زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

لماذا أجمع العرب على اغتيال الصحافة الساخرة..!؟

لماذا أجمع العرب على اغتيال الصحافة الساخرة..!؟ ح.م

الدارس لتاريخ الصحافة العربية لابد له أن يكتشف أن عمر الصحافة الساخرة في الوطن العربي يزيد عن القرن والنصف.

فهي موجودة منذ أن أصدر رفاعة الطهطاوي عام 1870 مجلة روضة المدارس التي لم تكن تخلو من الفكاهات واللطائف.

مصر

رغم أن الدارسين يعتبرون مجلة أبو نظارة ليعقوب صنوع التي صدرت عام 1878 هيأول صحيفة هزلية كاريكاتيرية في الشرق. وهي المجلة التي ابتكرت شخصية شيخ البلد وكان يرمز بها إلى الخديوي إسماعيل، وشخصية أبو الغلب التي ترمز للفلاح المصري.

البلد الذي سوف يبادر بعودة هذا النوع من الصحافة إلى الساحة لن يكتفي فقط بفضل الريادة، بل كذلك بالفضل في ترسيخ الحرية الاعلامية وتقبل الآخر وكتاباته الساخرة.. وكم أتمنى أن يعود هذا الفضل للجزائر.

وأطلقت من باب السخرية على الخديوي توفيق لقب الخديوي توقيف، وعلى مصطفى رياض باشا الذي ترأس الوزارة ثلاث مرات اسم الوزير المشخلع، وعلى نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر لقب غوبار باشا.

تلى مجلة أبو نظارة مجلة التنكيت والتبكيت لعبد الله النديم (1881)، وكانت أول أسبوعية أدبية هزلية، سيل من الصحف الساخرة نكتفي في هذا المقام بذكرها بالاسم كون المجال لا يتسع للخوض في مضامينها، مثل: حمارة منيتي، أبو نواس، الكرباج، العفريت، الخلاعة، المسامير، الظرائف، مسامرات النديم ومجلة هاها وغيرها.

بالموازاة مع ذلك انتشرت المقالات الساخرة مع بداية القرن العشرين في العديد من الصحف مثل: اللطائف المصورة، سركيس، كل شيء، روز اليوسف، آخر ساعة، الاثنين، الصاعقة والمطرقة وغيرها.

في عشرينيات القرن الماضي تطورت الصحافة الساخرة بشكل كبير، وبلغت الذروة في الأربعينيات بظهور صحف جديدة مثل: الكشكول، خيال الظل، الفكاهة، ألف صنف، الغول، الخازوق، أبو قردان، البغبغان، اشمعنى، البعبوكة والضحك.

وعلى كثرة كتاب المقالة الساخرة بمصر الذين لا يتسع المجال لذكرهم، يظل ما كان يكتبه الصحفي أحمد رجب في جريدة الأخبار تحت عنوان “نص كلمة” بطريقة ساخرة تجاه بعض القضايا الاجتماعية والسياسية يرقى به إلى مصاف أهم الكتاب الساخرين بمصر.

اليوم لا نكاد نجد بمصر مقالة ساخرة، فما بالك بالصحف الساخرة. فقد تحولت الساحة الإعلامية المصرية إلى أرض قاحلة إذا تعلق الأمر بالحديث عن الصحافة الساخرة.

اليوم لا نكاد نجد بمصر مقالة ساخرة، فما بالك بالصحف الساخرة. فقد تحولت الساحة الإعلامية المصرية إلى أرض قاحلة إذا تعلق الأمر بالحديث عن الصحافة الساخرة.

سوريا

على منوال مصر شهدت سوريا القرن الماضي قفزة صحفية نوعية. حيث صدرت الكثير من العناوين الساخرة لعل أشهرها صحيفة المضحك المبكي لصاحبها حبيب كحالة الذي يعد رائد الصحافة السورية الساخرة.

وكانت أسبوعية سياسية ساخرة تزخر بالرسومات الكاريكاتيرية التي كان يرسمها ابنه سمير كحالة. وابتدعت المضحك المبكي العديد من الشخصيات الطريفة مثل السياسي الحشاش وأبو الشمقمق والأستاذ المقص وشخصية الحمار.

كما ظهرت الصحيفة الهزلية حط بالخرج عام 1909 لصاحبها فخري البارودي التي تعرضت للغلق عدة مرات بسبب انتقادها الساخر للحكومة والدستور العثمانيين.

ولما توقفت عن الصدور نهائيا، أعاد هاشم خانكان إصدارها عام 1924 بنفس العنوان حط بالخرج وكتب أنها امتداد لصحيفة البارودي. وكانت جريدة خانكان أسبوعية سياسية ساخرة.

