبابه ويبقى التاريخ والزمن كفيلان بكشف الحقيقة.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.