قضيت يومين وأكثر أقرأ في ردود الأفعال المتنمرة على سفينة مادلين وقافلة الصمود، فيُخيل لك في لحظة ما أن الموازين انقلبت وصار من يسعى لكسر الحصار مادة دسمة للسخرية، ومن يضع روحه على كفّه من أجل غزة محلّ تندّر..
وصارت سفينة مادلين التي حلمت بالوصول إلى شاطئ الكرامة تُتهم بالتمثيل، وقافلة الصمود المنطلقة من الجزائر لتلتحق بقوافل تونس وليبيا ومصر، تُرمى بتهم الترند والشو الإعلامي والركوب على القضية، لا لشيء سوى لأن أصحابها تحرّكوا، فيما قعد المتنمرون خلف هواتفهم يطعنون المبادرات كما يطعنون ضمائرهم كل ليلة ثم ينامون.
من مات قلبه أو رُبّي على الذل أو أنزل سرواله مرارا أمام كل مستعمر وسيد، لا جدوى من نقاشه، لأننا ببساطة لا نناقش الموتى!
هؤلاء السلبيون لا يستحقون الجدل ولا النقاش، ويكفي “اضطرارا” للرد عليهم بما قاله يوما ويليام سامي غريغا حين رد على هندية شكّكت بكل وقاحة في جنس البطلة الجزائرية إيمان خليف، فمن مات قلبه أو رُبّي على الذل أو أنزل سرواله مرارا أمام كل مستعمر وسيد، لا جدوى من نقاشه، لأننا ببساطة لا نناقش الموتى!
هؤلاء سخروا من السفينة لأنها ستُحتجز؟ وكأن المبادرات تقاس بعدد الأميال؟! وكان أول من صاح ضد الحصار على العراق كان يعلم أن طائرته ستفتح بابا لأخريات؟ ثم ألم تكن “مرمرة” في 2010 باخرة صغيرة فتحت على الكيان الصهيوني جبهة أخلاقية في كل محفل؟ إنهم لا يفهمون لأنهم فقدوا الإحساس أصلا!
@ طالع أيضا: المُخلَّفون من العرب الشاردة..
قافلة الصمود ليست استعراضا، بل امتداد لماض مشترك نقي، حيث كانت المرأة في الثورة الجزائرية تنقل القنابل اليدوية في القفة، وكان الطفل الفلسطيني يحمل حجرا في وجه الدبابة الصهيونية، وكان الصراخ في وجه جنرال فرنسي أو صفع مستوطن صهيوني يُعدّ بطولة لا صخبا!
هؤلاء لا يعلمون أن الثورات تُخلق من بذرة صغيرة؟ ولا يعلمون أن الانتفاضة الأولى في فلسطين بدأت من حجر بيد طفل؟ ولا يعلمون أن كل رسمة على جدار أو صرخة في شارع أو جامعة أو وثائقيّ مغمور هي الوقود الذي حفظ جذوة القضية حية؟
ألم تكن “مرمرة” في 2010 باخرة صغيرة فتحت على الكيان الصهيوني جبهة أخلاقية في كل محفل؟ إنهم لا يفهمون لأنهم فقدوا الإحساس أصلا!
في تاريخ الثورات، لا يُحتقر الفعل الرمزي إلا من فقد رمزيته، لكن هؤلاء في كل مرة يحتقرون من يحمل علمًا، ومن يصرخ من حفرة، ومن يرفع صوته في وجه الإعلام المنحاز، نحن نعرف أنهم أبناء الجبن، وخريجو المدرسة التي تخرّج منها كائنات من نوع “حڨار النساء”، الذي امتهن جلد الذات، وكأنه يحمل ثأرا من لون بشرته أو لهجته أو وطنه، وهو يعلم أنه مهما بلغ ومهما قدم ومهما تنازل ومهما أنزل من قماش سيبقى مثل الكولونيل بن داود!
أهل غزة يُسحقون تحت القصف، بيوت تُدفن بمن فيها، أطفال بلا أطراف، ونساء تُبتر أرحامهن في صمت العالم. يُمنع الدواء ويُمنع الماء ويُمنع حتى الحزن من أن يُقال علنا، وفي ظل هذا الجحيم هناك من يشبّه رواد القافلة بتجار الشهرة، وهو فقط يكشف نفسه، فابن الشرف يرى النور حتى في الفعل الصغير، أما ابن العار فلا يرى إلا الزيف، لأنه لا يعرف سواه! هؤلاء الذين لا تليق بهم إلا إجابة من جنس قبحهم، هم الورم الأخلاقي في جسد الأمة!
@ طالع أيضا: “السفينة مادلين” ترسو بميناء الشرف
سفينة مادلين ليست خشبا يطفو على الماء، بل ضميرا يرفض الغرق، وقافلة الصمود ليست حافلات تعبر الصحارى، بل وجدان الشعب الحر الذي يرفض أن يشيّع غزة بالبكاء فقط!
دعوا المشككين يتقيؤون سخريتهم، فمن مات قلبه لا يُبعث بتعليق ومن وُلد في جيناته الذل لا يُصاحب في رحلة كرامة، أما الأحرار فهم سائرون حتى ولو أوقفوهم عند كل معبر أو شاطئ، لأنهم لا يطلبون الوصول بل يريدون أن يُثبتوا للعالم أن الوصول ليس مستحيلا بل الميت هو الذي لا يتحرك!
يمكن متابعة مسار قافلة الصمود من خلال الرابط التالي:
https://al-soumoud-convoy.com
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.