وشهدت تلك الفترة ظهور الصحافة الساخرة في كل أرجاء سوريا، حيث حملت بعض العناوين تسميات غريبة، نذكر منها جريدة مسخرة في حلب، وجريدة أعطه جملة في دمشق اللتان صدرتا عام 1909.

بينما شهد العام الموالي صدور عناوين ساخرة مثل جريدة الحمارة التي صدرت في بيروت ثم انتقلت إلى دمشق، وجريدة كشكول في حلب، وجريدة النفاخة في دمشق، وجريدة ضاعت الطاسة في حمص.

واستمر ذلك الزخم عام 1911 بصدور جريدة المكنسة في حماة، وجريدة المرسح (وليس المسرح) في حلب، وجريدة جحا في دمشق.

سوريا المستقلة شأنها شأن مصر عرفت انحسارا رهيبا للصحافة الساخرة والمستقلة قبل زوالها. وكان علينا انتظار عام 2000 لنشهد ميلاد صحيفة الدومري The Lamplighter كأول صحيفة مستقلة مرخص لها منذ عام 1963.

وفي عام 1912 صدرت جريدة عكاز أبو النواس في اللاذقية، وجريدة الصاروخ في دمشق. بينما صدرت جريدة جراب الكردي في حمص سنة 1914، وجريدة ما صنع الحداد في اللاذقية عام1916.

إلا أن سوريا المستقلة شأنها شأن مصر عرفت انحسارا رهيبا للصحافة الساخرة والمستقلة قبل زوالها. وكان علينا انتظار عام 2000 لنشهد ميلاد صحيفة الدومري The Lamplighter كأول صحيفة مستقلة مرخص لها منذ عام 1963.

وكان صاحبها الفنان السوري رسام الكاريكاتير علي فرزات الحائز على عدة جوائز دولية. وكان يؤمن أن التغيير قد يأتي عن طريق النكتة والكاريكاتير.

خصوصا بعد الرواج الكبير الذي عرفته صحيفته بتناولها قضايا مصادرة الحريات، ضعف الاقتصاد، الحرب على الإرهاب، والتعذيب والرشوة. الأمر الذي أزعج السلطة السورية التي بادرت بغلق الصحيفة عام 2003. ومن يومها لم يعد للصحافة السورية الساخرة شأن يذكر.

الأردن

بالأردن اعتبر نقاد وأدباء أردنيون الكتابة الساخرة في المملكة من أنجح التجارب العربية، وقالوا إن تأثيرها قوي لكونها مطلوبة من الجماهير والنخب السياسية والثقافية.

وقد تطور هذا النوع من الكتابة بالأردن خصوصا منذ عام 1983 عندما احتل محمد طملية أول زاوية ساخرة في صحيفة أردنية بعنوان شاهد عيان، حيث صارت السخرية منتظمة الصدور لأول مرة، لكن ذلك لم يتبعه ظهور صحف ساخرة كما شهدته الساحتان المصرية والسورية.

المغرب الأقصى

بالمغرب الأقصى بلغت الكتابات الساخرة مستويات مقبولة، وتوقع لها المهتمون التطور لولا التضييق الذي تعرضت له.

ففي دراسة أعدها الباحث في العلوم السياسية الدكتور محمد شقيرتحت عنوان: السخرية والسلطة بالمغرب. من المأساة إلى التجريم، قال فيها أنه بالرغم من وجود بعض الأعمدة الساخرة المتناثرة في بعض الجرائد والأسبوعيات الصادرة بالمغرب، إلا أن ذلك لم يكرس بعد لثقافة سياسية ترسخ روح الدعابة والفكاهة وحرية التندر والهزل من مختلف مكونات المنظومة المخزنية بالمغرب.

فإغلاق نافذة الشاعر عبد الرفيع الجواهري والتضييق على الفنان الساخر أحمد السنوسي الشهير بلقب بزيز ومنع عروضه الساخرة من النظام، وهو صاحب المقولة الشهيرة: لو كنت وزير الفلاحة لأمرت بالإكثار من زراعة بذور الضحك، ومتابعة الصحفي علي لمرابط قضائيا نتيجة تندره من شخصيات ورموز مخزنية، وتوقيف جريدتيه الساخرتين والحكم عليه بعدم مزاولة مهنة الصحافة لعشرة سنوات دليل على كبت السخرية السياسية.

وقد استنفذ لمرابط عقوبته عام 2015 وأصر على مواصلة الكتابة الساخرة من خلال إصداره لمجلة ساخرة وموقع إلكتروني يحمل اسم الغد Demain وهو نفس الاسم الذي كانت تحمله إحدى جرائده المصادرة.

كان علينا انتظار نهاية ثمانينيات القرن الماضي لنقف شاهدين على الانفجار الإعلامي الذي أتاحه دستور 1989 والذي سمح في غضون عامين فقط (1989ـ1991) بظهور ما ينيف عن 140 عنوان إعلامي، كان للإعلام الساخر نصيب منها من خلال بعض العناوين مثل الصح آفة والسمسار

zoom

ويشكل توقيف مجلة نيشان بمسوغ تطاولها على الدين الإسلامي كما جاء في قرار الغلق، بحجة إعادة المجلة نشر نكت يتداولها المغاربة حول الدين ضربة لحرية التعبير. خصوصا أن صحفي المجلة كتب في نفس الموضوع الذي أوقفت فيه المجلة يشيد بأنه: لم يعرف أبدا أنه تم قمع النكتة السياسية أو منع تداولها، فكان أن تعرضت الصحيفة للقمع والمنع..!؟

الجزائر

في الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية صدرت البستان عام 1939 وهي صحيفة أسبوعية ساخرة. أصدرها ابراهيم أبو اليقظان مستعملا اسما مستعارا هو عيسى تعموت.

وقبلها عام 1934 بقسنطينة صدرت نشرة فكاهية ساخرة بعنوان أبو العجائب على يد محمد العابد الحلالي، والتي لم يصدر منها إلا ما ينيف عن عشرة أعداد.

في حين أصدر أحمد رضا حوحو وبوشمال والصادق حماني عام 1949 جريدة بعنوان الشعلة وقد تصدت بأسلوب ساخر لكل ما مس المجتمع الجزائري.

كان علينا انتظار نهاية ثمانينيات القرن الماضي لنقف شاهدين على الانفجار الإعلامي الذي أتاحه دستور 1989 والذي سمح في غضون عامين فقط (1989ـ1991) بظهور ما ينيف عن 140 عنوان إعلامي، كان للإعلام الساخر نصيب منها من خلال بعض العناوين مثل الصح آفة والسمسار.

ويمكن القول أن السلطة ورغم دخولها تجربة التعددية، إلا أنها لم تستطع استيعاب الآراء المخالفة وتقبل الأفكار المتعددة والحرة. لذلك لجأت إلى إجراءات تعسفية للتضييق على حرية الصحافة، تراوحت بين التعليق والغلق والابتزاز الاقتصادي من خلال منع الإشهار، ووصلت إلى حد السجن.

وكانت الصحف الساخرة من أوائل ضحايا سياسة التضييق. رغم أن جريدة الصح آفة حاولت من البداية أن تتحرر من الرقابة برفضها نشر الإعلانات التجارية مكتفية بعائدات مبيعاتها، ساعدها في ذلك الانتشار الواسع الذي حققته.

لكن لما طال انتقادها بطريقة ساخرة أعلى هرم السلطة، تم إيقافها بعد إلغاء المسار الانتخابي عام 1992. كما اختفت صحيفة المنشار باللغة الفرنسية بعدها بوقت وجيز.

كانت الصحف الساخرة من أوائل ضحايا سياسة التضييق. رغم أن جريدة الصح آفة حاولت من البداية أن تتحرر من الرقابة برفضها نشر الإعلانات التجارية مكتفية بعائدات مبيعاتها، ساعدها في ذلك الانتشار الواسع الذي حققته…

في ذلك الظرف الاستثنائي الذي مرت به الجزائر حاول الأديب الراحل محمد نطور وزميله محمد زتيلي الروائي الساخر صاحب عودة حمار الحكيم أن يكسرا حاجز الخوف الذي صنعته آلة الإرهاب التي بدأت تحصد آلاف الأرواح فأسسا منتصف التسعينيات أسبوعية بعنوان مسمار.

لكن وكما يقول زتيلي فيما بعد: لقد قادتني كتاباتي الإعلامية الساخرة في الجريدة إلى السجن، لأن المرحلة التي مرت بها الجزائر لا تحتمل السخرية، فهو أسلوب صعب الكتابة وصعب التقبل رغم حب القراء والناس له.

ومن يومها لاقت الصحافة الساخرة بالجزائر نفس مصير مثيلاتها بكل من مصر وسوريا.

من خلال العينات التي تناولناها، يبدو أن الإجماع العربي قائم على منع الصحافة الساخرة من الظهور والاستمرار. حتى أنه ليخال للدارس أن هذه الصحافة عرفت عصرها الذهبي أيام الاستعمار أكثر مما عرفته أيام الدولة الوطنية.

ومن نافلة القول أن البلد الذي سوف يبادر بعودة هذا النوع من الصحافة إلى الساحة لن يكتفي فقط بفضل الريادة، بل كذلك بالفضل في ترسيخ الحرية الاعلامية وتقبل الآخر وكتاباته الساخرة.. وكم أتمنى أن يعود هذا الفضل للجزائر.

ads-300-250

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.